خطة كوشنر لإعمار غزة: من الإغاثة إلى الهندسة الديموغرافية

 

هداية محمد التتر

غزة| في قطاع غزة، يعيش السكان تحت وطأة حصار خانق، وحرب مدمرة، وفي خيام مهترئة، وبين ركام منازلهم التي دمرها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدار عامين من حرب الإبادة المستمرة. وفي دافوس، حيث المؤتمر الاقتصادي، كان جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي وعضو مجلس السلام الذي شُكّل مؤخراً، يعرض «رؤية شاملة» لإعادة بناء القطاع، مسوّقاً إياه كوجهة استثمارية كبرى.

البعد الديموغرافي الكامن
وفي هذا الصدد، يؤكد الكاتب والباحث السياسي، إياد القرا، في حديث إلى «الأخبار»، أن خطة كوشنر ليست جديدة في جوهرها، بل تمثّل امتداداً لمخططات قديمة حاولت تصوير غزة كمشكلة اقتصادية قابلة للحل عبر المشاريع والاستثمارات، مع تجاهل السبب الجذري للأزمة والمتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن تدمير القطاع لم يكن نتيجة خلل تنموي «بل حصيلة مباشرة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي الممنهجة، ما يجعل أي معالجة اقتصادية منفصلة عن السياق السياسي معالجة مضللة».
ويرى القرا أن الخطة تنسجم مع رؤية الإدارة الأميركية خلال عهد دونالد ترامب، القائمة على عقلية الصفقات، «حيث تُختزل القضايا السياسية المعقّدة في حلول اقتصادية، بحيث يعاد تسويق ما يسمونه ازدهار غزة، مشروطاً بنزع سلاح المقاومة، كذلك إعادة تعريف ما تسميه واشنطن التطرف، مقابل وعود بمشاريع استثمارية كبرى، تحت عناوين مثل ريفييرا الشرق الأوسط».
وبحسب القرا، فإن الأخطر مما سبق هو البعد الديموغرافي والجيوسياسي للخطة، ويقول «قطاع غزة الذي يضم نحو 2.5 مليون نسمة على مساحة لا تتجاوز 360 كيلومتراً مربعاً، يمثل تحدياً ديموغرافياً للاحتلال الإسرائيلي، لا سيما في ظل سيطرتها المباشرة أو غير المباشرة على أجزاء واسعة من أراضي القطاع».
ويعتبر الباحث السياسي أن التحدي الأساسي أمام الخطة يتمثل في استحالة تنفيذها وفق الشروط التي يفرضها الاحتلال، فضلاً عن الرفض الفلسطيني المتوقع، ويقول «الأولوية الفلسطينية هي إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، لا تنفيذ مشاريع مشروطة أمنياً وسياسياً»، مذكراً بتجارب سابقة «فاشلة»، منذ الحديث عن «سنغافورة الشرق الأوسط» في تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى مشاريع اقتصادية لم تُحدث أي تحوّل حقيقي في بنية الاقتصاد أو في الواقع السياسي.
ولا يستبعد القرا أن تتضمن الخطة، في مراحل لاحقة، محاولات لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني، عبر تعديل المناهج أو فرض أنماط ثقافية جديدة، كجزء من مقاربة شاملة تستهدف المجتمع لا الاقتصاد فحسب.
وكانت قد كُشفت، في منتدى دافوس الاقتصادي وعلى هامش الإعلان عن «مجلس السلام العالمي»، خريطة ثلاثية الأبعاد تقسّم غزة إلى مساحات عمرانية وسياحية وصناعية وزراعية، تشمل ناطحات سحاب لامعة، ومرافق سياحية على الساحل، وأحياء كاملة للأعمال والتجارة، وتضم ميناءً بحرياً ومطاراً ومعبراً حدودياً، في محاولة لرسم مستقبل زاهر لقطاع لا يزال سكانه يواجهون تبعات الإبادة والتهجير.

أرقام ضخمة واقتصاد هش
ومن زاوية اقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي، أحمد أبو قمر، في حديث إلى «الأخبار»، أن الخطة تقوم على رهانات عالية المخاطر، «فالمشروع الذي تُقدّر كلفته بأكثر من 112 مليار دولار على مدى يتجاوز عقداً من الزمن، يعادل أكثر من 30 ضعف الناتج المحلي الإجمالي السنوي لغزة قبل الحرب، ما يجعله قفزة غير منسجمة مع واقع اقتصادي هش ومحاصر وضعيف القاعدة الإنتاجية».
ويبيّن أبو قمر أن الأكثر إشكالية في الخطة هو هيكل التمويل المقترح، «حيث لا تتجاوز المساهمة الأميركية 20% من إجمالي الكلفة، مقابل أكثر من 80% تمويلاً غير محدد المصدر، ما يعني أن المشروع يقوم على افتراضات سياسية ومالية، أكثر مما يستند إلى التزامات فعلية قابلة للقياس».
ويقول الخبير الاقتصادي أن تجارب الإعمار في مناطق النزاع تُظهر أن فجوة التعهدات والتمويل الفعلي قد تصل إلى 40–50%، «ما يهدد بتحول المشروع إلى خطة مجتزأة أو متوقفة في منتصف الطريق، مع كلفة غارقة مرتفعة ودون عائد اقتصادي حقيقي».
ويحذر أبو قمر من أن الخطة لا تقتصر على إعادة البناء «بل تتحدث عن إعادة تشكيل كاملة للبيئة العمرانية والتركيبة السكانية، من دون تقديم تصور واضح لمصير السكان الحاليين»، لافتاً إلى أن غموضاً يكتنف ملف أصحاب الأراضي والعقارات، «حيث تتحدث بعض التقارير عن سيناريوهات غير ملزمة، مثل تحويل المالكين إلى مساهمين صغار في المشاريع الكبرى، أو منحهم وحدات بديلة، من دون ضمانات قانونية واضحة».
ويلفت إلى أن المعطيات الأولية تشير إلى اعتماد آليات جديدة للتعامل مع الملكيات، أبرزها، وفقاً لأبو قمر «السجلّ العقاري الرقمي، باعتباره مدخلاً لمعالجة تداخل الملكيات وفق توصيف كوشنر، ونظام المقايضة، عبر منح أصحاب العقارات أسهماً أو وحدات بديلة بعد التطوير، ومناطق الامتياز الاستثماري، خصوصاً في المناطق الساحلية، حيث يخيّر المالكون بين البيع أو الدخول كشركاء صغار في مشاريع سياحية».

دوافع اقتصادية وجيوسياسية أوسع
وفي ردّه على سؤال دوافع الاهتمام الأميركي والدولي بقطاع غزة، يرى الخبير الاقتصادي أن الخطة المطروحة لا تنفصل عن سياق إقليمي أوسع، تتجاوز فيه غزة كونها ساحة إعمار أو استثمار، لتتحول إلى نموذج تجريبي قابل للتعميم. ويقول أبو قمر «تنظر الولايات المتحدة إلى غزة بوصفها مساحة محدودة يمكن اختبار ما تسمّيه السلام الاقتصادي فيها، تمهيداً لتطبيق النموذج ذاته في مناطق أخرى من الإقليم، مثل الأردن أو سيناء، بما يسمح بإحداث تغييرات في التركيبة السكانية والديموغرافية والثقافية، وليس فقط في البنية الاقتصادية».
ويشير إلى أن هذا البعد التجريبي يمنح غزة أهمية خاصة في الحسابات الأميركية، «باعتبارها نموذجاً مصغراً لإعادة هندسة المجتمعات عبر أدوات اقتصادية تحت عناوين الاستثمار والاستقرار، ما يجعل الخطة أبعد من كونها مشروع إعادة إعمار تقليدي».
ويضيف «هناك عاملَين اقتصاديَين استراتيجيَين يشكلان دافعاً إضافياً للاهتمام الدولي بالقطاع، الأول يتعلق بالثروات الطبيعية وعلى رأسها غاز بحر غزة الذي جرى اكتشاف جزء منه منذ سنوات فيما لا تزال أجزاء أخرى غير منقّبة، في ظل أطماع أميركية وأوروبية وإسرائيلية بالتحكم بهذه الموارد واستثمارها».
ويتابع «أما العامل الثاني، فيرتبط بمشروع قناة بن غوريون التي يراد لها أن تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط مروراً بغزة، وفي حال تنفيذها، قد تشكل هذه القناة بديلاً استراتيجياً لقناة السويس، بما يحمله ذلك من تحولات كبرى في حركة التجارة العالمية، وخسائر محتملة لإيرادات مصر، مقابل مكاسب اقتصادية وجيوسياسية للاحتلال الإسرائيلي وشركائه».
ويلفت أبو قمر إلى أن تلك الاعتبارات تتقاطع مع هدف غربي أوسع يتمثل في فرض حالة من الاستقرار المدار في دول الطوق المحيطة بالاحتلال الإسرائيلي، بما يخفف عنها الأعباء الأمنية، ويعيد ترتيب الإقليم وفق معادلات اقتصادية وأمنية جديدة، تكون غزة إحدى ساحاتها المركزية.
وعليه، تبدو خطة كوشنر مشروعاً سياسياً بغطاء اقتصادي، يسعى إلى إعادة هندسة اقتصاد غزة وديموغرافيتها، أكثر مما يستهدف إعادة إعمارها، ومع غياب الاستقرار، وضبابية التمويل، وتجاهل حقوق السكان، تبقى الخطة أقرب إلى إدارة الأزمة لا معالجتها، وإلى تكريس وقائع جديدة على الأرض بدل إنهاء جذور الصراع.

ينعى الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى جماهير شعبنا، وإلى الحركة الوطنية والتقدمية،
الرفيق المناضل عبد الرحيم سليمان طناش شطناوي
الذي غيّبه الموت بعد مسيرة طويلة من العطاء والنضال.
وُلد الرفيق عبد الرحيم في أواخر أربعينيات القرن الماضي في بلدة حوارة إربد الأردنية، في ظل نكبة شعبنا الفلسطيني عام 1948، تلك النكبة التي شكّلت وعيه المبكر، ورسّخت في نفسه الانحياز للفقراء والمظلومين، وللقضية الوطنية العادلة. 
انتمى مبكرًا إلى صفوف الحركة الشيوعية، وكان رفيقًا شيوعيًا ملتزمًا، ثابتًا على مواقفه، مؤمنًا بعدالة الصراع الطبقي والوطني، ومدافعًا عن قضايا العمال والكادحين حتى آخر أيامه.
عرفه رفاقه إنسانًا صلبًا، صادقًا، متواضعًا، لم يساوم يومًا على مبادئه، ولم ينكسر أمام القهر والظلم.
 حمل همّ فلسطين في قلبه، وربط تحررها بتحرر الإنسان، وكان مثالًا للمناضل الذي جمع بين الوعي السياسي والانتماء الشعبي الصادق.
إن الحزب الشيوعي الفلسطيني، إذ يودّع هذا الرفيق العزيز، يتقدّم بأحرّ مشاعر العزاء والمواساة إلى عائلته ورفاقه ومحبيه، ويؤكد أن ذكرى الرفيق عبد الرحيم شطناوي ستبقى حيّة في وجدان رفاقه، وفي سجل المناضلين الذين لم ينحنوا.

المجد لذكراه،
والخلود للشهداء والمناضلين،
والنصر لشعبنا وقضيته العادلة.
الحزب الشيوعي الفلسطيني


عبد الهادي العجلة: غزة لحمٌ ودَم
محمد ناصر الدين

ليس سهلاً أن يكتب منفيٌ عن بيته وأرضه وبحره في غزة من دون أن يضغط الدم على النص ويحيله إلى مرثية طويلة من الحداد. وليس سهلاً، في المقابل، أن يفصل الأكاديمي أدواته الموضوعية الصارمة عن التاريخ العنيف الذي يصوغ مصائر البشر من شعبه وأهله وبني جلدته، ولا سيما المستضعفين منهم منذ عقود فوق هذي الأرض. في كتابه الجديد Fearful in Gaza الصادر بالإنكليزية (2026) عن دار Vita Casa Carlini (نيويورك)، ينجح الأكاديمي الفلسطيني المقيم في السويد والباحث في أكاديمية «فولكي برنادوت» عبد الهادي العجلة في اجتراح منطقة ثالثة في الكتابة عن غزة في زمن الإبادة. كتابة تجمع بين الذاكرة الفردية والتجربة الجماعية، بين الأدب والتوثيق، وبين الحميمي والسياسي، من دون أن يطغى أحدها على الآخر. بعد تحريره لكتاب أول عن «حكومات الثوار في الشرق الأوسط» (2021)، وتأليفه لكتاب ثانٍ بعنوان «الفضيلة الغائبة الثقة في المجتمعات المقسمة» (2022 ـــ دار «بلومبسبري» البريطانية العريقة)، يحط العجلة رحاله في غزة، أرض طفولته وشبابه، ليتناول الملحمة الغزية ببناء سردي متأنٍّ ومتين يقوم على صوتين متناوبين: صوت الابن وصوت الأم. سرد تنبعث فيه غزة بين تناوب الصوتين بحراً وشجراً وبيتاً ولعباً وخوفاً، وفضاءً تُختبر فيه الطفولة والأمومة معاً باكراً لمبضع الاحتلال والسلطة والفقد والانتظار والمنفى وانمحاء الذكريات. في هذه المقابلة، نحاور عبد الهادي العجلة عن غزة، عن خوفها العميق وصرختها في وجه العالم بأنّها من لحم ودم، عن الكتابة، والذاكرة، والأم، والطفولة، والسياسة، والمنفى، وما يعني أن تُكتب غزة من الداخل، لا كخبر يمرّ على الشاشة للشهداء والبيوت المهدومة، بل كحياة كاملة لأناس تليق بهم الحياة


■ أنت باحث في العلوم السياسية والحوكمة، وفي هذا الكتاب نلتقي بك ككاتب سيرة أدبية شديدة الحميمية. متى شعرت أنّ الأدوات الأكاديمية لم تعد كافية، وأن الكتابة الأدبية أصبحت ضرورة وجودية لا خياراً أسلوبياً؟
ــــ لم تكن الأدوات الأكاديمية، على امتداد الأعوام العشرين الماضية، كافية لالتقاط تعقيدات الحالة الفلسطينية، ولا سيما في غزة. من هنا جاء خيار كتابة هذا الكتاب بوصفه خياراً شخصياً، وفي الوقت ذاته خياراً له صلة مباشرة بالإشكال الأكاديمي نفسه.
فالجانب الشخصي يتمثل في أنّ هذه السيرة الذاتية لا تعكس تجربتي الفردية فحسب، بل تحاول أن تكون مرآة لتجربة الأسرة الفلسطينية في غزة، وتاريخها.
وهذا النوع من الكتابة لا يمكن احتواؤه داخل الإطار الأكاديمي البحثي الصارم، إذ يتطلب الخروج من تلك النافذة، ويفرض ضرورة قدر من الإبداع في المقاربة واللغة.
في مرحلة سابقة، فكّرت أن أكتب هذا العمل على هامش الرواية، لكنني تذكرت مقولة إدوارد سعيد حين قال إن الأكاديمي الفاشل هو الذي يتّجه إلى كتابة الروايات.
ما يهمني هنا هو ألا تتحول سيرة غزة، أو سيرة العائلة التي تعكس التاريخ الغزي، إلى مجرد رواية أخرى تُقرأ فقط من منظور الإبادة أو الصراع أو الحرب، وتُختزل في هذا الإطار الضيق. لذلك، رأيت أن هذا التوجه هو خيار جاء لضرورة وجودية لتخليد من هم في هذا الكتاب وسيرتهم ولتعكس غزة بطبيعتها من دون تجميل أو تأليه أو نزع إنسانية.

■ كتبتَ Fearful in Gaza في زمن الإبادة، بعد فقدان أكثر من فرد من عائلتك وأحبتك وأصدقائك. هل كان الكتاب فعل كتابةٍ في مواجهة الفقد، أم فعل حفظٍ للذاكرة قبل أن تُمحى؟
- بدأتُ العمل على هذا الكتاب قرابة عام 2018، واستمرّت الكتابة فيه على فترات امتدّت نحو خمس سنوات. غير أنّ التعامل معه بوصفه مشروعاً جاداً ومكتملاً بدأ فعلياً بعد وفاة والدي عام 2019. عندها تحوّل الكتاب، بشكل أو بآخر، إلى فعلٍ في مواجهة الفقد.
يمكن القول إنّ الجزء الأكبر منه، كُتب قبل الإبادة، لكن ما بعد الإبادة جعل الكتابة أمراً ملحّاً، لا يمكن تأجيله أو التعامل معه بوصفه خياراً مؤجلاً. ومع ذلك، من المهم بالنسبة إلي أن أوضح أنّ هذا الكتاب لا يسعى إلى تحويل الحزن إلى مشهد، ولا إلى استعراض الفقد أو تسليعه، كما لا يهدف إلى اختزال الحزن أو «تصنيعه» في صيغة تحليلية جاهزة.
فقدتُ في هذه الإبادة والدتي وعمّتي وأكثر من خمسين فرداً من عائلتي، لكن الكتابة هنا لا تنطلق من الرغبة في أرشفة الفاجعة. يقوم الكتاب بوظيفتين متلازمتين: فهو من جهة مواجهة للفقد كما هو، من دون تجميل أو اختزال، ومن جهة أخرى محاولة لوضع غزة—أو إعادة غزة التي لم تعد موجودة بصورتها السابقة—في صيغة الكلمات.
الخوف حاضر في العنوان، لكنه يتخذ أشكالاً متعددة: خوف الطفل، خوف الأم، خوف العبور، وخوف المنفى.

■ أيّ خوف هو المحور المركزي في هذا الكتاب؟
- الكتاب هو تعبير عن طيفٍ كامل من الخوف، عن تراكبه وتشابكه وتحوّله إلى حالة وجودية يومية. وهذا، في جوهره، انعكاس لغزة نفسها. فغزة، منذ بداية الاحتلال، أو منذ لحظة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، تعيش داخل جميع أنواع الخوف في آنٍ. خوف من الحاضر ومن المستقبل، وخوف ممتد من الماضي؛ خوف الطفل الذي يتشكّل وعيه في بيئة غير آمنة، وخوف الأم التي تعيش القلق بوصفه حالةً دائمة؛ خوف الأرض المهددة، وخوف السفر، وخوف العبور، بل حتى الخوف من الضحك، من الفرح، ومن لحظات تبدو عادية لكنها في غزة مشروطة دوماً بإمكانية الفقد.

■ يبدأ الكتاب بالزمن لا بالمكان. هل ترى أنّ المأساة الفلسطينية هي، في جوهرها، مأساة زمن مسروق قبل أن تكون مأساة جغرافيا؟
ـــــ أنت محق في هذا الطرح، وأعتقد أن الكتاب مرتبط بالزمن أكثر مما هو مرتبط بالمكان، من دون أن يعني ذلك إقصاء المكان أو تقليله. فالمكان حاضر بقوة: غزة، الشجاعية، شارع عمر المختار، البلدة القديمة، المساجد، الأسواق... كلها تشكّل جسد النص وذاكرته المكانية.
غير أنّ جوهر الكتاب يتجاوز الجغرافيا ليعبّر عن المأساة الفلسطينية بوصفها مأساة زمنٍ مسروق أولاً. حين أتحدث عن سرقة الزمن، أعني زمن الحياة اليومية، وزمن الاحتمال، وزمن الاستمرارية.
فالاحتلال لا يعمل فقط على تفتيت الجغرافيا أو السيطرة عليها، بل يعمل بشكل أعمق على تعطيل الزمن نفسه: تحويله إلى انتظار دائم، إلى حاضر معلّق لا يكتمل كما يتضح في الفصل الأخير، وإلى مستقبل مؤجَّل أو مُلغى بالكامل. يصبح الزمن هنا ساحة العنف الأولى، قبل أن يُدمَّر المكان، وقبل أن تختنق الطفولة، وقبل أن يتحوّل الشباب إلى عمرٍ ضائع، وأن تصبح الشيخوخة جزءاً باكراً من الشباب.

■ اخترتَ سرداً مزدوجاً يتناوب فيه صوت الابن وصوت الأم. لماذا لم تكتفِ بصوت واحد؟ وهل كان صوت الأم استعادة، أم اعترافاً مؤجَّلاً، أم حواراً لم يُتح في الحياة؟
- لم يكن الاكتفاء بصوت واحد ممكناً في الكتاب، ولذلك كان لا بدّ أن يكون له صوتان. فغزة لا تُعاش كتجربة فردية، ولا يمكن اختزالها في «حياتي» وحدها.
حياتي ليست حياتي الشخصية فقط؛ هي حياة أمي، وتضحيتها، ودمعتها، وخوفها، والطريقة التي حوّلت بها الزمن إلى مساحة ممكنة لنا.
من هنا، لم يكن ممكناً أن يُروى هذا الكتاب بصوت واحد. اختيار صوت الابن وصوت الأم لم يكن قراراً تقنياً، بل استجابة طبيعية للعلاقة بينهما، ولثقل ما لم يُقَل، ولتاريخ وزمن لا يمكن اختزالهما في شاهد واحد. صوت الابن يكتب من موقع التجربة ومحاولة الفهم، بينما يأتي صوت الأم بوصفه التجربة المباشرة نفسها، لا بوصفها هامشاً لها. صوت الأم في هذا الكتاب هو خليط بين الاعتراف المؤجَّل والاستعادة، لكنه ليس استعادة حنينية فقط، ولا اعترافاً بالمعنى التقليدي.
هو حوار تراكم في الذاكرة على مدار عشرين عاماً من العيش مع أمي، وإن كان الوعي الكامل به لم يتشكّل إلا في السنوات العشر الأخيرة في غزة قبل 2008.
هذا الصوت كان حاضراً دائماً في الحياة اليومية، لكنه لم يكن يُسمَع كاملاً داخل منطق السرعة وضرورات البقاء التي حكمت حياة الأسرة في غزة. إضافة إلى ذلك، فإنّ صوت الأم في غزة هو من أكثر الأصوات التي تعرّضت للتهميش، سواء قبل الإبادة أو خلالها.
هي حاضرة بوصفها إنساناً كاملاً، وصاحبة تجربة لا يمكن لأحد أن ينوب عنها. قال لي عدد من الأصدقاء الذين قرأوا الكتاب لاحقاً إنهم رأوا أمهاتهم في صفحاته، وهذا بالضبط أحد أهداف هذا العمل. صوت الأم هو صوت الأم الغزّية التي حاربت، وناضلت، وكافحت، ووقفت جنباً إلى جنب مع الرجال، ليس فقط في الفعل اليومي للبقاء، بل أيضاً في الحوار وتشكيل الوعي، وتحمّل أثقال الحياة تحت الاحتلال والحصار.

■ في فصول الطفولة، يبدو اللعب نفسه محمّلاً بالخوف والعنف. هل تعتقد أنّ الاحتلال لا يسرق الحياة فقط، بل يدمّر الخيال أيضاً؟ هل اللعب يتحوّل هنا إلى تدريب باكر على السلطة والعقاب؟
- أعتقد أنّ الاحتلال لا يسرق الحياة فقط، بل يدمّر الخيال أيضاً، أو على الأقل يعطّله ويعيد تشكيله ضمن شروط العنف. لكن من المهم أن أقول إنني لم أكتب فصول الطفولة وأنا أفكّر في اللعب بوصفه استعارة أو أداة تحليل. اللعب كُتب كما عُشناه، ثم انكشف لاحقاً ما كان يحمله من طبقات أعمق.
في غزة، لا يكون اللعب مساحة بريئة بالكامل. هو محمّل بالخوف، والعنف، وما يتسرّب إلى وعي الطفل من واقعٍ أكبر منه. الطفل لا يتدرّب على اللعب فقط، بل يتدرّب—من دون قصد—على السلطة، وعلى العقاب، وعلى من يملك القوة ومن يخضع لها. هذا لا يحدث لأن الطفل يريد ذلك، بل لأنّ العالم المحيط به مفروض بهذه اللغة.
الاحتلال، بهذا المعنى، لا يقتحم الحياة اليومية فقط، بل يتسرّب إلى الخيال نفسه. الخيال لا يُلغى، لكنه يُحاصر، ويُجبر على الاشتغال ضمن مفردات الخوف والبقاء. اللعب لا يختفي، لكنه يتحوّل: من مساحة حرّة للتخيّل إلى مساحة مُثقَلة بالواقع، حيث تتداخل البراءة مع العنف، والضحك مع الخطر.

■ في أحد الفصول، يظهر التعليم بوصفه معركةً عائلية واجتماعية، خصوصاً للنساء. هل ترى أن أحد أشكال المقاومة الفلسطينية الأكثر عمقاً يحدث داخل البيت لا في الشارع؟
- أعتقد أن أحد أشكال المقاومة الفلسطينية الأكثر عمقاً ونُبلًا واستمرارية هو ما يحدث داخل البيت الفلسطيني. يأتي التعليم هنا بوصفه أحد أهم هذه الأشكال. في عائلتي، لم يكن التعليم أسلوب حياة، ولا شكلاً من أشكال الوجاهة الاجتماعية، بل كان جزءاً من استراتيجية البقاء، وجزءاً من رؤية سياسية واضحة.
حين قال لي والدي إن «سلاحك هو شهادتك»، لم يكن ذلك مجازاً أو شعاراً، بل كان موقفاً جاداً نابعاً من تجربة جماعية. فالفلسطينيون، بطريقة أو بأخرى، حوّلوا التعليم إلى بديل عمّا سُرق منهم: حين سُرقت الأرض، استُثمر في العقول؛ وحين سُرقت الحرية، ولا سيما في غزة، جرت محاولة بناء مستقبل ممكن عبر التعليم. وعندما سعت إسرائيل إلى تحجيمنا وتضييق آفاقنا، أصبح التعليم المساحة التي وسّعنا من خلالها خيالنا، وقدرتنا على العيش، ومحاولتنا للحاق بالمستقبل.
من هنا، أرى أن التعليم بوصفه أحد أشكال المقاومة ليس نقيضاً للشارع، بل امتداد له. وفي هذا الكتاب، يظهر التعليم بوصفه معركة عائلية واجتماعية حقيقية، وخاصة بالنسبة إلى النساء. لم يكن التعليم خياراً محايداً، بل خياراً محفوفاً بالمخاطر والتضحيات: صراع مع الفقر، ومع القيود الاجتماعية، ومع الخوف، ومع واقع يضغط باستمرار باتجاه تقليص الطموح لا توسيعه.

■ ثمة مقطع في الكتاب حول ياسر عرفات يُقرأ كقصة إعجاب تنتهي بخيبة باكرة. هل أردت أن تقول إن الفلسطيني يتدرّب على الخيبة السياسية منذ طفولته؟
ــــــ هذا السؤال أضحكني فعلاً، لكنه دفعني أيضاً إلى التفكير بعمق أكبر في معنى خيبة الأمل. لا أعتقد أن الأمر كان تدريباً واعياً على الخيبة بقدر ما كان تعرّضاً مبكرًا لها.
مقطع ياسر عرفات في الكتاب لا يُكتب بوصفه محاكمة لشخص أو لتجربة بعينها، بل أراه لحظة تشكّل في الوعي السياسي الفلسطيني. لحظة يبدأ فيها الإعجاب بالتحوّل إلى أسئلة، ثم إلى ارتباك، ثم إلى خيبة مبكرة. الفلسطيني، وغزة بشكل خاص، لا يتعلّم السياسة من فراغ، ولا في مرحلة متأخرة من العمر. السياسة تدخل الحياة منذ الطفولة: عبر الأسماء، والصور، والخطابات، والرموز، وعبر التناقض الدائم بين ما يُقال وما يُعاش.
الإعجاب بعرفات، كما ظهر بالنسبة إلي وإلى غالبية أبناء جيلي، كان جزءاً من حاجة جماعية إلى رمز، إلى معنى، إلى أفق يعكس تجربة المجتمع، وتجربة الأهل، أكثر مما يعكس تجربة فردية.
لكن الخيبة تأتي لاحقاً، لا بوصفها نهاية للإيمان بالقضية الفلسطينية أو بالوجود الفلسطيني ذاته، بل بوصفها بداية وعي أكثر تعقيداً. هي لحظة انتقال من التلقي إلى المساءلة، ومن الرمز الكامل إلى الرمز المُساءَل. بهذا المعنى، لا تُنتج الخيبة انسحاباً بقدر ما تُنتج وعياً سياسياً أقل براءة، وأكثر التصاقاً بالواقع.

■ اخترت أن تكتب هذا الكتاب بالإنكليزية. هل كان ذلك موجّهاً للعالم، أم مسافة ضرورية لتحمّل الذاكرة؟ كيف تعاملت معه دار النشر الأجنبية والجمهور الغربي؟ وهل تفكّر في ترجمة عربية مستقبلاً؟
ـــــ اختيار اللغة الإنكليزية لم يكن قراراً أحادي الجانب. لم يكن موجّهاً إلى العالم فقط، ولم يكن مجرّد مسافة لغوية للاحتمال أو الاحتماء من الذاكرة، بل كان نتيجة تداخل هذين البُعدين معاً.
من جهة، الإنكليزية هي لغة المخاطَب الخارجي، واللغة التي تهيمن من خلالها السردية السائدة عن غزة في الخارج. الكتابة بها كانت محاولة للتدخّل في هذه السردية، لا الاكتفاء بالرد عليها، بل المساهمة في إعادة تشكيلها، والتشويش على أدواتها، واللعب داخل بنيتها نفسها. ومن جهة أخرى، كانت الإنكليزية مسافةً ضرورية ومساحة حماية.
الكتابة بالعربية كانت ستضعني في تماس مباشر وحاد مع الذاكرة، ومع التفاصيل الدقيقة، ومع اللغة التي تشكّل فيها الألم نفسه. لو كُتب الكتاب بالعربية، لكان كتاباً مختلفاً تماماً.
الإنكليزية وفّرت مساحة تسمح بالكتابة من دون الانهيار داخل النص ولا فائض عاطفي قد يطغى على التجربة بدل أن يحملها. وهذا كان أمراً حاسماً بالنسبة إلي. أما التعامل مع دور النشر الأجنبية، فكان صعباً وصريحاً. كنت واعياً منذ البداية أن هذه الحساسية ستجعل كثيراً من دور النشر ترفض الكتاب.
الموضوع بالنسبة إليهم شديد الحساسية، لأنه لا يقدّم غزة كما اعتادوا أن يروها أو يستهلكوها، بل يعيد سردية الغزي بوصفه إنساناً كاملاً، لا كخبر، ولا كرقم، ولا كضحية صامتة. هذا النوع من السرد لم يكن مألوفاً أو مريحاً لكثيرين. أما مسألة الترجمة إلى العربية، فهي بالتأكيد جزء أساسي من مصير هذا الكتاب. هي سؤال مفتوح ومؤجَّل، لكنه حاضر بقوة، وأفكّر فيه بجدّية.
في النهاية، هذه السردية يجب أن تكون متاحة للجميع. وإذا حصلت الترجمة، فأريدها أن تكون ترجمة مسؤولة، تحترم حساسية التجربة الغزّية، وحساسية العائلة، ولا تنقل النص بوصفه مجرد مادة لغوية، بل بوصفه ذاكرة حيّة.

■ في فصل أسميتَه «الخروج»، لا يبدو العبور خلاصاً بل جرحاً جديداً. متى أدركت أن المنفى لا يُنهي الألم، بل يعيد ترتيبه؟
ـــــ أعتقد أنّ إدراكي لهذه الحقيقة جاء على مراحل، وفي لحظات متفرقة، لكنّ اللحظة الأولى الواضحة كانت حين تلقيت المكالمة التي سمحت لي بالخروج عبر معبر إيرز. في تلك اللحظة، بدا الخروج صعباً منذ البداية، رغم أنه حمل في ظاهره وعداً بالخلاص.
بعد العبور، يتشكّل شعور يشبه الخلاص المؤقّت، أو على الأقل توقّفاً مباشراً ولذيذاً عن الخطر: الإحساس بأنني الآن حرّ، خارج المعتقل، خارج القبضة المباشرة للاحتلال. لكن مع مرور الوقت، يتّضح تدريجاً أن المنفى لا يُنهي الألم، بل يعيد ترتيبه. الألم في المنفى لا يختفي؛ إنه يغيّر شكله، ومكانه، وإيقاعه.
في غزة، كان الألم حاضراً بوصفه خطراً يومياً مباشراً، مرتبطاً بالأهل، والأصدقاء، وبالعيش تحت الاحتلال. أما في المنفى، فيتحوّل إلى غياب مستمر، وإلى شعور مزمن بالاقتلاع، وإلى حياة تُبنى فوق فجوة—فجوة لا يمكن ردمها.
الخروج، في هذا المعنى، لا يقطع العلاقة بالمكان. لم يقطع علاقتي بغزة، بل أعاد تشكيلها عبر الذاكرة. وهو لا يقطع العلاقة بالزمن أيضاً، لكنه يضعه في مدار مختلف. الجرح في المنفى لا يندمل، بل يُدفَع إلى مسافة أطول، ويجبر الإنسان— كما أجبرني—على العيش بطريقة مختلفة.

■ غزة هنا ليست خلفية للأحداث، بل كائن حي: بيت، بحر، شجر، لعب، وذاكرة. كيف تحمي غزة من التحوّل إلى مجرّد رمز أو خبر في الكتابة؟
ــــ لا يستخدم الكتاب غزة كخلفية، بل يجعلها حاضرة بوصفها حياةً تُعاش. البيت، والبحر، والشجر، وأماكن اللعب، والروائح، والأصوات، والذاكرة اليومية... كلها تفاصيل صغيرة لا تظهر في الخبر العاجل، ولا في الخطاب السياسي، ولا على شاشات التلفزيون، سواء في «الجزيرة» أو «العربية» أو «بي. بي. سي» أو «فوكس نيوز».
حين تُكتب غزة من داخلها، ومن خلال علاقتها بالطفل، وبالأم، وباللغة، وبالزمن، تصبح أقل قابلية للاختزال، وأكثر مقاومة للتحوّل إلى رمز مجرّد. وهذا كان أحد أهداف الكتاب الأساسية. منذ البداية، كان السؤال بالنسبة إلي: كيف يمكن تأليف كتاب عن غزة لا يكون مجرد إضافة أخرى إلى الرفوف، تُعيد ما قيل من قبل بصيغة مختلفة؟
الخطر الأكبر في الكتابة عن غزة ليس الصمت، بل التكرار: أن تتحوّل إلى استعارة جاهزة، أو إلى خلفية للألم، أو إلى رقم في نشرة أخبار. لذلك شعرتُ أن مسؤوليتي، بوصفي ابن غزة، هي أن أكتبها لا بوصفها فكرة، ولا بوصفها قضية مجرّدة، بل بوصفها حياة كاملة تُعاش، بتناقضاتها، وخوفها، وذاكرتها، وتفاصيلها التي لا تُرى لكنها تصنع المعنى.

■ هل يمكن قراءة الكتاب كرحلة من مقاومة غريزية في الطفولة إلى وعي نقدي في النضج؟ أيّ الطورين كان أصعب عليك في الكتابة؟
ـــــ أوافقك، لكن مع تحفّظ مهم: لا أرى الطفولة بوصفها مرحلة مقاومة غريزية خالصة، ولا النضج بوصفه انتقالاً نظيفاً إلى وعي نقدي مكتمل. ما يحدث في الكتاب هو مسار تراكمي، تتداخل فيه منذ البداية الغريزة مع الوعي، والمقاومة مع السؤال. في الطفولة، كانت المقاومة جزءاً من الحياة اليومية، غير مسمّاة، وغير واعية بذاتها.
كانت في اللعب، وفي الخوف. لم تكن مقاومة بطولية، بل مقاومة غريزية، نابعة من الجسد قبل اللغة، ومن الحاجة قبل الفكرة. أما النضج، فجلب معه الوعي النقدي، لكنه جلب أيضاً عبئه الثقيل. الوعي لا يحرّر دائماً؛ أحياناً يُثقل.
في مرحلة النضج، تصبح الأسئلة أكثر حدّةً، والخيبات أكثر وضوحاً، والمسؤولية الأخلاقية أكبر. الكتابة هنا أصعب لأنها لم تعد محمية ببراءة الطفولة، ولا بقسوة الغريزة، بل مطالبة بالمساءلة، وبالاعتراف، وبالنظر إلى الذات من دون أوهام.

■ في فصل «أصداء بين الأجيال»، لا نجد قطيعة حادّة بين الأجيال بل تفاوضاً مؤلماً. هل أردت تفكيك الصورة النمطية عن صراع الأجيال في المجتمع الفلسطيني؟
ـــــ لا يمكن الحديث عن صراع أجيال في فلسطين بالمعنى المتداول. ما جرى تاريخياً، وما يجري اليوم، ليس مواجهة بين جيلٍ وآخر، بل عملية تفاوض مستمرة بين الأجيال حول أسئلة أساسية: ماذا نبحث؟ ماذا نريد؟
وكيف نعيش داخل هذا الواقع؟ هذه العملية لم تكن يوماً سهلة، ولم تخلُ من الألم أو الحدة، لكنها لم تصل إلى قطيعة حادة بين الأجيال. حتى اللحظة، لا قطيعة حقيقية بين الجيل السابق والجيل الحالي في المجتمع الفلسطيني. ما يوجد هو تفاوض مؤلم، أحياناً قاسٍ، يمتد من التفاصيل الصغيرة إلى القضايا الكبرى.
هذا التفاوض هو شكل من أشكال الاستمرار، لا الانفصال، وهو ما يتناقض مع الصورة النمطية التي جرى تعميمها، خصوصاً في الخطاب السياسي، عن وجود صراع أجيال حاد بين القديم والجديد.
هذه الصورة النمطية لم تتشكل في فراغ، بل أسهمت السياسة، والمجتمع، والاقتصاد، في إنتاجها وإعادة تدويرها. غير أنّ التجربة الداخلية الفلسطينية تكشف واقعاً مختلفاً: علاقة مركّبة بين الأجيال، تقوم على الجدال، والمساءلة، والاختلاف، لكن من دون انقطاع أو نفي متبادل.

■ في صفحة التعريف بك، يُوصَف الكتاب بأنه «حساب، تحية، ونداء للتذكّر». إلى من يتوجّه هذا النداء أساساً؟
ـــــ على امتداد أكثر من عامين من الإبادة، كانت غزة في صدارة الأخبار، لكن حضورها تحوّل تدريجاً إلى خبر أرقام: ألف قتيل، خمسة آلاف قتيل، أحياء مدمّرة، بنى تحتية مُمحاة. ومع انخفاض الأعداد في العناوين، انخفض معها الصوت، وتراجع الانتباه، كأنّ تكرار الكارثة أفقدها قدرتها على الصدمة.
من هنا، يتوجّه هذا النداء إلى الجميع من دون استثناء: إلى من يقفون مع الفلسطينيين ويدافعون عن القضية الفلسطينية، كما يتوجّه إلى أولئك الذين ساهموا، بوعي أو من دونه، في نزع الإنسانية عن غزة وعن أهلها.
هو نداء مساءلة، ونداء فعل، قبل أن يكون نداء تعاطف. الحديث هنا ليس عن إنسانية مختلفة أو استثنائية، بل عن إنسانية وُضعت أمام أقسى اختبار ممكن. إنسانية غزة ليست أعلى لأنها مغايرة، بل لأنها تعرّضت لأبشع أشكال الإبادة في التاريخ المعاصر، وبقيت مع ذلك قادرة على أن تُرى، وأن تُسمّى، وأن تُكتب. هذا النداء لا يطلب الشفقة، ولا يكتفي بالإدانة، بل يطالب بإعادة الاعتراف بغزة كحيّز إنساني كامل، لا يُختزل في الأرقام، ولا يُمحى بانخفاض الصوت.

■ لو خرج القارئ من Fearful in Gaza بجملة واحدة فقط، ماذا تتمنى أن تكون؟
- جملة واحدة قصيرة «غزة ليست بخارقة ولا بضحية. غزة كبقية البشر- لحم ودم».
سماءٌ في زورق
آيات القاضي
 دمشق

المهاجر لن يعود
من قامر بحياته على زورق
من دفن عند عتبة منزله صوت أبيه. من صادق الموت المعلّق في الممرات
من تجاهل جوع أخيه كي لا تسقط عيناه.
■ ■ ■
المنفى يورَّث كاللغة
وينسج للمهجّرين قمصاناً
من وحشة المدن الغريبة
■ ■ ■
من يخبر الأمهات
اللاتي سخرن من الغربة ببواكير الوقت
أن البلاد التي أعادت لقابيل خطيئته لن تمنح الخطوات إلا ملح الكلمة
■ ■ ■
من يخبر الآباء
أن الصباحات التي تحفر برائحة الوجوه
تبيع العيون وهماً لاذعاً من شهقة الأبواب
■ ■ ■
من يخبر الطرقات
التي حصدت من ظلال الراحلين
صمتاً لائقاً لملحمة الدم
أنَّ السؤال عن الرحيل
أكثر ما يجرح الهواء في انكسار الأرض
■ ■ ■
بالارتياب الكائن في سواد الغابة بالصوت المتكسر من وحشة الأشياء
في المدن الغريبة
بالوقت الذي يستهل الألم فينعقد صوراً مالحة
يبتكر المهاجر طريقة للتحليق
فيغمض عينيه ليلمس بلاده
ويعود منها وقد علقت عيناه هناك.


نحو صيغة برنامجية كفاحية
سعد الله مزرعاني
كاتب وسياسي لبناني

في مقالي السبت الماضي («الأخبار» 24/1/2026)، تناولت ما آل إليه وضع «الميكانيزم» (الأميركية بالأساس) من فشل وتعطيل. السبب لهذين، هو استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، خلافاً لقرار «وقف الأعمال العدائية» الصادر في 26 تشرين الثاني 2024. أذاع ذلك القرار، شخصياً، الرئيس الأميركي جو بايدن. شكلت واشنطن لجنة «مراقبة» التنفيذ وترأستها. بالتوازي، عقدت واشنطن مع تل أبيب (كما أعلنت تل أبيب نفسها) اتفاقاً/خدعة لتحويل «وقف الأعمال العدائية» إلى اتفاق يسري على لبنان والمقاومة حصرياً. بموجب هذه الخدعة تمكنت تل أبيب من الاستمرار في الحرب: توسعاً وتدميراً واغتيالات.
تولّت واشنطن دائماً، كذلك لجنة «المراقبة» التي يترأسها مبعوث أو جنرال أميركي، تبريرَ وتغطية الانتهاكات الإسرائيلية. في معطيات مشابهة وفي وقت لاحق، تكرر هذا الأمر في غزّة، حيث واصلت تل أبيب، هناك أيضاً، عدوانها الوحشي الإبادي على الشعب الفلسطيني. في غزة تمثّل الطرف الأميركي، أيضاً، برئيس الولايات المتحدة الجديد وبمبعوثيه. وهو يصنّف نفسه متفاخراً، ويصنّفه نتنياهو متباهياً ومتملقاً، بأنه أكثر رؤساء الولايات المتحدة دعماً لإسرائيل. الرئيس ترامب عبّر بالفعل عن ذلك، في كل مواقفه الداعمة للمجازر الإسرائيلية وتوعّد بالمزيد منها للغزيين إذا لم يستسلموا. «خطته» بشأن غزة تجسد الانحياز الكامل والدائم للعدو.
بديل واشنطن لتعطيل «الميكانيزم» في لبنان، أسوأ بما لا يقاس من حيث التركيب ومستوى التمثيل والأهداف. إنها مقاربة شاملة، كما يتضح من الضغوط والتهديدات الأميركية والاعتداءات الإسرائيلية المتعاظمة. الغاية، وبأسرع وسيلة ممكنة، تحقيق الأهداف الإسرائيلية في لبنان، بما يتخطى التطبيع عبر تحويله إلى محمية إسرائيلية أسوأ، حتى، مما مثّله اتفاق 17 أيار لعام 1983.
الرد على التعطيل ليس من النوع الإجرائي لجهة اقتصاره على مسألة «الميكانيزم» وكيفية تفعيلها أو تصويب عملها. هذا أمر تخطاه الطرفان الأميركي والإسرائيلي من خلال العدوان والضغوط والإملاءات: لفرض صيغة «تفاوضية» سياسية إلحاقية تطبيعية مباشرة بـ«رعاية» واشنطن وعضوية تل أبيب وبيروت! كيف يكون الرد إذاً؟
من نافلة القول إن السلطة الحالية هي إحدى الثمرات المرّة للعدوان الإسرائيلي والضغوط الأميركية. وهي، بالتالي، ليست طرفاً منخرطاً (أو حتى راغباً) في تمثيل المصلحة الوطنية اللبنانية وفق الشروط والكيفية المطلوبة. ما تبديه من التردد هو من قبيل المناورة لتهيئة الانتقال إلى الموافقة! لكن ثمة مشكلة لا ينبغي تجاهلها والتقليل من خطورتها. إنها تتمثل في غياب قوة لبنانية فاعلة (باستثناء المقاومة) تحاول تدارك جنوح السلطة اللبنانية نحو تقديم تنازلات جسيمة وخطيرة.
وتتصدى، بالتداعي وبالضرورة، للمخطط الأميركي الصهيوني في لبنان والمنطقة. إنه لمن المؤسف جداً، أن هذه القوة، بالمعنى الذي نتناوله هنا، هي شبه غائبة أو غائبة بالكامل! هذا الخلل يعاني منه العمل الوطني في لبنان، على الأقل، منذ اندلاع أزمة النهب الشامل والانهيار الكامل بدءاً من أواخر عام 2019. وهو مستمر ومتفاقم حتى اليوم، حيث يتعاظم خطر العدوان الأميركي الإسرائيلي، وتتوسّع استهدافاته للبنان وللمنطقة العربية والشرق أوسطية عموماً.
من نافل القول، إذاً، إن المواجهة المطلوبة ليست مجرد اقتراحات أو تحسينات إجرائية على عمل «الميكانيزم» لكي تبقى دون تعديل، وعلى قراراتها لكي تنسجم ولو بالحد الأدنى، مع قرار «وقف الأعمال العدائية» بين لبنان وإسرائيل، كما تحددها نصوصه. إن فترة «الفراغ الوطني» قد راكمت جملة سلبيات وخسائر. وهي تصبح أكثر تكلفة بالمقارنة مع ما يتعرض له لبنان من مخاطر قد لا تتوقف عند حدود من حيث نتائجها على سيادته ووحدته الوطنية وعلى وجوده من الأساس!
لقد رتَّب غياب «مشروع وطني» ذي مرجعية قيادية وخطة وأولويات، نتائج خطيرة حتى الآن. الخسائر المتوقعة والداهمة الناجمة عن استمرار غيابه هي، بالتراكم، وبتصاعد الاستهداف، أكبر وأفدح بما لا يقاس.

أمّا بشأن البرنامج الوطني المطلوب، فيمكن اختصار عناوينه الأساسية على النحو الآتي:
أولاً، ممارسة ضغط سياسي وشعبي مضاد من أجل منع السلطة من المضي في تقديم المزيد من التنازلات.
ثانياً، الرفض القاطع لتحويل الجيش اللبناني إلى حرس حدود للعدو، في نطاق جهد وطني واسع من أجل أن يتكامل دوره مع المقاومة والاعتراض الشعبيين، وليس العكس.
ثالثاً، إدانة ورفض الانحياز الأميركي للعدو، وصولاً إلى رفض «الوساطة/ الوصاية» الأميركية من أساسها واستبدالها بدور حصري للأمم المتحدة.
رابعاً، إدارة ورشة صلات مع أصدقاء لبنان لدعم هذا البرنامج سياسياً وإعمارياً. الجزائر، مثلاً، أبدت استعداداً ملموساً للدعم جرى تجاهله بضغط أميركي وبوضوح من قبل الحكومة!
خامساً، اعتماد خطة شاملة للنهوض الوطني وللتصدي للتبعية والتفريط والهدر والفساد والتسويف في معالجة آثار العدوان.
ينبغي الإشارة، بأسف شديد، إلى أن التعامل مع أسباب الغياب وتماديه وتعاظم خسائره، ما تزال قائمة رغم كل ما حصل. إن ارتكاب الأخطاء ليس هو الأخطر في مجرى العمل. هو يصبح كذلك إذا ما تحوَّل إلى نمط سلوك وتعامل في ظروف مصيرية كالتي يمرّ بها لبنان والمنطقة عموماً في المرحلة الراهنة.
من أجل هذا الهدف الوطني، الكبير والخطير والمصيري، الذي أوردنا عناوينه آنفاً، ينبغي أن تُبذل الجهود، وتنطلق المبادرات، وتُشحذ الهمم والقرائح... وتبدأ الخطوات الأولى التأسيسية!



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire