دراما «مجلس السلام» | ترامب لحلفائه: انضمّوا وإلّا!

 

بعدما وجّه دونالد ترامب، قبل أيام، دعوات إلى نحو 60 دولة للانضمام إلى مبادرة «مجلس السلام»، يبدو الرئيس الأميركي مصرّاً على إنجاح مبادرته، حتى لو كان ذلك عبر إرغام الدول على المشاركة، بواسطة ضغوط مختلفة. ويهدف المجلس، بحسب نص الدعوة، إلى «إنهاء النزاعات العالمية»، في ما يعكس رغبة ترامب في فرض إطار بديل من الأطر الدولية التقليدية، وعلى رأسها «الأمم المتحدة»، خصوصاً أن الرسالة تضمّنت تصوّراً موسّعاً لمهام المجلس ومسؤولياته، بما يتعدّى غزة إلى ملفات دولية أخرى.
وبحسب مسوّدة الميثاق، فإن «ترامب سيترأّس المجلس مدى الحياة»، في حين ستكون «عضويته محدَّدة بثلاث سنوات»، باستثناء الدول التي تدفع مليار دولار لتمويل الجسم الجديد، والتي ستحصل على عضوية دائمة. ويرغب ترامب في تنظيم مراسم التوقيع على الانضمام إلى المجلس، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس غداً، رغم كثرة العثرات والتعقيدات التي بدأت تلوح في الأفق.
في المقابل، تلقّت حكومات عدة تلك المبادرة بـ«حذر»، مبديةً مخاوفها من أن يؤثّر «مجلس السلام» سلباً على دور «الأمم المتحدة». لكنّ ترامب يبدو عازماً على تسليط ضغوط على المعترضين حتى يستجيبوا له؛ إذ هدّد، أمس، بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على واردات النبيذ والشمبانيا الفرنسية، في محاولة لإجبار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على الانضمام إلى المبادرة، بعدما رفض الأخير الدعوة. ورداً على سؤال صحافي بشأن رفض ماكرون، قال ترامب: «هل قال ذلك؟ حسناً، لا أحد يريده لأنه سيغادر منصبه قريباً جداً»، مضيفاً: «سأفرض رسوماً جمركية 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسييْن... سينضمّ إلى المجلس، لكنه ليس مضطراً إلى ذلك».
وفي الطبقة الأدنى من منظومة خطة ترامب، على الأرض، كشفت وكالة «رويترز» أن عدداً من الدول الأوروبية تدرس إمكانية تقليص أو وقف مشاركتها في «مركز التنسيق العسكري - المدني» الخاص بغزة، الذي تقوده القوات الأميركية في مدينة كريات غات جنوب الأراضي المحتلّة. ووفقاً لدبلوماسيين، فإن «المركز لم ينجح في تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها، وأبرزها تسهيل دخول المساعدات ورسم السياسات لما بعد الحرب». وكانت عشرات الدول، من بينها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ومصر والإمارات، قد أرسلت بعثات أمنية - عسكرية إلى المركز، غير أن دبلوماسيين أكّدوا أن «العديد من هذه الوفود لم تعد إلى العمل منذ عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة»، ووصف أحدهم المركز بأنه «بلا اتجاه».
ويأتي ذلك فيما لا تزال «اللجنة المؤقّتة لإدارة قطاع غزة» تواجه عراقيل كبيرة، وسط تمنّع إسرائيلي عن السماح لأعضائها بالدخول إلى القطاع، رغم الاتفاقات المُسبقة في هذا الشأن التي تمّت برعاية أميركية. وعلى الرغم من إبداء حركة «حماس» مرونة في تسهيل عمل اللجنة، فقد استمرّت تل أبيب في وضع العراقيل أمامها، ما دفع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك إلى تكثيف اتصالاتهم مع واشنطن لمعالجة هذا التعنّت. ووفق مسؤول مصري تحدّث إلى «الأخبار»، فإن «من بين الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتعطيل دخول اللجنة هو انتظار استعادة رفات آخر جندي إسرائيلي مُحتجز في غزة». وأشار المسؤول إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيطرح ملف العقبات الإسرائيلية خلال لقائه المرتقب مع ترامب على هامش «منتدى دافوس»، وسيقدّم تقريراً شاملاً يتضمّن رؤية القاهرة بشأن المعوقات أمام تثبيت وقف إطلاق النار. ولفت إلى أن «معبر رفح لا يزال مُغلقاً بقرار إسرائيلي يتناقض مع كلّ ما تمّ الاتفاق عليه». كذلك، كشف المسؤول أن السعودية «تروّج داخل أروقة المفاوضات لخطط تهدف إلى إخراج قيادات من حماس من القطاع، وتحديداً إلى تركيا، وهي مقترحات تعتبرها مصر عبئاً على مسار معقّد أساساً».
«لجنة التكنوقراط» ممنوعة من الدخول إسرائيل توسّع «فيتواتها» في غزّة
يوسف فارس

غزة | تسير «لجنة التكنوقراط الإدارية» المنوط بها إدارة قطاع غزة وسط حقل من الألغام، حيث تتكشّف يوماً بعد آخر، العقبات التي تعترض عملها، ليس على الصعيد الداخلي الفلسطيني فحسب، وإنما لجهة تعاطي الإسرائيليين معها. ففيما أبدت «حماس» استعدادها لتوفير المناخ اللازم لتمكين اللجنة من ممارسة مهامها، وتسليمها المؤسسات الحكومية كافة، تنظر إليها السلطة في رام الله وحركة «فتح» بعين الريبة، ولا سيما بعد تلقّي رئيسها، علي شعث، دعوة شخصية من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للمشاركة غداً في الإعلان عن تشكيل «مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، الأمر الذي يجسّد أول مظاهر الانسلاخ التام لإدارة غزة عن المؤسسة الرسمية الفلسطينية المتمثّلة في «منظمة التحرير».
وعلى المقلب الإسرائيلي، يمثّل إعلان رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، رفض تشكيلة «مجلس السلام»، وقبله «اللجنة الإدارية»، الملمح الأبرز للمرحلة المقبلة، إذ كشفت صحيفة «هآرتس» عن وجود نية لمنع أعضاء اللجنة من دخول قطاع غزة عبر معبر رفح البري - الذي كان من المُفترض أن تعود عبره لممارسة أعمالها في القطاع في نهاية الشهر الجاري -، ما يعني إجبارها على ممارسة مهامها من القاهرة. ومع أن هذا الإعلان يُبقي مجالاً محدوداً للمناورة، تحسّباً، على ما يبدو، لردة فعل أميركية - بحيث يمكن عندها السماح بعبور اللجنة إلى القطاع من معبر كرم أبو سالم -، غير أن هذه المناورات تكشف عن مسارٍ إسرائيلي سيدوم طويلاً، عنوانه الأبرز تعطيل عمل أيّ كيان من شأنه تحطيم سقف الطموحات اليميني العالي، المتمثّل بالعودة إلى الحرب ونزع سلاح المقاومة بالقوة، وصولاً إلى تهجير الغزيين إلى خارج القطاع.
وفي السياق ذاته، يصرّ نتنياهو على رفع «كرت أحمر» أمام مشاركة كل من قطر وتركيا في «مجلس السلام»؛ إذ اعتبر أن إشراكهما «خط أحمر»، مؤكّداً أنه يدرس خطوات تصعيدية تجاه الولايات المتحدة، بما في ذلك التلويح باستخدام حق النقض الإسرائيلي، بحسب صحيفة «معاريف». ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن انضمام تركيا وقطر تطوّر خطير، قد يؤدّي إلى تعزيز «حماس» فعلياً، حتى وإن لم يكن ذلك رسمياً. وفي تعليقه على الموقف الإسرائيلي، قال رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في تصريحات في دافوس، إن «الأمور في المنطقة يمكن أن تنفجر إذا لم يتمّ التعامل معها»، مضيفاً أن «المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب في غزة تمّت، لكن هذا لا يعني أن الاتفاق نُفّذ»، معتبراً أن «مجلس السلام يجب أن يكون فعّالاً وعنصر استقرار، وأن الوضع الإنساني في غزة ما زال يحتاج إلى كثير من التدخّل ويجب أن يتم رفع القيود».
من جهتها، تتوقّع الإدارة الأميركية من إسرائيل الموافقة على جميع الخطوات المتعلّقة بغزة، وذلك كجزء من مفهوم أوسع لإدارة «المرحلة الثانية». وتفرض هذه الوقائع على نتنياهو اتّباع سياسة شديدة التناقض والغموض، إذ إن عليه أن يتمسّك بالمواقف الأمنية وشعارات «النصر المطلق» التي رفعها طوال عامي الحرب، في الوقت نفسه الذي سيكون فيه عليه تجنّب المواجهة مع ترامب، والمحافظة على علاقة استراتيجية بواشنطن، فضلاً عن مراعاة التوافق الداخلي مع حلفائه اليمينيين لكي يضمن بقاء حكومته.
وإذ تنعكس هذه المسارات المتناقضة بشكل مباشر على سلوكه في إدارة شؤون القطاع، فإن التلويح المستمر بالعودة إلى الحرب، والموافقة على الانتقال إلى «المرحلة الثانية» مع تعطيل كلّ استحقاقاتها، يشكّلان الواقع المعيشي في غزة، والذي لم يشهد ما بين المرحلتَين الأولى والثانية أي تغيير جذري في الملفات المهمة، وفي مقدّمتها الانسحاب من مناطق «الخط الأصفر»، وإدخال مواد البناء، وتمكين عمل «اللجنة الإدارية».
نتنياهو ينضمّ إلى «مجلس السلام» في غزة
أعلن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، موافقته على الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يعمل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على إنشائه، بحسب ما أعلن مكتبه.
وقال مكتب نتنياهو، في بيان مقتضب نقلته وكالة «فرانس برس»، إنّ رئيس الوزراء «قبل دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانضمام بصفة عضو إلى مجلس السلام» الذي سيضمّ «قادة من العالم أجمع».
وكانت واشنطن قد وجّهت دعوات إلى عدد من الدول والقادة للمشاركة في المجلس الذي يترأسه ترامب.
وبحسب نسخة من «الميثاق» حصلت عليها وكالة «فرانس برس»، فإن المجلس الذي أنشئ في البداية للإشراف على إعادة إعمار غزة، سيضطلع أيضاً بـ«مهام أوسع تتمثل في المساهمة بحل النزاعات المسلحة في العالم».
وينص الميثاق على أن «كل دولة عضو تتمتع بولاية مدتها القصوى ثلاث سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيّز التنفيذ، قابلة للتجديد من جانب الرئيس». لكنه يستثني الدول التي «تدفع أكثر من مليار دولار نقداً إلى مجلس السلام خلال السنة الأولى» من العمل، حيث لا تسري عليها مدة الولاية المذكورة.
«الإعلام المقاوم» بين الميدان والسردية
تقديراً لشهداء الإعلام والصحافة في لبنان وفلسطين، ينظم «منبر فلسطين» ندوة بعنوان «الإعلام المقاوم: محمد عفيف وأبو عبيدة نموذجاً»، يوم الخميس 22 كانون الثاني (يناير) الجاري، في «مؤسسة سعاده للثقافة».
تتناول الجلسة مفهوم الإعلام المقاوم ودوره في مواجهة السرديات المهيمنة، عبر تجربتين بارزتين شكّلتا نموذجاً في العمل الإعلامي المرتبط بالميدان والموقف السياسي. يشارك فيها كلٌّ من الكاتب الفلسطيني أيهم السهلي، ومدير تحرير «الميادين» في بيروت روني ألفا، ويقدّم الندوة الكاتب حليم رزوق.

* «الإعلام المقاوم: محمد عفيف وأبو عبيدة نموذجاً»: الخميس 22 كانون الثاني (يناير) - الساعة 4:00 عصراً - «مؤسسة سعاده للثقافة» (الحمرا). للاستعلام: cfsaadeh@gmail.com
المنصّات الرقمية: من غسل الأدمغة إلى تشكيل الوعي الجماعي
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً يتجاوز كونها مجرّد منصّات ترفيه أو تواصل، إذ باتت، وفق تحذيرات متخصّصين في علوم السلوك البشري، فضاءات هندسية لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، والعلاقات الاجتماعية، وحتى مفهوم «الذات». ولا يكمن الخطر فقط في المحتوى، بل يمتد إلى البنية الخوارزمية ذاتها التي تحكم ما نراه، وما لا نراه.
في هذا السياق، يلفت أحد أبرز خبراء تحليل السلوك وغسيل الدماغ في الولايات المتحدة، شايس هيوز، إلى أنّ منصّات الفيديو القصير تمثّل بيئة مثالية للتلاعب النفسي، لا بسبب «مؤامرة» خفية، إنّما نتيجة منطقها التجاري القائم على الإعلانات والانتباه.

المقارنة والنقص
بحسب هيوز، تعتمد التطبيقات على بيع الإعلانات وفق هدفين أساسيين. الأول، دفع المستخدم إلى مقارنة نفسه بالآخرين بصورة مستمرّة وغير صحّية. والثاني، زرع شعور دائم بعدم الاكتمال، بعدم الكفاية، بعدم الرضا عن الذات.
هذه الثنائية البسيطة تُنتج حالة نفسية يرى فيها الشخص حياة الآخرين كأنها مكتملة وناجحة وأجمل وأكثر قيمة، فيما يشعر هو أنّه متأخّر، وناقص، أو على الهامش. هذا الإحساس لا يبقى فردياً، بل يتحوّل سريعاً إلى اصطفاف اجتماعي: «نحن» مقابل «هم».

من المقارنة إلى الاستقطاب
من جهة أخرة، يشرح الخبير في علم السلوك أنّه عندما يشعر الفرد بأنّه أقلّ قيمة، يبدأ بالبحث عن تفسير، وعن جماعة تمنحه شعوراً بالانتماء. هنا تتدخّل الخوارزميات. بدلاً من تحدّي القناعات، تقوم المنصّات بتغذيتها.
أي رأي، مهما كان متطرّفاً أو غريباً أو غير عقلاني، سيُقابل دائماً بمئات الحسابات التي تؤيّده. فجأة، لا يعود الرأي هامشياً. يتحوّل إلى «تيار». ويبدأ المستخدم بالاعتقاد أنّ العالم كلّه يفكّر بالطريقة نفسها.
هكذا يُحبس الفرد داخل فقاعة التحيّز التأكيدي، حيث لا يسمع إلا صداه، ولا يرى إلا ما يعزّز قناعاته المسبقة.

وهم «القبيلة الكبرى»
المشكلة الأعمق، وفق التحليل السلوكي، أنّ الدماغ البشري لم يُصمَّم للتعامل مع هذا الحجم من «القبائل». تَطَوَّر الإنسان ضمن مجموعات صغيرة، محدودة العدد، حيث للمسؤولية معنى، وللعلاقات وزن أخلاقي مباشر.
لكن منصّات التواصل تخلق وهماً خطيراً أنّ قبيلة افتراضية ضخمة، مؤلّفة من آلاف أو ملايين الأشخاص الذين «يشبهونك». هذا التضخيم المصطنع للانتماء الاجتماعي يُربك آليات التعاطف والمساءلة داخل الدماغ.

عندما تصبح اللامبالاة سلوكاً جماعياً
يستحضر الخبراء مثال «تأثير المتفرّج» المعروف في علم النفس الاجتماعي. في تجارب متكرّرة، يُلاحظ أنّ الأفراد يصبحون أقلّ ميلاً للتدخّل لمساعدة شخص يتعرّض للأذى كلّما زاد عدد الشهود. المسؤولية تتبخّر، لأنّها موزّعة على الجميع.
الخطير أنّ وسائل التواصل تعيد إنتاج هذا التأثير على نطاق رقمي واسع. العنف والألم والمآسي تُشاهَد يومياً وبشكل جماعي من دون فعل. ليس لأنّ الناس «أشرار»، بل لأنّ البنية النفسية نفسها تتآكل.
يُحذّر هيوز التحذير هنا أنّ الموضوع لا يتعلّق بتشخيص أخلاقي، بل بآلية نفسية. حين تُضخَّم الجماعة، وتُختزل العلاقات إلى تفاعلات سريعة، ويُمحى الإحساس بالمسؤولية الفردية، يظهر سلوك بارد، متبلّد، يشبه ما يُوصف في علم النفس بالسلوك «السيكوباتي»، لكن من دون نية واعية أو عدوان مباشر.

خسرنا الدماغ... والمعنى
الخسارة لا تقتصر على التركيز أو الوقت. ما يُستنزف تدريجاً هو القدرة على التعاطف، وعلى الشك، وعلى التفكير النقدي، وعلى رؤية الآخر كإنسان لا كصورة أو «ترند».
في عالم يُقاس فيه كلّ شيء بعدد المشاهدات، تصبح المشاعر مادّة خام، ويغدو الوعي الجماعي ساحة اختبار مفتوحة لخوارزميات لا ترى في الإنسان أكثر من مستخدم قابل للاستهداف.
إذا كانت هذه المنصّات قادرة على إعادة تشكيل سلوكنا الجماعي بهذا العمق، فالسؤال لم يعد: «كيف نستخدم وسائل التواصل؟»، بل أي نوع من البشر يُعاد صياغته داخل هذا الفضاء الرقمي؟
مجتمع المقاومة وغياب «التفسير»
سامر توفيق عجمي
كاتب وأكاديمي

يعيش مجتمع المقاومة اليوم «صمتاً تفسيرياً» [أي غياب السرديّة الداخلية أو الرسمية للأحداث بعد الحرب]. هذا الصمت لا يترك فراغاً معرفياً فحسب، بل يحوّل غياب التفسير إلى عبء يضاعف فقدان السيطرة على المعنى. وغالباً ما يكون الصمود والتحمّل والاستعداد للتضحية مشروطة بامتلاك إطار يفسّر ما يجري ويمنحه دلالة مفهومة. وتتضاعف هذه الحاجة في لحظات المعاناة، إذ لا تكمن الخطورة في القلق والألم بحدّ ذاتهما، بل في غياب تفسيرهما.
يميل العقل البشري إلى عدم احتمال الغموض طويلاً. والصمت التفسيري لا يُوقف التفكير أو يتركه في حياد، إنما يدفعه إلى البحث عن إغلاق معرفي، أي عن سردية تملأ الفجوة. حين تُعلَّق الإجابات ويُغلَق النقاش المفتوح، لا تختفي الأسئلة من الفضاء العام -لأنه من الصعب تعطيل الحاجة إلى الفهم- بل قد يُفتح الباب أمام تهديد أشدّ خطورة، يتمثّل في انتشار تفسيرات بديلة غالباً أقل عقلانية وأكثر اندفاعاً.
الفرد الواقع تحت ضغط القلق والألم وفقدان المعنى قد لا يسأل عن مصدر التفسير بقدر ما يسأل عن قدرته على تهدئة اضطرابه الداخلي. هنا يسعى الأفراد إلى ملء الفراغ بأي تفسير متاح، فتنتشر التفسيرات العفوية غير المدروسة، وتعاد صياغة الوقائع وفق انفعالات الخوف والغضب، بما يهدّد التماسك الداخلي للجماعة، ويفكّك روابطها الرمزية، ويضعف الثقة بالقيادة والخطاب الرسمي.
من هنا، فإن «الفراغ التفسيري» حالةٌ معرفية–اجتماعية، تنشأ حين تغيب السردية الداخلية القادرة على تفسير الحدث وإدارة المعنى في وعي الجماعة. هذا الفراغ لا يعني غياب المعلومات فحسب، بل فقدان الإطار الذي يربط الوقائع بمعنى مشترك ويحوّل الصدمة من حدث مبهم إلى تجربة قابلة للفهم الجماعي المُطمئِن نفسياً واجتماعياً.
قد يترقّب العدو الصمت أكثر مما يرصد الخطاب المُعلَن، وعندما تُحرم الجماعة من تفسير داخلي منضبط ومدروس، يتحوّل الفراغ إلى فرصة استراتيجية يمكن استثمارها لفرض تفسيرات خارجية بديلة، سواء عبر قوى معادية أو منافسة أو حتى فاعلين داخليين مخترَقين.
هنا تظهر النقلة المفاهيمية الأساسية: الفارق ليس في ما يعرفه العدو، إنما في مَن يمتلك القدرة على تنظيم هذا المعروف وتوجيه دلالاته. حين تمتنع الجماعة عن تفسير واقعها، لا تمنع العدو من الفهم بل قد تحرم نفسها من امتلاك سردية داخلية وأدوات ثقافية ونفسية وتربوية قادرة على تنظيم المعنى، واحتواء الألم، وضبط القلق، ومنع الانهيار الرمزي.
في ضوء ذلك، تصبح المسؤولية المجتمعية والقيادية واضحة؛ المقاومة لا تُختزل في إدارة المعركة العسكرية والأمنية أو التحليل السياسي فقط، بل تشمل إدارة المجتمع الذي يعيش داخلها وتمتد إلى إعادة تنظيم الحياة بعد الكارثة. الإمكانات لتحقيق ذلك متوافرة أصلاً، عبر مؤسسات تربوية وثقافية وصحية واجتماعية، وكوادر ثقافية ونفسية وتنموية، وقدرة تنظيمية عالية. المشكلة تكمن في حصر مفهوم التفسير وإدارة المعنى ضمن المجال السياسي–الأمني، وكأن الرعاية النفسية والثقافية والتربوية شأن يمكن تأجيله زمنياً إلى ما يسمّى اللحظة المناسبة.
الصمت التفسيري لا يُفهَم بوصفه مجرد إحجام عن تقديم سردية سياسية–أمنية أو تأخير خطاب إعلامي؛ هذا الفهم يختزل التفسير في بعده الخطابي ويحوّل المجتمع من كيان حيّ متأثر بالحدث إلى جمهور متلقٍ ينتظر معلومة. الإشكال أعمق من ذلك، إذ يتعلّق بغياب منظومة شاملة لإدارة المعنى والألم داخل مجتمع، يعيش المعاناة، لا يراقبها من الخارج. في هذا المستوى، لا يقتصر الصمت على الكلام فحسب: هو يمتد إلى الرعاية والإرشاد ومرافقة التحولات الوجودية التي تفرضها الصدمات والجراح على الأفراد والعائلات.
قد يثار اعتراض مألوف: أن تفسير الواقع لمجتمع المقاومة في الفضاء المفتوح، يشكّل معلومات مجانية للعدو، وأن الصمت ضرورة أمنية-مجتمعية. غير أنّ هذا الافتراض يغفل أن العدو لا يرى المجتمع بمنظار الرصد العسكري أو التفسيرات المنشورة فحسب. فهو منذ عقود راكم منظومات متقدّمة ويستخلص معرفته عبر الرصد التراكمي.
إنّ إدارة الفراغ التفسيري من قِبل العدو تعمل عبر آليات دقيقة:
أولاها، استهداف الثقة الداخلية عبر التشكيك غير المباشر بالخطاب المحلي.
ثانيها، تقديم تفسيرات بديلة تبدو عقلانية ومتعاطفة، قابلة للتسلّل إلى وعي متعب يبحث عن معنى.
وثالثها، تفكيك الرابط الرمزي بين الجماعة ورموزها، إذ تبدو منفصلة عن التجربة اليومية، فاقدة القدرة على التعبئة والإقناع.
في زمن يميل فيه الوعي البشري إلى السهولة والسرعة، فإنّ السردية التي تملأ الفراغ أولاً -حتى لو كانت منحازة أو خبيثة- تمتلك أفضلية تنافسية، لأنها توفّر أماناً نفسياً مؤقتاً، بخلاف الصمت الذي يُبقي الجرح مفتوحاً. وهنا تكمن المفارقة: يُتّهم التفسير -لأنه مرئي وصريح- بأنه يهدّد التماسك الداخلي ويخدم أجندة العدو، في حين أنّ الصمت نفسه قد يكون هو الذي يسمح لتلك الأجندة بالعمل بحرّية وفاعليّة.
من هذا المنطلق، لا يستهدف النقد منطق التحفّظ الأمني أو السرّية، ولا ينفي الحاجة إلى الصمت في لحظات معيّنة، بل يميّز بين الصمت التكتيكي والصمت البنيوي في إدارة المعنى والألم. حين تتوسّع الكلفة الاجتماعية يتحوّل حصر التفسير ضمن الدائرة السياسية–العسكرية إلى عبء داخلي، ويُترك المجتمع ليعيد تفسير حياته وصدمة أحداثه بموارد فردية محدودة جدّاً.
بناء عليه، يتضح أن الصمت التفسيري، رغم ما ينطوي عليه من نية حماية الجماعة وتشديد الحذر من العدو، ليس بالضرورة أداة استراتيجية فعّالة، وقد ينقلب إلى عبء عقائدي ونفسي واجتماعي إذا لم يُستبدل بسردية داخلية منضبطة، توازنُ بدقّةٍ بين الكشف الضروري والسرّية الواجبة، أي بسياق استراتيجي ذكي لإدارة المعنى والألم، يحدّد ما يمكن الكشف عنه وما يجب الاحتفاظ به، ضمن ضوابط مدروسة تُحقّق أثراً عقائدياً ونفسياً واجتماعياً إيجابياً من دون المساس بالقدرة الدفاعية للمقاومة.
في سياقات الصراع نادراً ما تكون الخيارات بلا كلفة. المجتمعات لا تواجه مفاضلة مريحة بين خير خالص وشرّ خالص، فتقف أمام بدائل مثقلة بالمخاطر. هنا تكتسب مقولة علي بن أبي طالب دلالتها العميقة: «ليس العاقل مَن يعرف الخير من الشرّ، ولكن العاقل مَن يعرف خير الشرّين». فالعقل الاستراتيجي يبحث عن أقلّ الخيارات تآكلاً على المدى البعيد. ضمن هذا الإطار، يغدو التفسير المدروس المنضبط -رغم ما يرافقه من توتّر مؤقّت أو خلافات داخلية أو انكشاف نسبي أمام العدو- أقلّ كلفة من الصمت الممتدّ.
في هذا السياق تحديداً، يبرز مأزق خطير في المجتمعات التي لم تتشكّل فيها ثقافة راسخة لحقّها في التفسير والنقد، إذ يتحوّل الصمت إلى منطق دفاعي جماعي، وترى الجماعة الجريحة في كسر الصمت سوء تقدير للتوقيت وتهديداً للتماسك وعدم مراعاة لحجم المعاناة. هذه الهواجس، رغم مشروعيّتها النفسية، تقوم على مسلّمة غير مفحوصة، مفادها أن التفسير في زمن المعاناة والقلق فعلٌ سلبي بطبيعته. والحال أنّ الزمن ليس عنصراً محايداً، بل شريك فاعل في صناعة المعنى وتوجيه الحدث نفسه، إمّا نحو الاحتواء الواعي أو التآكل الصامت.
في الحروب المفتوحة على الزمن، كما في تجربة مجتمع المقاومة وبيئتها في لبنان منذ عام 1982، لا توجد لحظة مؤجَّلة مثالية للتفسير أو النقد. فإدارة المعنى والألم لا تمارس بعد اكتمال الحدث بل في لحظة تشكّل الفجوة التفسيرية ذاتها، حين تكون المعاني لا تزال قيد التشكّل والخيارات مفتوحة. مع مرور الوقت تتراكم الفراغات، تتكثّف الضغوط، ويضعف الاستقرار الرمزي للجماعة، فتزداد قابلية الاختراق ثقافياً ونفسياً واجتماعياً.
في هذا المستوى، يعادل الفراغ التفسيري عملياً تعطيل القدرة على المعالجة المبكرة للأزمات قبل أن تتجذّر. وكلّ تدخّل متأخّر يصبح توصيفاً للماضي أكثر منه أداة فاعلة لتوجيه المستقبل، فيما يستمرّ الصمت بإنتاج مساراته الخاصة.
أمّا الحكم الانطباعي بأن الصمت يحمي الجماعة مستقبلاً، فيفتقر إلى أدوات قياس حقيقية للأثر، إذ لا دليل قوياً يثبت أن الواقع سيكون أسوأ في حال التفسير والنقد، بل قد يكون العكس هو الأرجح. فلعل صناعة مستقبل أفضل للجماعة –في قدرتها على الفهم، التماسك، التكيّف، القوة الرمزية، والحياة الطيبة- لا تُستنهَض باستدامة الصمت التفسيري، بل بكسره في اللحظة التي يكون فيها المعنى قابلاً للإدارة والألم للاحتواء.
الاتحاد الأوروبي يبحث دعوة ترامب للانضمام إلى «مجلس السلام»
يبحث قادة الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماع المجلس الأوروبي ، دعوة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للانضمام إلى «مجلس السلام» في غزة، وفق ما أعلنت المفوضية الأوروبية.
إلى ذلك، نقلت صحيفة فاينانشال تايمز، عن مصادر مطلعة، قولها إن غالبية دول الاتحاد الأوروبي ترفض الدعوة الأميركية للانضمام إلى «مجلس السلام» الجديد الخاص في غزة.
ويتمثل السبب الرئيسي، وفقاً للتقديرات الأوروبية، في مخاوف من أن يهدف هذا المجلس الجديد إلى إضعاف دور الأمم المتحدة وتهميشها كمنصة رئيسية لتسوية النزاعات العالمية.
كما أثارت دعوة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى المشاركة في المجلس قلقاً وتردّداً كبيرين لدى العديد من القادة الأوروبيين.
في السياق نفسه، أعلن متحدث باسم الحكومة الألمانية أن المستشار، فريدريش ميرتس، سيغادر سويسرا، في وقت مبكر من صباح غد الخميس، وبالتالي لن يحضر مراسم توقيع «مجلس السلام» الذي دعا إليه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وأضاف المتحدث، اليوم، أنه تم إبلاغ الجانب الأميركي بذلك، مؤكداً أن ألمانيا «مُمتنة» لتلقيها دعوة للانضمام إلى المجلس.
بدوره، أشار وزير الاقتصاد الإيطالي، جانكارلو جورجيتي، إلى وجود مشكلة في انضمام إيطاليا إلى ما يسمى المجلس.
وفي تصريح أمام فعالية في روما للترويج لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي ستقام في إيطاليا الشهر المقبل، قال جورجيتي: «استناداً إلى التقارير الإخبارية التي أقرأها، يبدو أن هناك بعض المشاكل».
إلى ذلك، قال مصدر تركي لوكالة رويترز، اليوم، إن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، سيمثل الرئيس، رجب طيب إردوغان، في «مجلس السلام».
وتجاوبت، اليوم، مزيد من الدول مع دعوة ترامب إلى المشاركة في مجلسه لـ«السلام»، فقد أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية، أن إسلام آباد قبلت دعوة الرئيس الأميركي، وذلك من أجل تحقيق «سلام دائم في غزة». كما أعلنت وزارة الخارجية المصرية قبول القاهرة دعوة ترامب.
في 16 كانون الثاني الحالي، أعلن الرئيس الأميركي عن تشكيل ما يُسمّى «مجلس السلام»، داعياً ممثلين عن المفوضية الأوروبية وأكثر من 50 دولة، من بينها روسيا وأوكرانيا والصين، للمشاركة في أعمال المجلس.
وعلى الرغم من الاسم الأولي للمنظمة، «مجلس السلام في غزة»، فقد ذكرت تقارير غربية، أن ولاية هذه الهيئة الدولية الجديدة ستتجاوز حدود القطاع الفلسطيني.

إخلاءات وغارات واغتيالات... والغضب ينتقل إلى الشارع: العدو يصعّد و«سلطة السيادة» في «كوما»!
فشلت السلطة الحاكمة، عبر رفع شعار «خيار التفاوض»، في احتواء موجات التصعيد الإسرائيلي المتتالية، التي تؤكّد بما لا لبس فيه وجود نياتٍ مبيّتة لدى «تل أبيب» لتوجيه ضربات تهدف إلى تنفيذ مشروعٍ يستهدف لبنان كلّه، لا المقاومة وحدها. فبالنسبة إلى إسرائيل، ما كُتب قد كُتب، ولا تُجدي معه تنازلاتٌ من هنا أو «ميكانيزمات» من هناك. ومن أبرز الدلائل على ذلك، ما نُقل عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال إن «إسرائيل، وفق معلوماتنا، ليست معنيّة بسحب قواتها نهائياً من لبنان»، بعد الإعلان عن انتهاء المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح، والوعد بإطلاق المرحلة الثانية. وهو ما يؤكّد أن العدو يسعى إلى تثبيت مكاسبه الميدانية والسياسية، لا إلى التجاوب مع التنازلات التي يُقدّمها لبنان الرسمي طوعاً.
وليس أدلّ على هذا المسار من التصعيد الإسرائيلي الواسع في الجنوب أمس، والذي جاء غداة مواقف لرئيس الجمهورية جوزيف عون، تضمّنت مزيداً من التراجع والاستسلام أمام الاعتداءات المتكرّرة، عبر التأكيد على المضي في «نزع السلاح غير الشرعي» من دون المطالبة بأي مقابل من العدو الإسرائيلي الذي يؤكّد بالنار موقفاً واحداً: لسنا معنيّين لا بالموقف الرسمي اللبناني ولا بأي خطوة يقدم عليها لبنان.
وفي هذا السياق، دشّنت إسرائيل مرحلة جديدة من التصعيد في منطقة شمال الليطاني، بعد نسف دور لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، ليس بهدف سدّ الثغرات في خطة الجيش اللبناني، بل لتكريس واقعٍ مفاده أن القرار لها وحدها، وأن ما جرى أمس، ليس سوى نموذجٍ عمّا يمكن أن تقدم عليه في حال فكّر الجيش اللبناني في الإحجام عن تنفيذ المهمات المطلوبة منه من جهة، ولتهيئة الأرضية لمسار سياسي واقتصادي تريد إدخاله على خطّ هذا الملف من جهة أخرى.
أتى هذا التصعيد في سياق تطوّرات متزامنة، أولها الحديث عن زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن مطلع الشهر المقبل، عشية عرض الجيش تصوّره الخاص بمنطقة شمالي النهر. وترافق ذلك مع تعليقٍ مريب لعمل لجنة الإشراف، من دون إطلاع بيروت على الأسباب الحقيقية، فضلاً عمّا سُرّب عن السفير سيمون كرم، الذي عيّنته الدولة اللبنانية ممثلاً مدنياً لها في لجنة المراقبة، إذ قال إن ما تطالب به إسرائيل بالغ القسوة ولا يمكن للبنان قبوله.
واكتسبت جولة التصعيد الإسرائيلية الجديدة، التي بدأت بإنذارات لإخلاء مبانٍ في بلدات قناريت (قضاء صيدا) والكفور وجرجوع (قضاء النبطية)، قبل «دفعة» ثانية شملت بلدتي الخرايب (بين صيدا وصور) وأنصار (النبطية)، دلالاتٍ بالغة الأهمية. فقد تزامنت مع إطلالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دافوس على الواقع اللبناني، حين أكّد أن «هناك مشكلة مع حزب الله في لبنان، وسنرى ما سيحصل هناك»، وهو ما ربطه البعض بما وُصف بـ«الضوء الأخضر الأميركي» الذي حصل عليه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، للتعامل مع الساحة اللبنانية كما يشاء.
وفي هذا الإطار، جاءت الغارات التي طاولت أيضاً معابر على الحدود اللبنانية - السورية في الهرمل، ولا سيما في مناطق الحوش والحوش التحتا وجوسيه والقصير، مساءً، في وقتٍ كانت فيه قوات «اليونيفيل» منشغلة بتقليص حجم المهمة الموكلة إليها.
واستهدفت الغارات الإسرائيلية ثلاثة مبانٍ سكنية في قناريت، ما أدّى إلى تدميرها بالكامل، إضافة إلى تضرّر عشرات المباني والمحال والممتلكات في محيطٍ امتدّ على كيلومترات عدّة، بفعل العصف الهائل الذي أحدثته أربعة صواريخ طاولت الحيّ السكني. كما أسفر القصف عن إصابة 19 مواطناً بجروح نتيجة تطاير الحجارة، من بينهم عدد من الصحافيين الذين كانوا يغطّون الحدث. وفي بلدات جرجوع والخرايب والكفور، استهدفت الغارات منازل مأهولة، من دون تسجيل إصابات.
وقال مصدرٌ مطّلع لـ«الأخبار» إنّ المواقع المستهدفة لم تُبلّغ بها إسرائيل لجنة «الميكانيزم» مسبقاً، ولم تُدرج ضمن المواقع التي طُلب من الجيش اللبناني الكشف عليها، كما حصل في حالات سابقة جنوب الليطاني وشماله.
وبحسب المصدر، تهدف الغارات الأخيرة، التي تتركّز في منطقة شمالي الليطاني، إلى ممارسة ضغط مباشر على الحكومة لإقرار خطة سحب السلاح في هذه المنطقة. كما يهدف التصعيد إلى إجبار لبنان على الموافقة على الانخراط في «ميكانيزم» ثلاثي جديد يضمّ لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، ويقوم على مفاوضات مباشرة بين لبنان والعدو برعاية أميركية. وعلى وقع هذه التطورات، انطلقت دعوات للنزول إلى الشارع احتجاجاً على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وعلى صمت الدولة إزاء ما يجري. فقد قطع عدد من الأهالي والمحتجين طريق سليم سلام في ​بيروت،​ تضامناً مع أهالي الجنوب ضد الاعتداءات الإسرائيلية. كذلك تجمّع العشرات احتجاجاً على طريق المطار وفي ساحة المشرفية في الضاحية الجنوبية.
وفي خضمّ هذه المناخات، أكّد قائد الجيش أنّ «التزامنا حماية الحدود التزامٌ نهائي، وقد بذلنا الكثير من الجهود والتضحيات في سبيل ذلك، غير أنّ تحقيق هذا الهدف بفاعلية يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً، نظراً إلى حجم التحدّيات القائمة على الحدود الشمالية والشرقية».
وجاء كلام هيكل في أثناء اجتماع في مبنى قيادة الجيش في اليرزة للجنة الإشراف العليا على برنامج المساعدات لحماية الحدود البرية، بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى، والسفير البريطاني هاميش كاول، والسفير الكندي غريغوري غاليغان، إلى جانب عدد من ضباط القيادة وقادة الوحدات، وأعضاء فريق العمل المشترك اللبناني ـــ البريطاني ـــ الأميركي، وفريق التدريب الكندي (CTAT).
هدم مقرّات الوكالة علناً: إسرائيل ماضية في اجتثاث «الأونروا»
أيهم السهلي

ليس الهجوم الإسرائيلي على «الأونروا» جديداً، غير أن ما استجدّ نسبيّاً هو التعدّي على مقرّات الوكالة وهدمها من دون أيّ اعتبار لردود الفعل، سواء المحلية الفلسطينية، أو تلك العربية والدولية. وكانت قوات الاحتلال ترافقها جرافات، اقتحمت، صباح الثلاثاء، مقرّ الوكالة الأممية في شرق القدس، وشرعت في هدم المباني داخله، وذلك بإشراف وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي اعتبر الحدث «تاريخيّاً، ويوم عيد مهمّاً للسيادة الإسرائيلية في القدس». وأظهرت صور نشرتها وكالات الأنباء، علم الاحتلال الإسرائيلي فوق المبنى الرئيسيّ التابع لـ»الأونروا»، علماً أن البناء تعود ملكيته إلى عائلة فلسطينية هُجّرت عام 1948. والواقع أن الهجوم على المقرّ المذكور بدأ منذ عام 2018، عندما حضر رئيس بلدية القدس، نير بركات، خارج أسوار المجمع، وتوعّد بإغلاق مكاتب الوكالة في شرق المدينة.
وعقب الهدم، ادّعت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن المجمع التابع لما سمّتها «وكالة أونروا حماس» توقّف عن العمل، وأنه لم يكن في داخله أيّ موظّفين أمميين. وزعمت، في بيان، أن المجمع لا يتمتّع بأيّ حصانة، مشيرة إلى أن سلطات الاحتلال وضعت يدها عليه «وفقاً للقانونَين الإسرائيلي والدولي». ومن جهته، كذّب نائب الناطق باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، المزاعم الإسرائيلية، مشيراً إلى أن «الأونروا استأجرت مجمعها في القدس الشرقية من الأردن عام 1952، وظلّت حيازته معها بشكل حصري ومن دون انقطاع حتى عام 1967، واستمر الوضع بعد ذلك منذ احتلال إسرائيل للأرض. وقد قضت محكمة العدل الدولية بأنّ الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني». وذكّر حق بأن «العدل الدولية» والجمعية العامة للأمم المتحدة أكّدتا ضرورة إنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني في شرق القدس، مضيفاً أن «المجمع هو مرفق تابع للأمم المتحدة، وبالتالي فهو مصون بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، والتي تلزم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باحترامها من دون استثناء».
مع هذا، لا يبدو أن قانوناً أو أحداً يستطيع حماية مقرّات الوكالة في القدس أو في غيرها من المناطق الفلسطينية؛ فالقرار في أصله، سياسي، وما إجماع القوى على اختلافها في إسرائيل (الائتلاف والمعارضة) على قانون حظر «الأونروا» في «الكنيست»، في كانون الأول 2024، سوى اتفاق سياسي على إنهاء ما يرونه واحداً من أسباب تخليد اللجوء الفلسطيني. وفي هذا الجانب، يؤكّد الرئيس السابق للمكتب التنفيذي وهيئة العاملين لدى «الأونروا»، حكم شهوان، في حديث إلى «الأخبار»، أن قرار إنهاء عمل الوكالة في الأراضي المحتلة، وتحديداً في القدس «هو قرار سياسي بامتياز، ويهدف فقط إلى شطب أيّ علاقة دولية أو أممية بقضية اللجوء الفلسطيني». ويشير شهوان إلى أن حكومة الاحتلال «كانت دائماً تخشى من ردود فعل الشارع في غزة في حال تمّ اتّخاذ إجراء ضدّ الأونروا، لكن بعد أكتوبر 2023، والحرب على غزة، وجدت إسرائيل الفرصة مناسبة لتوسيع نطاق الهجمة، وطرد الأونروا من الأراضي الفلسطينية».
وفي الـ12 من الشهر الجاري، اقتحمت قوات الاحتلال مركزاً صحياً تابعاً للوكالة في شرق القدس، وأمرت بإغلاقه، في حين سيعمد الاحتلال، في الأسابيع المقبلة، إلى قطع المياه والكهرباء عن مرافق «الأونروا»، بما في ذلك المراكز الصحية والتعليمية، تطبيقاً لتشريعات «الكنيست». ويُتوقّع أيضاً أن تستولي القوات الإسرائيلية على مقرّ «الأونروا» للتعليم المهني في منطقة قلنديا في القدس.
على أن التغوّل الإسرائيلي لن يتوقّف على ذلك، بل سيطاول أيضاً وجود «الأونروا» في الأقاليم الخمسة، بطرق مختلفة، على رأسها تقليص التمويل الذي أدّى إلى إعلان مفوّض الوكالة، فيليب لازاريني، قبل أيام «تقليص ساعات العمل المخصّصة لتقديم الخدمات بشكل مؤقّت في جميع أقاليم عمل الأونروا، اعتباراً من الأول من شباط 2026، وحتى إشعار آخر». وفضلاً عن هذا الإجراء، أقدم لازاريني على فصل موظفي غزة العالقين في مصر، وخصخصة عقود الحراسة في مقرّ رئاسة «الأونروا» في الأردن.
إزاء ذلك، لا يبدو أن «الأونروا»، ومعها هيئة الأمم المتحدة، قادرتان على الوقوف في وجه القرارات الإسرائيلية المباشرة في فلسطين، أو الإجراءات التي تعمل عليها تل أبيب مع بعض الشركاء الدوليين الموافقين على إنهاء الوكالة. فعلى سبيل المثال، كانت هناك محاولات لحماية المجمع في القدس، لكنها باءت بالفشل، كما أن المفوّض العام، بحسب شهوان، «ترك المقرّ قبل اتّخاذ إسرائيل أيّ إجراء، ونقل مكتبه قبل سنتين من إقرار الكنيست منع التعامل مع الأونروا، كما نقل كلّ المكاتب التابعة للرئاسة إلى خارج القدس من دون أيّ مبرّر».
وإجرائيّاً، أوضح حق موقف الأمم المتحدة، بالقول: «سنرى ما هي الخطوات الإضافية التي يمكن اتّخاذها بينما نقوم بتقييم الوضع»، وذلك في معرض إجابته على سؤال عمّا إن كانت لدى المنظمّة خطّة لاتخاذ إجراءات، أو طلب تعويض، أو رفع دعوى أمام «محكمة العدل الدولية»؛ علماً أن الأمين العام للمنظمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، حذّر، أخيراً، إسرائيل من أنه قد يحيلها على «العدل الدولية» إذا لم تلغ القوانين التي اتّخذتها بحق «الأونروا»، وتعيد الأصول والممتلكات التي استولت عليها.
ونظراً إلى خبرته الطويلة في المؤسسات الأممية، استوضحت «الأخبار» من شهوان حول ما يمكن القيام به، فكانت إجابته: «حتى لو كان الأمر متأخراً، يظلّ بإمكان الأونروا التوجّه إلى القضاء، وطلب قرار مستعجل لمنع أيّ تصرف آخر، وحتى طلب طرد سلطة الأراضي والبلدية من المقرّ إلى حين البتّ في القضية». وإذ أشار إلى أن الأمر قد يستغرق سنوات طويلة، لكنه أكّد أن «المقرّ سيبقى خلال ذلك تحت سيطرة الأمم المتحدة».


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire