أحمد مفيد
اعتُقل الأديب والأسير الفلسطيني المحرَّر باسم خندقجي (1983) في عام 2004، وأمضى 21 عاماً في سجون العدو الصهيوني. خلال هذه السنوات الطويلة، أنتج أعمالاً أدبية وأكاديمية، وشارك في نضالات الحركة الفلسطينية الأسيرة والإضرابات عن الطعام. إلى جانب عددٍ من الأسرى أمثال الشهيد وليد دقة، والأسير مروان البرغوثي، وكميل أبو حنيش، ووائل الجاغوب، وناصر أبو سرور، وعباس السيد. شكّل باسم خندقجي حالةً نضالية وثقافية وفكرية صاغت مفاهيم جديدة تتعلق بإنتاج المعرفة المناهضة للاستعمار، إذ استطاع الأسرى والأسيرات أن ينتجوا معرفةً نقيضةً للسجن، تتجاوز جدرانه إلى العالمية.
أصدر باسم خندقجي أعمالاً أدبية عدة تشمل مجموعتين شعريتين هما «طقوس المرَّة الأولى» (2009) و«أنفاس قصيدة ليلية» (2013)، وستّ روايات هي: «مسك الكفاية: سيرة سيِّدة الظلال الحرَّة» (2014)، و«نرجس العزلة» (2017)، و«خسوف بدر الدين» (2019) التي وصفها الشاعر والناقد عبد الرحيم الشيخ بأنها عمل أدبي إبداعي استطاع أسير فلسطيني أن يتخيل أحداثاً في القرن الخامس عشر وهو يعيش في القرن الحادي والعشرين داخل زنزانة صهيونية، و«أنفاس امرأة مخذولة» (2020)، و«قناع بلون السماء» (2023) التي حصلت على «الجائزة العالمية للرواية العربية » (البوكر) عام 2024، و«محنة المهبولين» (2024)، فيما يُنتظر صدور روايته الجديدة «فراشات مريم الجليلية» التي كتبها من داخل السجن قبل أن يُفرج عنه عام 2025 ضمن صفقة بين المقاومة الفلسطينية في غزة والاحتلال الإسرائيلي، ويُبعد إلى مصر. «كلمات» التقتّها في حوار عن الثقافة المشتبكة والكتابة والاحتلال وطبعاً فلسطين
■ أنت غنيٌّ عن التعريف، من طالب صحافة وإعلام في «جامعة النجاح الوطنية» في مدينة نابلس، إلى أسير وأديب وقائد وطنيٍّ في جغرافيّة السجون، والآن محرَّر ومبعدٌ إلى مصر. في هذا التعقيد بين الذاكرة والحنين، كيف نصف حياة باسم خندقجي بين هذه المحطات الثلاث؟
ـــــ أرى حياتي في مراحلها المتعددة، قبل الاعتقال، وخلاله، والآن في المنفى، كحياة حافية. هي بحث عن الحرية، وسعي نحو الوجود وإعادة تشكيل ملامح الإنسانية.
إنسانية يحاول المستعمر الصهيوني انتزاع معالمها وتفكيك كينونتها. ولكل مرحلة من هذه المراحل سياقاتها المحددة، إلا أنها تجتمع كلّها في أساس واحد جوهري، هو أولوية النضال ضد هذا المستعمر؛ سواء خلال فترة الدراسة في «جامعة النجاح الوطنية» التي جاءت في سياق الانتفاضة الثانية، أو في المعتقل، أو هنا في المنفى. وبالتالي، فإن القاسم المشترك الذي يجمع هذه الحياة بمراحلها الثلاث هو أنها ما تزال حافية بالنسبة إليّ: بحثٌ مُلِحّ ودؤوب عن الحرية المنشودة، وعن الوجود الإنساني المرتبط ارتباطاً جوهرياً بتحرير الوطن وكتابة فلسطين في النص.
■ تتحدث في أعمالك عن مفهوم «أدب الاشتباك». كيف تشرح لنا هذا المفهوم؟
ــــ يستند مفهوم «أدب الاشتباك» في بعض مناحيه إلى أدب المقاومة وينطلق منه، لكنه يختلف عنه كونه أدباً ينبثق من صميم السياق الاستعماري ويسعى إلى الإجابة عن السؤال الجوهري: كيف نُنتِج أدباً مناهضاً للاستعمار من داخل الواقع الاستعماري ذاته؟ يتحرك هذا المفهوم على مستويات عدة، في مقدمتها تسليط الضوء على المضامين والأُسس المعرفية للمنظومة الصهيونية الشاملة.
ومن هنا، يقوم المثقفون والكتّاب الفلسطينيون والعرب بالاشتباك المباشر مع هذه المرجعية الفكرية الصهيونية بكل تجلياتها: الثقافية والأدبية والمعرفية والفلسفية والسياسية.
كما يتحدد مفهوم أدب الاشتباك عبر إضفاء البُعدَيْن النسوي والطبقي على الكتابة. فهو يُعنى بتجسيد نضال المرأة وقدرتها على الاشتباك مع الواقع الذكوري المسيطر، سواء على مستوى الخطاب الأدبي والثقافي، أم على مستوى الواقع الاجتماعي الملموس للمرأة الفلسطينية والعربية.
كذلك، يتناول أدب الاشتباك البُعد الكوني للقضية الفلسطينية، ففلسطين لم تعد شأناً محلياً، بل تحوّل ألمها إلى ألم كوني. ومن هنا، يهدف هذا الأدب إلى تحقيق معادلة جدلية الخاص والعام: كيف ننقل القضية الفلسطينية من حيز الخصوصية إلى فضاء العالمية، ليس بصورة مأساوية نمطية، بل عبر صياغة جديدة تُبرز العلاقة الجدلية بين الهامش والمتن، وبين المركز والمحيط داخل الواقع الفلسطيني.
ويلفت أدب الاشتباك الانتباه إلى أهمية سياسات الهوية وسياسات المعرفة في الممارسة الكتابية والبحثية.
فهو يفكك أسطورة الحياد، مؤكداً على أنّ لا حياد في الأدب أو الثقافة أو الفكر أو حتى في العلوم. فالمنتوج الثقافي والفكري الغربي الحداثي، الذي جيء به إلى الشرق، لم يكن محايداً، بل كان مرتبطاً عضوياً بمنظومة السلطة الاستعمارية الأوروبية. لذلك، يرفض أدب الاشتباك هذا «الحياد» الأكاديمي الزائف، الذي يتصوّر الكاتب كأنّه جرّاح يعمل بقفّازات وقناع ليتجنّب الاحتكاك المباشر بالموضوع. على العكس، يشتبك أدب الاشتباك بعمق مع مادته البحثية ومع الغايات التي يطمح الكاتب إلى تحقيقها عبر السرد.
■ يقول الروائي والمناضل وليد الهودلي إنّ روايتك «قناع بلون السماء» الفائزة بجائزة «بوكر» هي الرواية التي لم تتصدَّ لها «القبة الحديدية». الآن، وأنت خارج جدران السجن، تعمل على عدد من المشاريع الروائية مثل «فراشات مريم الجليلية» ورواية عن الأسير الشهيد وليد دقة. هل تحدثنا عن هذه الإنتاجات؟ وما الذي تعنيه الكتابة الضد ــ استعمارية وأنسنة الآخر في الأدب الفلسطيني؟
ـــــ تعبير الروائي والمناضل وليد الهودلي هو تعبير رائع بالفعل. رواية «قناع بلون السماء» عندما انتصرت بها -ولم أفز- انتصرت بها للشعب الفلسطيني في أوج الإبادة الجماعية. هي بالفعل تشكل إحدى الضربات الحازمة لهذا العدو الصهيوني، الذي يخشى أن ينافسه الفلسطيني على السرد، ويخشى منافسته على مستوى الجبهة الثقافية.
أما على صعيد مشاريعي الروائية، فراويتي «فراشات مريم الجليلية» ستصدر في آذار (مارس) المقبل عن «دار الآداب». وأنا في المناسبة، كتبتها قبل الإبادة الجماعية على غزة.
ولكن مشروعي المقبل هو رواية عن صديقي الشهيد ورفيق دربي الراحل وليد دقة. وهذه الرواية كتبتها بالفعل قبل تحرّري بستة أشهر. كتبتها داخل ذهني من دون أي قلم ودفتر.
كنت أصحو كل يوم داخل المعتقل، في أوج الحرمان وذروة الهجمة الشرسة والإبادة الثقافية التي مورست ضدنا، وأكتب في رأسي وذهني. كنت أتدرب كل يوم على الكتابة، وأشعر بالارتياح والفخر لأنني أنتصر على هذا السجّان الذي صادر مني قلمي ودفتري، ولكنه لم يصادر عقلي وذهني، ولم يصادر ذلك التوقد الذي أسعى عبره إلى تحديه.
أما ما الذي تعنيه الكتابة ضد الاستعمار وأنسنة الآخر في الأدب الفلسطيني، فهذا يعدّ من أهم ركائز أدب الاشتباك؛ أن نكتب لكي نفكّك هذه المنظومة الاستعمارية. هذا يعني أن تصبح الكتابة جبهة ثقافية.
هذه الجبهة الثقافية نفتحها على هذا الآخر عبر أنسنته. المقصود بالأنسنة ليس التطبيع. المقصود بالأنسنة هو كيف نجيب عن التساؤل الآتي: «كيف يصحو الجندي في الصباح ليقبل أطفاله قبل أن يذهبوا إلى المدرسة، وفي المساء يقتل أطفال غزة ويحرمهم الذهاب إلى المدرسة؟».
هناك سياق إنساني لهذا الجندي، هناك حياة يومية، تفاصيل يومية. تسليط الضوء على النسيج الاجتماعي للواقع الصهيوني، وتسليط الضوء على النسيج الثقافي وعلى هذه المحددات المعرفية والثقافية الشمولية، يمنح الفلسطيني نقطة تفوّق على الآخر الصهيوني، وقدرةً على تفكيك هذه المنظومة من داخلها. هذا هو المقصود بالأنسنة.
أنا لا أستطيع أن أهزم الديناصور ما دمت أتعامل معه على أنه ديناصور في مخيلتي وعقلي، ولا أستطيع أن أهزم الغول ما دمت أتعامل معه على أنه غول. الصهيوني ليس غولاً وليس ديناصوراً، ممارساته على أرض الواقع هي ممارسات وحشية ولا إنسانية، لكنها تنطلق من بُعد إنساني، أي إنها تنطلق من بني البشر، من بني آدم. ومن هنا علينا أن نقوم بأنسنة هذا الآخر كي نستطيع أن نهزمه داخل سرديتنا الفلسطينية، والابتعاد أيضاً عن الصورة النمطية التي دائماً ما عهدناها للصهيوني داخل الأدب العربي، وهي صورة نمطية تعيسة وتقليدية إلى حد بعيد.
■ كان أحد الأصدقاء الأسرى يشير إلى أن الأدباء العرب، كحنا مينة وعبد الرحمن منيف وغسان كنفاني، حاضرون دوماً بين الأسرى، وأنت «أصغر قارئ لحنا مينة» كما يُطلق عليك، كيف تصف الحياة الثقافية والمكتبة داخل السجن؟
- ثقافتي كقارئ والانتقال ربما إلى القراءة المحترفة عمليّة صُقلت في المعتقل. وللحياة الثقافية داخل المعتقل مزايا خاصة، وهي ممارسة مكثفة ومركزة في عملية القراءة تحديداً. داخل المعتقل، كانت قراءاتي تتركز بدرجة أساسية على الكتب والمراجع المعرفية والفكرية في علم الاجتماع والتاريخ والأساطير والفلسفة، وهذا ما انعكس بصورة إيجابية وبشكل مباشر على كتاباتي الأدبية وعلى قدرتي السردية.
المكتبة داخل السجن – يمكن أن أقول – فضاء مغاير، متحرر من الروتين. وفي المناسبة، كل سجن يحوي أقساماً عدة وكل قسم من هذه الأقسام يحتوي على مكتبة.
ما قبل السابع من أكتوبر 2023، كانت المكتبات في السجون تشكل كنزاً معرفياً للأسير الفلسطيني، وكانت الكتب تصلنا طازجة من الخارج، ولكنها لم تكن لتصلنا عبر هبة من السجان، وإنما كنا ننتزعها انتزاعاً عبر إضراباتنا الطويلة عن الطعام.
ومن هنا، لعبت المكتبات داخل السجون دوراً حاسماً وأساسياً في تطوير ثقافة الأسرى بشكل عام. وبالفعل، كان الكتّاب والكاتبات حاضرين داخل الحوارات، وكان هؤلاء الكتّاب الكبار – المفكرون والفلاسفة – يشاركون في نقاشاتنا اليومية التي كانت تدور داخل السجون. وكانوا يقومون بحمايتنا وصيانة أفكارنا عبر كتاباتهم ومقالاتهم التي كنا نحفظها عن ظهر قلب.
■ خلال حرب الإبادة، ارتكب العدو جرائم إبادة ثقافية في تدمير المتاحف وقتل الفنانين وتدمير الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية. هل نشهد شيئاً مشابهاً تجاه البنية الثقافية للحركة الفلسطينية الأسيرة؟
ـــ ما بعد السابع من أكتوبر 2023، وبداية العدوان الصهيوني على شعبنا في غزة الذي تجلى بأبشع صوره عبر الإبادة الجماعية، استغلت إدارة مصلحة السجون الصهيونية ووزيرها المتطرف المستوطن إيتمار بن غفير هذه الإبادة الجماعية؛ لممارسة إبادة جماعية من نوع خاص ضد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاستعمار الصهيوني.
ومن أهم أشكال هذه الإبادة كانت الإبادة الثقافية، حيث سحب السجانون كل إنجازات الحركة الأسيرة في الجانب الثقافي والأدبي؛ أي سحبوا الكتب والمراجع والأقلام والدفاتر وكل ما يتعلق بالإنتاج الثقافي والأدبي والمعرفي والبحثي والأكاديمي. منذ الأيام الأولى، صادروا جميع الكتب، بل وحرقوها.
وهذا ما أثّر فيّ كثيراً، ليس فقط كأسير ومناضل، وإنما كمثقف. عندما تصحو في الصباح أو تمارس حياتك داخل المعتقل بين الأوراق والكتب ومعك الأقلام، ثم فجأة وفي لحظة واحدة لا يعود معك شيء من ذلك، كانت الأمور قاسية إلى حد كبير. وكانت هناك سياسة ممنهجة وواضحة يريدون عبرها ضرب كل المنظومة الثقافية والأدبية للأسرى داخل سجون الاستعمار الصهيوني.
للأسف، خسرنا الكثير من المراجعات المكتوبة بخط اليد داخل السجون، والتي بذل عدد من الأسرى الجهود وتعبوا في بلورتها وصياغتها داخل دفاترهم. ومجمل ما قمت بتجميعه وما كتبته داخل الدفاتر من ملاحظات خاصة بي، صادروه وأحرقوه. ولكن يمكن القول إنّ بعض النصوص والمراجعات نجت من وحشية هذا السجان الصهيوني، الذي يهدف إلى قتل إنسانية الأسير الفلسطيني عبر نزع منجزاته الإنسانية منه داخل المعتقل.
■ «سأبقى أحب، فهو نصري المتواضع على سجَّاني». في كتاباته، يعطي المفكر الشهيد وليد دقة الحبَّ قيمةً كبرى في تغيير لحظات وزمن الأسير، فهو يصف العلاقة مع سناء كبداية لزمن جديد. كيف تصف الحب داخل السجن؟ وفيما يتعلق بإنتاجك المقبل عن وليد، هل تظهر سناء وميلاد في الرواية؟
- قبل أن يكون مثقفاً في السجن، فالمثقف هو مناضل، والمناضل إذا لم يحبّ، فهو ليس بإنسان. الحب هو ممارسة ثورية في بعض الأحيان، عندما نرى أنه يحمي، وهذه الجملة الخالدة لصديقي الشهيد وليد دقة: «سأبقى أحبّ، فهو نصر المتواضع على سجاني» هي بالفعل دقيقة جداً. الحبّ يحمي داخل المعتقل ويصون ويُسهم في استعادة الإنسانية. وفي ما يتعلق بالزمن الخاص بالحب، فهو زمن متحرر من عبء الزنزانة، ومتحرر أيضاً من التفاصيل الحديدية للمعتقل.
بالنسبة إليّ، لا أرى أنّ المعتقل يمكن أن يعبّر عن المفهوم الحقيقي للحب، لأن المعتقل في النهاية واقع مشوّه، ويُفرض ويُعبّر ربّما عن مشاعر مشوّهة. أنا أرى أن الحب الحقيقي هو الذي يتحقّق في الخارج. في السجن هناك حب مشتهى، هناك حب مستعار، حب مجازي. إلا ما ندر، عندما نرى مثلاً في حالة وليد وسناء: العلاقة لم تكن فقط علاقة حب، وإنما علاقة حرية. بحث وليد عن الحرية، وعن تفاصيل إنسانية معينة عثر عليها لدى سناء، وأنا دائماًما قلتُ: أرى في سناء أنها «وليد آخر». لعلّ سناء هي وليد الحقيقي، أو وليد الوجه الآخر الذي يُكمل وليد.
أما في الرواية الخاصة بوَليد، فهي ليست رواية سيرية، ولهذا فقد تكون سناء وميلاد حاضرتين في الرواية بطريقة غير مباشرة، لكن روح الرواية هي روح وليد.
■ في إحدى دراسات الشهيد وليد دقة («المكان الموازي: رسم الزمن في فكر وليد دقّة» لعبد الرحيم الشيخ ــ مجلة «الدراسات الفلسطينية» ــ العدد 135 ـــ صيف 2023)، يُشار إلى أنّ رسم السجن كان وسيلةً لتخطِّي الجدران، ومحاولةً للتحرر بصريّاً. في مقابلة سابقة، كنتَ تشير إلى الكثافة اللونية في الحياة خارج السجن مقابل الحياة داخله. هل تحدثنا عن هذا الجانب البصري/ اللوني؟ أو لو أردنا وصف الحرية بصريّاً، ماذا نحكي عنها؟
ـــــ الرسم داخل السجن يشبه إلى حد ما الكلمات داخل السجن، لكن الرسم في هذه الحالة ينطلق من السجن إلى خارجه، كما هي الكلمات أو الأدب الذي يخترق السجون ليصبح أدباً كونياً أو أدباً عابراً للسجون. أنا أرى أن ألوان الحرية هي أيضاً ألوان متخيلة، وليست ألواناً يمكن وصفها أو الحديث عنها، وبالتالي ألوان السجن محايدة ومحدودة.
يمكن أن يبدع الأسير بألوان عدة داخل السجن، ولكن الحياة خارج السجن، هذا الانفجار اللوني إذا جاز التعبير، هو أحياناً لا تقدر العين على استيعابه مرة واحدة. بعد أكثر من 21 عاماً، يخرج الأسير ويصبح في عالم مليء بالألوان ومزدهر بهذه الألوان، فيبحث عن ألوانه الخاصة، في سعي حثيث نحو رسم حريته بهذه الألوان الجديدة.
■ من القضايا التي يشير إليها الأسرى هي العلاقة المعقدة التي تنشأ مع التكنولوجيا، فمن عصر الهاتف النقال في عام 2004، خرجتَ من السجون والمجتمعات تضج بالذكاء الصناعي. هل دخلت هذه العلاقة المعقدة مع التكنولوجيا في أعمالك الأدبية؟
- لربما التحدي الذي أعتبره أعظم وأكثر إزعاجاً من التحدي الأمني الصهيوني، هو تحدي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. أنا أرفض حتى الآن أن أحمّل برامج الذكاء الاصطناعي على هاتفي أو حاسوبي. أرفض أن أتعامل معها تماماً. وعندما استعملت اللابتوب، استعملته بعدما أجريت تسوية بيني وبين نفسي: هل يمكنني أن أكتب أو أطبع على لوحة الحروف والأرقام الموجودة على الحاسوب؟ أم ماذا؟ هل يمكنني أن أفعل ذلك بعدما كنت معتاداً على الأوراق والحبر ولمس هذه الأوراق؟
حتى الآن، أواجه تحدياً في هذا الموضوع، ولكنني أحاول أن أتعامل مع التكنولوجيا بطريقة مغايرة، كما لو أنها ممر إجباري يجب أن أمر به من دون أن أخوض في تفاصيل هذا الذكاء الاصطناعي الذي أجده أغبى اختراع إنساني، لما يحمله من لا مساواة وعنف. وكان في أوضح وأبشع أشكال استخدامه ما اقترفه هذا «الذكاء الاصطناعي» بحق أهلنا في غزة ولبنان في الحرب الأخيرة.
اعتُقل الأديب والأسير الفلسطيني المحرَّر باسم خندقجي (1983) في عام 2004، وأمضى 21 عاماً في سجون العدو الصهيوني. خلال هذه السنوات الطويلة، أنتج أعمالاً أدبية وأكاديمية، وشارك في نضالات الحركة الفلسطينية الأسيرة والإضرابات عن الطعام. إلى جانب عددٍ من الأسرى أمثال الشهيد وليد دقة، والأسير مروان البرغوثي، وكميل أبو حنيش، ووائل الجاغوب، وناصر أبو سرور، وعباس السيد. شكّل باسم خندقجي حالةً نضالية وثقافية وفكرية صاغت مفاهيم جديدة تتعلق بإنتاج المعرفة المناهضة للاستعمار، إذ استطاع الأسرى والأسيرات أن ينتجوا معرفةً نقيضةً للسجن، تتجاوز جدرانه إلى العالمية.
أصدر باسم خندقجي أعمالاً أدبية عدة تشمل مجموعتين شعريتين هما «طقوس المرَّة الأولى» (2009) و«أنفاس قصيدة ليلية» (2013)، وستّ روايات هي: «مسك الكفاية: سيرة سيِّدة الظلال الحرَّة» (2014)، و«نرجس العزلة» (2017)، و«خسوف بدر الدين» (2019) التي وصفها الشاعر والناقد عبد الرحيم الشيخ بأنها عمل أدبي إبداعي استطاع أسير فلسطيني أن يتخيل أحداثاً في القرن الخامس عشر وهو يعيش في القرن الحادي والعشرين داخل زنزانة صهيونية، و«أنفاس امرأة مخذولة» (2020)، و«قناع بلون السماء» (2023) التي حصلت على «الجائزة العالمية للرواية العربية » (البوكر) عام 2024، و«محنة المهبولين» (2024)، فيما يُنتظر صدور روايته الجديدة «فراشات مريم الجليلية» التي كتبها من داخل السجن قبل أن يُفرج عنه عام 2025 ضمن صفقة بين المقاومة الفلسطينية في غزة والاحتلال الإسرائيلي، ويُبعد إلى مصر. «كلمات» التقتّها في حوار عن الثقافة المشتبكة والكتابة والاحتلال وطبعاً فلسطين
■ أنت غنيٌّ عن التعريف، من طالب صحافة وإعلام في «جامعة النجاح الوطنية» في مدينة نابلس، إلى أسير وأديب وقائد وطنيٍّ في جغرافيّة السجون، والآن محرَّر ومبعدٌ إلى مصر. في هذا التعقيد بين الذاكرة والحنين، كيف نصف حياة باسم خندقجي بين هذه المحطات الثلاث؟
ـــــ أرى حياتي في مراحلها المتعددة، قبل الاعتقال، وخلاله، والآن في المنفى، كحياة حافية. هي بحث عن الحرية، وسعي نحو الوجود وإعادة تشكيل ملامح الإنسانية.
إنسانية يحاول المستعمر الصهيوني انتزاع معالمها وتفكيك كينونتها. ولكل مرحلة من هذه المراحل سياقاتها المحددة، إلا أنها تجتمع كلّها في أساس واحد جوهري، هو أولوية النضال ضد هذا المستعمر؛ سواء خلال فترة الدراسة في «جامعة النجاح الوطنية» التي جاءت في سياق الانتفاضة الثانية، أو في المعتقل، أو هنا في المنفى. وبالتالي، فإن القاسم المشترك الذي يجمع هذه الحياة بمراحلها الثلاث هو أنها ما تزال حافية بالنسبة إليّ: بحثٌ مُلِحّ ودؤوب عن الحرية المنشودة، وعن الوجود الإنساني المرتبط ارتباطاً جوهرياً بتحرير الوطن وكتابة فلسطين في النص.
■ تتحدث في أعمالك عن مفهوم «أدب الاشتباك». كيف تشرح لنا هذا المفهوم؟
ــــ يستند مفهوم «أدب الاشتباك» في بعض مناحيه إلى أدب المقاومة وينطلق منه، لكنه يختلف عنه كونه أدباً ينبثق من صميم السياق الاستعماري ويسعى إلى الإجابة عن السؤال الجوهري: كيف نُنتِج أدباً مناهضاً للاستعمار من داخل الواقع الاستعماري ذاته؟ يتحرك هذا المفهوم على مستويات عدة، في مقدمتها تسليط الضوء على المضامين والأُسس المعرفية للمنظومة الصهيونية الشاملة.
ومن هنا، يقوم المثقفون والكتّاب الفلسطينيون والعرب بالاشتباك المباشر مع هذه المرجعية الفكرية الصهيونية بكل تجلياتها: الثقافية والأدبية والمعرفية والفلسفية والسياسية.
كما يتحدد مفهوم أدب الاشتباك عبر إضفاء البُعدَيْن النسوي والطبقي على الكتابة. فهو يُعنى بتجسيد نضال المرأة وقدرتها على الاشتباك مع الواقع الذكوري المسيطر، سواء على مستوى الخطاب الأدبي والثقافي، أم على مستوى الواقع الاجتماعي الملموس للمرأة الفلسطينية والعربية.
كذلك، يتناول أدب الاشتباك البُعد الكوني للقضية الفلسطينية، ففلسطين لم تعد شأناً محلياً، بل تحوّل ألمها إلى ألم كوني. ومن هنا، يهدف هذا الأدب إلى تحقيق معادلة جدلية الخاص والعام: كيف ننقل القضية الفلسطينية من حيز الخصوصية إلى فضاء العالمية، ليس بصورة مأساوية نمطية، بل عبر صياغة جديدة تُبرز العلاقة الجدلية بين الهامش والمتن، وبين المركز والمحيط داخل الواقع الفلسطيني.
ويلفت أدب الاشتباك الانتباه إلى أهمية سياسات الهوية وسياسات المعرفة في الممارسة الكتابية والبحثية.
فهو يفكك أسطورة الحياد، مؤكداً على أنّ لا حياد في الأدب أو الثقافة أو الفكر أو حتى في العلوم. فالمنتوج الثقافي والفكري الغربي الحداثي، الذي جيء به إلى الشرق، لم يكن محايداً، بل كان مرتبطاً عضوياً بمنظومة السلطة الاستعمارية الأوروبية. لذلك، يرفض أدب الاشتباك هذا «الحياد» الأكاديمي الزائف، الذي يتصوّر الكاتب كأنّه جرّاح يعمل بقفّازات وقناع ليتجنّب الاحتكاك المباشر بالموضوع. على العكس، يشتبك أدب الاشتباك بعمق مع مادته البحثية ومع الغايات التي يطمح الكاتب إلى تحقيقها عبر السرد.
■ يقول الروائي والمناضل وليد الهودلي إنّ روايتك «قناع بلون السماء» الفائزة بجائزة «بوكر» هي الرواية التي لم تتصدَّ لها «القبة الحديدية». الآن، وأنت خارج جدران السجن، تعمل على عدد من المشاريع الروائية مثل «فراشات مريم الجليلية» ورواية عن الأسير الشهيد وليد دقة. هل تحدثنا عن هذه الإنتاجات؟ وما الذي تعنيه الكتابة الضد ــ استعمارية وأنسنة الآخر في الأدب الفلسطيني؟
ـــــ تعبير الروائي والمناضل وليد الهودلي هو تعبير رائع بالفعل. رواية «قناع بلون السماء» عندما انتصرت بها -ولم أفز- انتصرت بها للشعب الفلسطيني في أوج الإبادة الجماعية. هي بالفعل تشكل إحدى الضربات الحازمة لهذا العدو الصهيوني، الذي يخشى أن ينافسه الفلسطيني على السرد، ويخشى منافسته على مستوى الجبهة الثقافية.
أما على صعيد مشاريعي الروائية، فراويتي «فراشات مريم الجليلية» ستصدر في آذار (مارس) المقبل عن «دار الآداب». وأنا في المناسبة، كتبتها قبل الإبادة الجماعية على غزة.
ولكن مشروعي المقبل هو رواية عن صديقي الشهيد ورفيق دربي الراحل وليد دقة. وهذه الرواية كتبتها بالفعل قبل تحرّري بستة أشهر. كتبتها داخل ذهني من دون أي قلم ودفتر.
كنت أصحو كل يوم داخل المعتقل، في أوج الحرمان وذروة الهجمة الشرسة والإبادة الثقافية التي مورست ضدنا، وأكتب في رأسي وذهني. كنت أتدرب كل يوم على الكتابة، وأشعر بالارتياح والفخر لأنني أنتصر على هذا السجّان الذي صادر مني قلمي ودفتري، ولكنه لم يصادر عقلي وذهني، ولم يصادر ذلك التوقد الذي أسعى عبره إلى تحديه.
أما ما الذي تعنيه الكتابة ضد الاستعمار وأنسنة الآخر في الأدب الفلسطيني، فهذا يعدّ من أهم ركائز أدب الاشتباك؛ أن نكتب لكي نفكّك هذه المنظومة الاستعمارية. هذا يعني أن تصبح الكتابة جبهة ثقافية.
هذه الجبهة الثقافية نفتحها على هذا الآخر عبر أنسنته. المقصود بالأنسنة ليس التطبيع. المقصود بالأنسنة هو كيف نجيب عن التساؤل الآتي: «كيف يصحو الجندي في الصباح ليقبل أطفاله قبل أن يذهبوا إلى المدرسة، وفي المساء يقتل أطفال غزة ويحرمهم الذهاب إلى المدرسة؟».
هناك سياق إنساني لهذا الجندي، هناك حياة يومية، تفاصيل يومية. تسليط الضوء على النسيج الاجتماعي للواقع الصهيوني، وتسليط الضوء على النسيج الثقافي وعلى هذه المحددات المعرفية والثقافية الشمولية، يمنح الفلسطيني نقطة تفوّق على الآخر الصهيوني، وقدرةً على تفكيك هذه المنظومة من داخلها. هذا هو المقصود بالأنسنة.
أنا لا أستطيع أن أهزم الديناصور ما دمت أتعامل معه على أنه ديناصور في مخيلتي وعقلي، ولا أستطيع أن أهزم الغول ما دمت أتعامل معه على أنه غول. الصهيوني ليس غولاً وليس ديناصوراً، ممارساته على أرض الواقع هي ممارسات وحشية ولا إنسانية، لكنها تنطلق من بُعد إنساني، أي إنها تنطلق من بني البشر، من بني آدم. ومن هنا علينا أن نقوم بأنسنة هذا الآخر كي نستطيع أن نهزمه داخل سرديتنا الفلسطينية، والابتعاد أيضاً عن الصورة النمطية التي دائماً ما عهدناها للصهيوني داخل الأدب العربي، وهي صورة نمطية تعيسة وتقليدية إلى حد بعيد.
■ كان أحد الأصدقاء الأسرى يشير إلى أن الأدباء العرب، كحنا مينة وعبد الرحمن منيف وغسان كنفاني، حاضرون دوماً بين الأسرى، وأنت «أصغر قارئ لحنا مينة» كما يُطلق عليك، كيف تصف الحياة الثقافية والمكتبة داخل السجن؟
- ثقافتي كقارئ والانتقال ربما إلى القراءة المحترفة عمليّة صُقلت في المعتقل. وللحياة الثقافية داخل المعتقل مزايا خاصة، وهي ممارسة مكثفة ومركزة في عملية القراءة تحديداً. داخل المعتقل، كانت قراءاتي تتركز بدرجة أساسية على الكتب والمراجع المعرفية والفكرية في علم الاجتماع والتاريخ والأساطير والفلسفة، وهذا ما انعكس بصورة إيجابية وبشكل مباشر على كتاباتي الأدبية وعلى قدرتي السردية.
المكتبة داخل السجن – يمكن أن أقول – فضاء مغاير، متحرر من الروتين. وفي المناسبة، كل سجن يحوي أقساماً عدة وكل قسم من هذه الأقسام يحتوي على مكتبة.
ما قبل السابع من أكتوبر 2023، كانت المكتبات في السجون تشكل كنزاً معرفياً للأسير الفلسطيني، وكانت الكتب تصلنا طازجة من الخارج، ولكنها لم تكن لتصلنا عبر هبة من السجان، وإنما كنا ننتزعها انتزاعاً عبر إضراباتنا الطويلة عن الطعام.
ومن هنا، لعبت المكتبات داخل السجون دوراً حاسماً وأساسياً في تطوير ثقافة الأسرى بشكل عام. وبالفعل، كان الكتّاب والكاتبات حاضرين داخل الحوارات، وكان هؤلاء الكتّاب الكبار – المفكرون والفلاسفة – يشاركون في نقاشاتنا اليومية التي كانت تدور داخل السجون. وكانوا يقومون بحمايتنا وصيانة أفكارنا عبر كتاباتهم ومقالاتهم التي كنا نحفظها عن ظهر قلب.
■ خلال حرب الإبادة، ارتكب العدو جرائم إبادة ثقافية في تدمير المتاحف وقتل الفنانين وتدمير الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية. هل نشهد شيئاً مشابهاً تجاه البنية الثقافية للحركة الفلسطينية الأسيرة؟
ـــ ما بعد السابع من أكتوبر 2023، وبداية العدوان الصهيوني على شعبنا في غزة الذي تجلى بأبشع صوره عبر الإبادة الجماعية، استغلت إدارة مصلحة السجون الصهيونية ووزيرها المتطرف المستوطن إيتمار بن غفير هذه الإبادة الجماعية؛ لممارسة إبادة جماعية من نوع خاص ضد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاستعمار الصهيوني.
ومن أهم أشكال هذه الإبادة كانت الإبادة الثقافية، حيث سحب السجانون كل إنجازات الحركة الأسيرة في الجانب الثقافي والأدبي؛ أي سحبوا الكتب والمراجع والأقلام والدفاتر وكل ما يتعلق بالإنتاج الثقافي والأدبي والمعرفي والبحثي والأكاديمي. منذ الأيام الأولى، صادروا جميع الكتب، بل وحرقوها.
وهذا ما أثّر فيّ كثيراً، ليس فقط كأسير ومناضل، وإنما كمثقف. عندما تصحو في الصباح أو تمارس حياتك داخل المعتقل بين الأوراق والكتب ومعك الأقلام، ثم فجأة وفي لحظة واحدة لا يعود معك شيء من ذلك، كانت الأمور قاسية إلى حد كبير. وكانت هناك سياسة ممنهجة وواضحة يريدون عبرها ضرب كل المنظومة الثقافية والأدبية للأسرى داخل سجون الاستعمار الصهيوني.
للأسف، خسرنا الكثير من المراجعات المكتوبة بخط اليد داخل السجون، والتي بذل عدد من الأسرى الجهود وتعبوا في بلورتها وصياغتها داخل دفاترهم. ومجمل ما قمت بتجميعه وما كتبته داخل الدفاتر من ملاحظات خاصة بي، صادروه وأحرقوه. ولكن يمكن القول إنّ بعض النصوص والمراجعات نجت من وحشية هذا السجان الصهيوني، الذي يهدف إلى قتل إنسانية الأسير الفلسطيني عبر نزع منجزاته الإنسانية منه داخل المعتقل.
■ «سأبقى أحب، فهو نصري المتواضع على سجَّاني». في كتاباته، يعطي المفكر الشهيد وليد دقة الحبَّ قيمةً كبرى في تغيير لحظات وزمن الأسير، فهو يصف العلاقة مع سناء كبداية لزمن جديد. كيف تصف الحب داخل السجن؟ وفيما يتعلق بإنتاجك المقبل عن وليد، هل تظهر سناء وميلاد في الرواية؟
- قبل أن يكون مثقفاً في السجن، فالمثقف هو مناضل، والمناضل إذا لم يحبّ، فهو ليس بإنسان. الحب هو ممارسة ثورية في بعض الأحيان، عندما نرى أنه يحمي، وهذه الجملة الخالدة لصديقي الشهيد وليد دقة: «سأبقى أحبّ، فهو نصر المتواضع على سجاني» هي بالفعل دقيقة جداً. الحبّ يحمي داخل المعتقل ويصون ويُسهم في استعادة الإنسانية. وفي ما يتعلق بالزمن الخاص بالحب، فهو زمن متحرر من عبء الزنزانة، ومتحرر أيضاً من التفاصيل الحديدية للمعتقل.
بالنسبة إليّ، لا أرى أنّ المعتقل يمكن أن يعبّر عن المفهوم الحقيقي للحب، لأن المعتقل في النهاية واقع مشوّه، ويُفرض ويُعبّر ربّما عن مشاعر مشوّهة. أنا أرى أن الحب الحقيقي هو الذي يتحقّق في الخارج. في السجن هناك حب مشتهى، هناك حب مستعار، حب مجازي. إلا ما ندر، عندما نرى مثلاً في حالة وليد وسناء: العلاقة لم تكن فقط علاقة حب، وإنما علاقة حرية. بحث وليد عن الحرية، وعن تفاصيل إنسانية معينة عثر عليها لدى سناء، وأنا دائماًما قلتُ: أرى في سناء أنها «وليد آخر». لعلّ سناء هي وليد الحقيقي، أو وليد الوجه الآخر الذي يُكمل وليد.
أما في الرواية الخاصة بوَليد، فهي ليست رواية سيرية، ولهذا فقد تكون سناء وميلاد حاضرتين في الرواية بطريقة غير مباشرة، لكن روح الرواية هي روح وليد.
■ في إحدى دراسات الشهيد وليد دقة («المكان الموازي: رسم الزمن في فكر وليد دقّة» لعبد الرحيم الشيخ ــ مجلة «الدراسات الفلسطينية» ــ العدد 135 ـــ صيف 2023)، يُشار إلى أنّ رسم السجن كان وسيلةً لتخطِّي الجدران، ومحاولةً للتحرر بصريّاً. في مقابلة سابقة، كنتَ تشير إلى الكثافة اللونية في الحياة خارج السجن مقابل الحياة داخله. هل تحدثنا عن هذا الجانب البصري/ اللوني؟ أو لو أردنا وصف الحرية بصريّاً، ماذا نحكي عنها؟
ـــــ الرسم داخل السجن يشبه إلى حد ما الكلمات داخل السجن، لكن الرسم في هذه الحالة ينطلق من السجن إلى خارجه، كما هي الكلمات أو الأدب الذي يخترق السجون ليصبح أدباً كونياً أو أدباً عابراً للسجون. أنا أرى أن ألوان الحرية هي أيضاً ألوان متخيلة، وليست ألواناً يمكن وصفها أو الحديث عنها، وبالتالي ألوان السجن محايدة ومحدودة.
يمكن أن يبدع الأسير بألوان عدة داخل السجن، ولكن الحياة خارج السجن، هذا الانفجار اللوني إذا جاز التعبير، هو أحياناً لا تقدر العين على استيعابه مرة واحدة. بعد أكثر من 21 عاماً، يخرج الأسير ويصبح في عالم مليء بالألوان ومزدهر بهذه الألوان، فيبحث عن ألوانه الخاصة، في سعي حثيث نحو رسم حريته بهذه الألوان الجديدة.
■ من القضايا التي يشير إليها الأسرى هي العلاقة المعقدة التي تنشأ مع التكنولوجيا، فمن عصر الهاتف النقال في عام 2004، خرجتَ من السجون والمجتمعات تضج بالذكاء الصناعي. هل دخلت هذه العلاقة المعقدة مع التكنولوجيا في أعمالك الأدبية؟
- لربما التحدي الذي أعتبره أعظم وأكثر إزعاجاً من التحدي الأمني الصهيوني، هو تحدي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. أنا أرفض حتى الآن أن أحمّل برامج الذكاء الاصطناعي على هاتفي أو حاسوبي. أرفض أن أتعامل معها تماماً. وعندما استعملت اللابتوب، استعملته بعدما أجريت تسوية بيني وبين نفسي: هل يمكنني أن أكتب أو أطبع على لوحة الحروف والأرقام الموجودة على الحاسوب؟ أم ماذا؟ هل يمكنني أن أفعل ذلك بعدما كنت معتاداً على الأوراق والحبر ولمس هذه الأوراق؟
حتى الآن، أواجه تحدياً في هذا الموضوع، ولكنني أحاول أن أتعامل مع التكنولوجيا بطريقة مغايرة، كما لو أنها ممر إجباري يجب أن أمر به من دون أن أخوض في تفاصيل هذا الذكاء الاصطناعي الذي أجده أغبى اختراع إنساني، لما يحمله من لا مساواة وعنف. وكان في أوضح وأبشع أشكال استخدامه ما اقترفه هذا «الذكاء الاصطناعي» بحق أهلنا في غزة ولبنان في الحرب الأخيرة.
يوم قائظ ما أطول تنهيدة المؤذن!
مريم لحلو
وجدة/المغرب
1
يوم قائظ
ما أطول تنهيدة المؤذن!
2
ساق القصب
آه كم من نغم
وراء ركبتها
3
الساكن الجديد
ما أثقل الغيمة
على حبل الغسيل!
4
فراشة تفرد جناحيها
يمتلئ العالم
5
هكذا ككل عام
بقشة واحدة
يعود السنونو
6
عصفور يغرد فوق غصن
لم أرها دوماً
غصن يغرد فوق عصفور؟
7
قيظ —
لا أحتاج إلا بعض الندى
لقلب الصفحات
8
حضارة
كأني لا أكتمل إلا بحقيبة يد
وكأنك لا تكتمل إلا ببطاقة بنكية
9
أي عالم هذا
الذي تستطيع حمله
نملة؟
10
مجنون يضع مخدة على وجهه
كأنه يقول للعالم: هيا تعال وخلصني
11
حبل الغسيل
مباشرة فوق الحَلمة
عضة التمساح
12
الزهرة التي تلوي عنقها
لم تظن دوماً أنها تنتظر منك قبلة؟
13
آه من طفلي الباكي
لِم بكلتا يديه
يمحو قبلتي؟
مريم لحلو
وجدة/المغرب
1
يوم قائظ
ما أطول تنهيدة المؤذن!
2
ساق القصب
آه كم من نغم
وراء ركبتها
3
الساكن الجديد
ما أثقل الغيمة
على حبل الغسيل!
4
فراشة تفرد جناحيها
يمتلئ العالم
5
هكذا ككل عام
بقشة واحدة
يعود السنونو
6
عصفور يغرد فوق غصن
لم أرها دوماً
غصن يغرد فوق عصفور؟
7
قيظ —
لا أحتاج إلا بعض الندى
لقلب الصفحات
8
حضارة
كأني لا أكتمل إلا بحقيبة يد
وكأنك لا تكتمل إلا ببطاقة بنكية
9
أي عالم هذا
الذي تستطيع حمله
نملة؟
10
مجنون يضع مخدة على وجهه
كأنه يقول للعالم: هيا تعال وخلصني
11
حبل الغسيل
مباشرة فوق الحَلمة
عضة التمساح
12
الزهرة التي تلوي عنقها
لم تظن دوماً أنها تنتظر منك قبلة؟
13
آه من طفلي الباكي
لِم بكلتا يديه
يمحو قبلتي؟
المُفترس الأكبر
بول مخلوف
توقف العالم عن السير وفقاً لإيقاعه التقليدي. الكاتب والروائي الإيطالي جوليانو دي إيمبولي يعتقد أنّ العالم انزاح عن مساره وأنّنا دخلنا زمناً تتسارع فيه التحوّلات بفعل ثلاثة عوامل: التقدّم السريع للذكاء الاصطناعي، والتآكل المستمر للديموقراطية، واتساع رقعة النزاعات والحروب.
في كتابه الجديد «عصر المفترسين» (L’heure des prédateurs ـــ «غاليمار»)، يرسم دي إمبولي سلسلة بورتريهات لشخصيات سياسية واقتصادية نافذة مثل دونالد ترامب، وإيلون ماسك، ومحمد بن سلمان، كاشفاً في مساراتهم عن ملامح «المفترس السياسي» كما تبلور في فكر مكيافيللي.
ليست المرة الأولى التي يقدّم فيها دي إمبولي نقداً مقذعاً للسياقات السياسية أو الثقافية المعاصرة. في كتابه «مهندسو الفوضى» (2019 ـــLes ingénieurs du chaos)، حلّل صعود الحركات الشعبوية، وتسخير البيانات الشخصية المستخرجة من منصات وسائل التواصل الاجتماعي، داخل خوارزميات خُصِّصت للهيمنة السياسية. روايته الأخيرة «ساحر الكرملين» (2022) لا تخاطب الواقع الروسي؛ إنها تشريح لحاضرٍ قاتمٍ. تدور حول قصة مستشار سياسي غير مرئي يعمل من خلف الستار، ويحتلّ المشهد العام من دون مخاطبة الجماهير. الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «غونكور» تكشف كيف تشكّل السياسة الحقيقة، ويُبنى الرأي العام عبر التلاعب بالعقول عبر الخوارزميات وأدوات التأثير.
ما يبينه دي إيمبولي سواء في كتاباته الفكرية أو الأدبية هو أنّ النظام العالمي الجديد ثمرة تحالف فاسد بين قادة شعبويين وعمالقة التكنولوجيا. بالنسبة إليه، خضعت النخب الثقافية للنخب السياسية التقليدية، و«المفترسون» يشنون حروباً عشوائية في عالمٍ فقد توازنه، وباتت التكنولوجيا اليوم خطراً حقيقياً لأنّها أصبحت أداة بيد هؤلاء «المفترسين» ولا تخضع للقوننة. ومن هذا المنطلق، يعبّر عن حنقه من الذكاء الاصطناعي، فهو ليس غاضباً من «المفترسين» فقط، بل أيضاً من الذكاء الاصطناعي لأنه «ذكاء سلطويّ». فالذكاء الاصطناعي عند دي إيمبولي ليس مجالاً محايداً أو تقنية بريئة، بل أداة سلطة قابلة للانقلاب على المجتمعات نفسها التي أنتجته.
غير أن غضبه الأشد يوجه نحو «المفترس الأكبر» دونالد ترامب، الذي يجد فيه نموذجاً مكثفاً للتحوّل الجذري في السياسة. لقد أضحت معه السلطة مرادفاً للبطش، إذ به يعوّل على الخوارزميات ووسائل التواصل لتضخيم الأحداث وتعزيز الانقسامات والمشاعر العدائية، جاعلاً من الفوضى أداة سلطة وهيمنة. كأن ترامب يختزل في شخصه العوامل الثلاثة التي سرّعت إيقاع العالم وخلخلت نظامه بحسب دي إيمبولي، فهو: شعبوّي يشكل خطراً على الديموقراطية، يستعرض القوّة ويهدد بالحروب، ويتلاعب بالوعي الجماعي عبر التكنولوجيا.
نشهد اليوم تحوّلاً جذرياً في المسار السياسي. هناك انزلاق نحو شعوبية هجومية لا تقوم إلا على منطق العداء. هذا مسار يجيده المفترسون الجدد، وهو عصرهم، إذ عمدوا إلى إزاحة القانون والتنظيم ليحلّ مكانهما التصادم والقوة.
والمفترسون لا يقرأون، «دونالد ترامب لا يقرأ» يُفصح دي إيمبولي مضيفاً: «أنا لا أعني أنه لا يقرأ الكتب والمجلات، هذا من البديهي، أقصد أنه لا يقرأ عشر صفحات».
الكاتب الإيطالي الذي يكرر في مقابلاته حقيقةً باتت أشبه بمسلمة تفيد بأنّ «دونالد ترامب لا يقرأ»، يخبر كيف ينأى المفترس بنفسه عن فعل القراءة. «هذا الشيء معروف عنه. كانت صدمة كبيرة لمستشاريه. في ولايته الأولى، كان محاطاً بمستشارين مقبولين، وهو ما لم يعد قائماً اليوم في ولايته الثانية».
تفرض الشعبوية الإحاطة الدائمة بالـ«شبيه»، هذا ما شرحته الفيلسوفة الفرنسية باربارا كاسان، وفي هذا الشأن تحديداً، يذكر دي إيمبولي: «ترامب محاط بمن يشبهه، وبمن يريد التشبه به. كان لديه في ولايته الأولى، مستشارون مطّلعون. وعندما كان هناك أي قرار يجب أن يتخذ، أو جلسة سياسة معقودة، كانوا يعدّون لترامب قصاصات قصيرة لكي يطّلع عليها». ثم، يفجّر دي إيمبولي المفاجأة الأكبر عندما أفصح: «دونالد ترامب لا يقرأ عشرة أسطر».
يدفع سلوك المفترس دي إيمبولي إلى استنتاج حادّ: إن عدم القراءة هذه مشكلة خطيرة. «هذا يطرح مشكلة على مستوى نقل المعلومة بطريقة منظمة إلى حد ما، لكنه من جهة أخرى لا يقيّد غريزته ولا قدرته على استشعار روح العصر».
بول مخلوف
توقف العالم عن السير وفقاً لإيقاعه التقليدي. الكاتب والروائي الإيطالي جوليانو دي إيمبولي يعتقد أنّ العالم انزاح عن مساره وأنّنا دخلنا زمناً تتسارع فيه التحوّلات بفعل ثلاثة عوامل: التقدّم السريع للذكاء الاصطناعي، والتآكل المستمر للديموقراطية، واتساع رقعة النزاعات والحروب.
في كتابه الجديد «عصر المفترسين» (L’heure des prédateurs ـــ «غاليمار»)، يرسم دي إمبولي سلسلة بورتريهات لشخصيات سياسية واقتصادية نافذة مثل دونالد ترامب، وإيلون ماسك، ومحمد بن سلمان، كاشفاً في مساراتهم عن ملامح «المفترس السياسي» كما تبلور في فكر مكيافيللي.
ليست المرة الأولى التي يقدّم فيها دي إمبولي نقداً مقذعاً للسياقات السياسية أو الثقافية المعاصرة. في كتابه «مهندسو الفوضى» (2019 ـــLes ingénieurs du chaos)، حلّل صعود الحركات الشعبوية، وتسخير البيانات الشخصية المستخرجة من منصات وسائل التواصل الاجتماعي، داخل خوارزميات خُصِّصت للهيمنة السياسية. روايته الأخيرة «ساحر الكرملين» (2022) لا تخاطب الواقع الروسي؛ إنها تشريح لحاضرٍ قاتمٍ. تدور حول قصة مستشار سياسي غير مرئي يعمل من خلف الستار، ويحتلّ المشهد العام من دون مخاطبة الجماهير. الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «غونكور» تكشف كيف تشكّل السياسة الحقيقة، ويُبنى الرأي العام عبر التلاعب بالعقول عبر الخوارزميات وأدوات التأثير.
ما يبينه دي إيمبولي سواء في كتاباته الفكرية أو الأدبية هو أنّ النظام العالمي الجديد ثمرة تحالف فاسد بين قادة شعبويين وعمالقة التكنولوجيا. بالنسبة إليه، خضعت النخب الثقافية للنخب السياسية التقليدية، و«المفترسون» يشنون حروباً عشوائية في عالمٍ فقد توازنه، وباتت التكنولوجيا اليوم خطراً حقيقياً لأنّها أصبحت أداة بيد هؤلاء «المفترسين» ولا تخضع للقوننة. ومن هذا المنطلق، يعبّر عن حنقه من الذكاء الاصطناعي، فهو ليس غاضباً من «المفترسين» فقط، بل أيضاً من الذكاء الاصطناعي لأنه «ذكاء سلطويّ». فالذكاء الاصطناعي عند دي إيمبولي ليس مجالاً محايداً أو تقنية بريئة، بل أداة سلطة قابلة للانقلاب على المجتمعات نفسها التي أنتجته.
غير أن غضبه الأشد يوجه نحو «المفترس الأكبر» دونالد ترامب، الذي يجد فيه نموذجاً مكثفاً للتحوّل الجذري في السياسة. لقد أضحت معه السلطة مرادفاً للبطش، إذ به يعوّل على الخوارزميات ووسائل التواصل لتضخيم الأحداث وتعزيز الانقسامات والمشاعر العدائية، جاعلاً من الفوضى أداة سلطة وهيمنة. كأن ترامب يختزل في شخصه العوامل الثلاثة التي سرّعت إيقاع العالم وخلخلت نظامه بحسب دي إيمبولي، فهو: شعبوّي يشكل خطراً على الديموقراطية، يستعرض القوّة ويهدد بالحروب، ويتلاعب بالوعي الجماعي عبر التكنولوجيا.
نشهد اليوم تحوّلاً جذرياً في المسار السياسي. هناك انزلاق نحو شعوبية هجومية لا تقوم إلا على منطق العداء. هذا مسار يجيده المفترسون الجدد، وهو عصرهم، إذ عمدوا إلى إزاحة القانون والتنظيم ليحلّ مكانهما التصادم والقوة.
والمفترسون لا يقرأون، «دونالد ترامب لا يقرأ» يُفصح دي إيمبولي مضيفاً: «أنا لا أعني أنه لا يقرأ الكتب والمجلات، هذا من البديهي، أقصد أنه لا يقرأ عشر صفحات».
الكاتب الإيطالي الذي يكرر في مقابلاته حقيقةً باتت أشبه بمسلمة تفيد بأنّ «دونالد ترامب لا يقرأ»، يخبر كيف ينأى المفترس بنفسه عن فعل القراءة. «هذا الشيء معروف عنه. كانت صدمة كبيرة لمستشاريه. في ولايته الأولى، كان محاطاً بمستشارين مقبولين، وهو ما لم يعد قائماً اليوم في ولايته الثانية».
تفرض الشعبوية الإحاطة الدائمة بالـ«شبيه»، هذا ما شرحته الفيلسوفة الفرنسية باربارا كاسان، وفي هذا الشأن تحديداً، يذكر دي إيمبولي: «ترامب محاط بمن يشبهه، وبمن يريد التشبه به. كان لديه في ولايته الأولى، مستشارون مطّلعون. وعندما كان هناك أي قرار يجب أن يتخذ، أو جلسة سياسة معقودة، كانوا يعدّون لترامب قصاصات قصيرة لكي يطّلع عليها». ثم، يفجّر دي إيمبولي المفاجأة الأكبر عندما أفصح: «دونالد ترامب لا يقرأ عشرة أسطر».
يدفع سلوك المفترس دي إيمبولي إلى استنتاج حادّ: إن عدم القراءة هذه مشكلة خطيرة. «هذا يطرح مشكلة على مستوى نقل المعلومة بطريقة منظمة إلى حد ما، لكنه من جهة أخرى لا يقيّد غريزته ولا قدرته على استشعار روح العصر».
سولو على إيقاع الحرب
هديل فرفور
1- وكم أوجعتني الحرب، حتى أناورَ
نجوتُ مراراً كي أُغيظَ المقابرَ
2- كحائرةٍ بين اثنتين: رصاصةٌ
وأمي التي أقنعتُها لن أغادرَ
3- وأقسمتُ أحيا، لا لشيءٍ سوى فتًى
سيُهدي فتاةً في الخراب أَسَاورَ
4- حريٌّ بقلبي يا ابن قلبي ذبوله
إذا لم يعشْ وسط الرماد مكابرا!
5- وإن يبق في جسمي مكانٌ لطعنة
سيكبر فيه الأقحوان مغامرا
6- فحسبي بثغري القبلتان لأنني
أخاف أبانا، لا الوحوشَ العساكر !!
7- وإذ عايرَتني بالتنانير نسوةٌ
لبستُ لعشّاقي عذاباً مغايرا
8- وحين اقترحتَ الشمسَ ثوباً رفضتُ إذ
أغارُ من الأنثى، وإن تكُ شادرا !
9- بلى شاوريها في السّطوع تقول لي...
أقول: متى نَدٌّ لندٍّ تشاورا ؟
10- فراقبْ معي الأغصانَ لولا تشابكت
على الأرجح الثمرات تسقطُ باكرا !
11- وراقبْ معي حزنَ النساء، فديتُه
يغمّسُ في بُنّ الصباح حناجر
12- يُغنّينَه سولو، كما أشتهيه في
الأغاني، وفي جرحٍ ليُصبحَ شاعرا!
13- فإنّي وما زوّجتُكَ الأمسَ جثّتي
لأني أرى وردَ القبورِ ضرائرَ!!
14- أحاولُنا والحربُ تأكل أهلَها
وتفتحُ في ضلع الجياع متاجرَ
15- أُحاولُنا واللهِ ثانيةً فلا
تظننّ قلبي في الجنائز عاقرا!
16- على قلقٍ، مثل الصّغير بمأتمٍ
يضمُّ يديه ثمّ يسألُ: ما جرى؟
17- فإن أفرغوه من دماه ارتضى، وما
ارتضى ردَّهم: أضحى أبوك مسافرا !
18- على وجعٍ، مثل اليتيم بحفلةٍ
يرى أمّهاتِ الآخرينَ مجامرَ
19- فلا تستهنْ طعم الفراق، كأنّ مَن
طوى أمَّه للموت لمَّ السّكاكرَ!
20- كأنّ حروباً كلها أُحُد وما
غنمنا لهذا القلب إلا الخناجرَ
21- نؤجّر أرحام البلاد لقاتلٍ
وندعو الليالي هل: ستنجِبُ ثائرا؟
22_ فلا ترتجف إنّ التي كسَروا يدي
وما كسّروا تحتَ الضلوعِ جواهرَ
23- فأثمن ما ينسى الصبي حنينه
ويوجعُ لو تمحو الحروبُ بصائرَ!
هديل فرفور
1- وكم أوجعتني الحرب، حتى أناورَ
نجوتُ مراراً كي أُغيظَ المقابرَ
2- كحائرةٍ بين اثنتين: رصاصةٌ
وأمي التي أقنعتُها لن أغادرَ
3- وأقسمتُ أحيا، لا لشيءٍ سوى فتًى
سيُهدي فتاةً في الخراب أَسَاورَ
4- حريٌّ بقلبي يا ابن قلبي ذبوله
إذا لم يعشْ وسط الرماد مكابرا!
5- وإن يبق في جسمي مكانٌ لطعنة
سيكبر فيه الأقحوان مغامرا
6- فحسبي بثغري القبلتان لأنني
أخاف أبانا، لا الوحوشَ العساكر !!
7- وإذ عايرَتني بالتنانير نسوةٌ
لبستُ لعشّاقي عذاباً مغايرا
8- وحين اقترحتَ الشمسَ ثوباً رفضتُ إذ
أغارُ من الأنثى، وإن تكُ شادرا !
9- بلى شاوريها في السّطوع تقول لي...
أقول: متى نَدٌّ لندٍّ تشاورا ؟
10- فراقبْ معي الأغصانَ لولا تشابكت
على الأرجح الثمرات تسقطُ باكرا !
11- وراقبْ معي حزنَ النساء، فديتُه
يغمّسُ في بُنّ الصباح حناجر
12- يُغنّينَه سولو، كما أشتهيه في
الأغاني، وفي جرحٍ ليُصبحَ شاعرا!
13- فإنّي وما زوّجتُكَ الأمسَ جثّتي
لأني أرى وردَ القبورِ ضرائرَ!!
14- أحاولُنا والحربُ تأكل أهلَها
وتفتحُ في ضلع الجياع متاجرَ
15- أُحاولُنا واللهِ ثانيةً فلا
تظننّ قلبي في الجنائز عاقرا!
16- على قلقٍ، مثل الصّغير بمأتمٍ
يضمُّ يديه ثمّ يسألُ: ما جرى؟
17- فإن أفرغوه من دماه ارتضى، وما
ارتضى ردَّهم: أضحى أبوك مسافرا !
18- على وجعٍ، مثل اليتيم بحفلةٍ
يرى أمّهاتِ الآخرينَ مجامرَ
19- فلا تستهنْ طعم الفراق، كأنّ مَن
طوى أمَّه للموت لمَّ السّكاكرَ!
20- كأنّ حروباً كلها أُحُد وما
غنمنا لهذا القلب إلا الخناجرَ
21- نؤجّر أرحام البلاد لقاتلٍ
وندعو الليالي هل: ستنجِبُ ثائرا؟
22_ فلا ترتجف إنّ التي كسَروا يدي
وما كسّروا تحتَ الضلوعِ جواهرَ
23- فأثمن ما ينسى الصبي حنينه
ويوجعُ لو تمحو الحروبُ بصائرَ!
«مولع بزياد» الثائر... والعبقري
فاطما خضر
في كتابه «مولع بزياد» (منشورات «تكوين» ودار «الرافدين» ــ 2025)، يقدّم الكاتب العراقي علي عبد الأمير عجام زياد الرحباني كشخصية فنية مستقلة وصدامية، تستخدم السخرية والموسيقى لتشريح المجتمع. في قراءته للحرب الأهلية، يظهر شاهداً على العنف والعبث ويفضح الفساد كنظام مصالح، ويحلّل الطبقية، ويكشف الطائفية كآلية لإنتاج الولاء
جاء كتاب «مولع بزياد» (منشورات «تكوين» ودار «الرافدين» ـــــ 2025) للصحافي والناقد الفني العراقي علي عبد الأمير عجام، تجسيداً لتأثير العبقري زياد الرحباني (1956 ــ 2025) الجمالي، عبر مشروعه الثوري في نقل الحداثة إلى الموسيقى العربية، والمقاومة بالفن ضدّ الرياء والنفاق الاجتماعي والسياسي.
استعار الكاتب عنوان الكتاب، من كتاب «مولع بفاغنر»، الذي تولَّى ترجمته عن الإنكليزية الكاتب ووزير الثقافة المصري ثروت عكاشة الذي كان بدوره متأثِّراً بموسيقى فاغنر إلى حد انزياحه عن عنوان الكتاب الأصلي «فاغنر المثالي» لمؤلفه البريطاني الشهير جورج برنارد شو.
دليل للأجيال
في كتاب عجام، لن تجد ما لا تألفه أو ما لا تعرفه عن زياد، إن كنت من المولعين به. لكن هذا لا يُلغي أهمية الكتاب، الذي يُعدّ بمنزلة أرشيف يحفظ كل أعمال زياد ومحطات حياته المهمة سواء الفنية أو الشخصية، مزوَّداً بقراءات وتحليلات عجام لفن زياد وفكره. ليكون الكتاب بذلك دليلاً مفيداً وشاملاً للأجيال التي ستأتي لاحقاً، وتريد البحث والقراءة حول مشروع زياد الفني والفكري.
يبدو مضمون الكتاب أشبه بمقالات، تُعنى كل مقالة منها بالبحث عن فكرة أو مجموعة أفكار حول موسيقى أو مسرح أو فكر زياد. واختار الكاتب تبويب هذه المقالات ضمن ثلاثة فصول، بالإضافة إلى مُلحقَين في نهاية الكتاب.
انطلياس بداية الحكاية
جاء الملحق الأوّل تحت عنوان «كرونولوجيا»، حيث وثَّق الكاتب ــــ وفقاً لتسلسل زمني ــــ أبرز محطات حياة زياد وكامل نتاجه، بدءاً من سنة ولادته في أنطلياس (1956)، ثم صدور ديوانه الوحيد «صديقي الله» (1968)، ومروراً بكل إنتاج قدَّمه سواء كان موسيقياً، أم مسرحياً، أم جولاته الموسيقية وحفلاته في لبنان وحول العالم، أم إذاعياً (بدءاً ببث برنامج «العقل زينة» عبر إذاعة «صوت الشعب» عام 1987)، أم صحافياً وصولاً إلى وفاته.
أما الملحق الثاني، فجاء تحت عنوان «صور أغلفة الأسطوانات والأشرطة» حيث استعرض عجام أغلفة جميع أعمال زياد بدءاً من غلاف أسطوانة «سهرية» (1973)، وانتهاءً بأسطوانة «إيه في أمل» (2010).
التجريب والتحديث في لغته الموسيقية
عبر ست مقالات متتالية، ركّز الكاتب في الفصل الأول على التجريب والتحديث في أعمال زياد، وروح الارتجال عنده، خصوصاً في الحفلات الحية؛ من دون أن يتنازل زياد عن شرطه الإبداعي الأساسي: «الموسيقى وحدها». وطرح عجام على التوالي أفكاراً تدعم فهم القارئ لتجربة زياد كمؤلف موسيقي مستقل، وكمبدع خلّاق في مختلف الأشكال الفنية (المسرح، الموسيقى، الغناء)، وكرائد حداثي تحرِّكه تجارب شخصية واجتماعية عميقة.
خرج زياد عن عباءة الأخوين رحباني، فاختار رؤية فنية تقترب من حرارة الواقع اليومي وتعقيداته، وتبتعد عن الرومانسية التقليدية. وتأثَّر في تأليفه بموسيقى الجاز، لكنَّه ربطها بروح الموسيقى الشرقية. ونجح في تقديم موسيقى مجرَّدة (آلية بحت) في سوق تستسيغ الأغنية فقط، كما في أسطوانة «هدوء نسبي»، التي تؤكد على أنّ الموسيقى هي الأصل عند زياد. أمَّا في مقطوعته «أبو علي»، فقدَّم درساً رائداً في موسيقى الـFusion، جاعلاً من الإيقاع المتكرِّر رمزاً إلى رتابة الحياة، ومن الفواصل اللحنية للآلات الموسيقية تعبيراً عن ثراء المشاعر الإنسانية، مقدّماً تصويراً موسيقياً عميقاً للزمن المعاصر.
سيد درويش والشيخ إمام
كما استحضر في تأليفه الموسيقي ما افتقده في طفولته في بيت العائلة (وجود أعمال سيد درويش والشيخ إمام)، وأدخل لاحقاً في صياغاته اللحنية والغنائية روح هذا الموروث الموسيقي المصري وأجوائه كما في أغنية «أنا مش كافر» التي تقترب في صياغاتها التهكمية من أجواء الشيخ إمام. إلى جانب أغنية «شو هالإيام» التي تقلل من أهمية الصورة البصرية لمصلحة الصوت والفكرة وتتسم بلغة المفارقة والسخرية؛ استحضر زياد سيد درويش، عبر تضمينه في الأغنية جملةً من عمل درويش «الحلوة دي قامت تعجن»، مقدِّماً نموذجاً في تحديث الموسيقى العربية بالارتكاز إلى مرجعيتها الأصيلة.
الحرب الأهلية اللبنانية
وحضرت الحرب الأهلية اللبنانية في أعماله كموضوع وموقف جمالي. جعل من فنِّه أداةً نقدية لصوغ وقائع الحرب وعنفها وعبثيتها. في أغنية «أنا مش كافر» التي خصَّص لها عجام مقالاً كاملاً، فسَّر الكاتب كيف غدت هذه الأغنية عنواناً لمرحلة كاملة، وبياناً فنياً ضد النفاق والقبح، مسبوكاً ضمن سياق فني ونقدي متماسك.
وتجلَّت المقاومة في أعمال زياد لا كشعار سياسي، بل كموقف أخلاقي ونقدي لاذع لمن يتاجرون بالقضية ودماء الشهداء، ويعتلون المنابر بخُطَب معلَّبة وجاهزة؛ وكتمجيد للشهداء الحقيقين، كما في أغنية «المقاومة الوطنية اللبنانية»، التي منحها عجام اسماً آخر: «تحية للجنوب». وبذلك، تجسَّدت مقاومة زياد في أسمى معاني المقاومة: مقاومة ضدّ استغلال المأساة والإنسان.
فيروز الجديدة
أما في الفصل الثاني، فتناول الكاتب ـــ عبر سبع مقالات ــــ النقلة الجوهرية والجرأة التي أحدثها زياد في مسار السيدة فيروز الغنائي. إذ كان انتقالها من مرحلة الرحابنة إلى مرحلة زياد، بمنزلة الانتقال من سماء الرومانسية إلى أرض الشجن اليومي، مع الحفاظ على الإخلاص لفكرة واحدة: الموسيقى ليست للترفيه فقط، بل هي فعل مقاومة وجودي واجتماعي.
وهذا ما جعل من تجربتها سيرةً فنية كاملة، تروي قصة الإنسان العربي بين حلم الوحدة وصدمة التشرذم. فالسيدة فيروز ليست مجرد صوت ملائكي اخترق جغرافيا العرب وذاكرتهم، بل امرأة عاشت أدواراً إنسانية كاملة، انعكست بتلقائية صادقة على مسارها الفني، محوّلةً حياتها الشخصية إلى بانوراما غنائية عريضة.
لم ينظر زياد، إلى صوت أمه كإرث مقدَّس يجب تحنيطه، بل كأداة تعبيرية قادرة على قول الجديد. أمَّا فيروز، فقبلت التحدي بإيمان الفنانة العظيمة وشجاعتها النادرة. وهكذا من أسطوانة «معرفتي فيك» (1987)، حتى أسطوانة «إيه في أمل» (2010)، نجح زياد في جعل فيروز صديقةً لصوتها الجديد، تاركة سماء الرومانسية لتغنِّي تعقيدات المرأة المعاصرة وهموم الأرض، في أقوى عملية تجديد يخوضها فنان راسخ.
«كيفك أنت»... رؤية ثورية
خصَّ عجام أسطوانة «كيفك أنت» (1991)، بمقالتين منفصلتين. الأولى بعنوان: ««كيفك أنت»... أشواق الإنسان في اضطراب حياته»، إذ رأى عجام أنّ أسطوانة «كيفك أنت» مثّلت ذروة مشروع زياد في تحويل فيروز من أيقونة رومانسية إلى صوت يعبِّر عن الوجود المعاصر المضطرب.
نجح زياد في استخدام موسيقى الجاز وتقنيات الفيوجن، وتحويل الأغنية إلى مرآة للمشاعر الأرضية والعلاقات اليومية المترعة بالخيبات، وفي تقديم نموذج متكامل لرؤيته الثورية في إعادة تشكيل الصوت الفنّي لأيقونة الغناء العربي فيروز. وهكذا لم يقتصر التحوّل فيها على الألحان، بل امتد إلى هندسة المشاعر وصورة المرأة في الأغنية.
أمَّا المقالة الثانية فعنوانها: ««كيفك أنت» في بغداد وقد قُصم ظهر البلاد». هنا، روى عجام بالتفصيل كيف تحوَّلت هذه الأسطوانة في خضم دمار بغداد خلال حرب الخليج (1991)، إلى ملجأ روحي للكاتب وأصدقائه.
أما في الفصل الثالث والأخير، فتناول عجام عبر ثلاث مقالات زياد كفكر فاعل، وكناقد اجتماعي، وكصاحب رؤية استندت إلى مرجعية ماركسية واقعية، وانطلقت من معاناة المقهورين لا من الشعارات المجردة، ودَعَت إلى ديموقراطية أخلاقية وأمن اجتماعي حقيقيين وبعيدين من الفوضى والقمع.
السخرية أداة لتشريح التناقضات الطبقية
وأوضح عجام بالاستناد إلى أعمال زياد، كيف استخدم زياد الموسيقى والكلمة كأدوات سخرية لتشريح التناقضات الطبقية والاقتصادية وفضح زيف الشعارات السياسية والوطنية الجوفاء. يغدو بذلك كلٌّ من فكره وموسيقاه نموذجاً لسوسيولوجيا فنية نقدية، حلّلت المجتمع وفكّكت أوهامه، وكشفت عن الإحباط الذي يصيب المثقف عندما يجد أنّ واقع الخيانة والانهيار قد تجاوز قدرة النقد الفني على التغيير.
وهذا ما يؤكِّد على أنَّ العلاقة بين الفنان والواقع علاقة ضرورية لكن خطرة. نجح زياد في ذروته، بأن يكون مرآةً لوطنه عبر فنٍّ رفيع يحافظ على مسافة جمالية؛ لكن ضغط الواقع الهائل وتشظِّيه، إلى جانب خيارات زياد الشخصية في الانخراط في الخطاب السياسي المباشر، قادت إلى اختلال المعادلة: طغى اليأس والخطاب على الفن وفقاً للكاتب.
وهكذا، زياد ليس عبقرياً موسيقياً ومبدعاً مسرحياً ومفكِّكاً للمفاهيم الجاهزة فقط، بل هو نموذج للمثقف الذي رفض كل العباءات – العائلية والفنية والسياسية – واختار أن يكون صوته الخاص فقط، متحمِّلاً ضريبة ذلك من اليأس والعزلة في عالم عربي يكرِّس التناقض بين الخطاب الجميل والممارسة الفاسدة.
فاطما خضر
في كتابه «مولع بزياد» (منشورات «تكوين» ودار «الرافدين» ــ 2025)، يقدّم الكاتب العراقي علي عبد الأمير عجام زياد الرحباني كشخصية فنية مستقلة وصدامية، تستخدم السخرية والموسيقى لتشريح المجتمع. في قراءته للحرب الأهلية، يظهر شاهداً على العنف والعبث ويفضح الفساد كنظام مصالح، ويحلّل الطبقية، ويكشف الطائفية كآلية لإنتاج الولاء
جاء كتاب «مولع بزياد» (منشورات «تكوين» ودار «الرافدين» ـــــ 2025) للصحافي والناقد الفني العراقي علي عبد الأمير عجام، تجسيداً لتأثير العبقري زياد الرحباني (1956 ــ 2025) الجمالي، عبر مشروعه الثوري في نقل الحداثة إلى الموسيقى العربية، والمقاومة بالفن ضدّ الرياء والنفاق الاجتماعي والسياسي.
استعار الكاتب عنوان الكتاب، من كتاب «مولع بفاغنر»، الذي تولَّى ترجمته عن الإنكليزية الكاتب ووزير الثقافة المصري ثروت عكاشة الذي كان بدوره متأثِّراً بموسيقى فاغنر إلى حد انزياحه عن عنوان الكتاب الأصلي «فاغنر المثالي» لمؤلفه البريطاني الشهير جورج برنارد شو.
دليل للأجيال
في كتاب عجام، لن تجد ما لا تألفه أو ما لا تعرفه عن زياد، إن كنت من المولعين به. لكن هذا لا يُلغي أهمية الكتاب، الذي يُعدّ بمنزلة أرشيف يحفظ كل أعمال زياد ومحطات حياته المهمة سواء الفنية أو الشخصية، مزوَّداً بقراءات وتحليلات عجام لفن زياد وفكره. ليكون الكتاب بذلك دليلاً مفيداً وشاملاً للأجيال التي ستأتي لاحقاً، وتريد البحث والقراءة حول مشروع زياد الفني والفكري.
يبدو مضمون الكتاب أشبه بمقالات، تُعنى كل مقالة منها بالبحث عن فكرة أو مجموعة أفكار حول موسيقى أو مسرح أو فكر زياد. واختار الكاتب تبويب هذه المقالات ضمن ثلاثة فصول، بالإضافة إلى مُلحقَين في نهاية الكتاب.
انطلياس بداية الحكاية
جاء الملحق الأوّل تحت عنوان «كرونولوجيا»، حيث وثَّق الكاتب ــــ وفقاً لتسلسل زمني ــــ أبرز محطات حياة زياد وكامل نتاجه، بدءاً من سنة ولادته في أنطلياس (1956)، ثم صدور ديوانه الوحيد «صديقي الله» (1968)، ومروراً بكل إنتاج قدَّمه سواء كان موسيقياً، أم مسرحياً، أم جولاته الموسيقية وحفلاته في لبنان وحول العالم، أم إذاعياً (بدءاً ببث برنامج «العقل زينة» عبر إذاعة «صوت الشعب» عام 1987)، أم صحافياً وصولاً إلى وفاته.
أما الملحق الثاني، فجاء تحت عنوان «صور أغلفة الأسطوانات والأشرطة» حيث استعرض عجام أغلفة جميع أعمال زياد بدءاً من غلاف أسطوانة «سهرية» (1973)، وانتهاءً بأسطوانة «إيه في أمل» (2010).
التجريب والتحديث في لغته الموسيقية
عبر ست مقالات متتالية، ركّز الكاتب في الفصل الأول على التجريب والتحديث في أعمال زياد، وروح الارتجال عنده، خصوصاً في الحفلات الحية؛ من دون أن يتنازل زياد عن شرطه الإبداعي الأساسي: «الموسيقى وحدها». وطرح عجام على التوالي أفكاراً تدعم فهم القارئ لتجربة زياد كمؤلف موسيقي مستقل، وكمبدع خلّاق في مختلف الأشكال الفنية (المسرح، الموسيقى، الغناء)، وكرائد حداثي تحرِّكه تجارب شخصية واجتماعية عميقة.
خرج زياد عن عباءة الأخوين رحباني، فاختار رؤية فنية تقترب من حرارة الواقع اليومي وتعقيداته، وتبتعد عن الرومانسية التقليدية. وتأثَّر في تأليفه بموسيقى الجاز، لكنَّه ربطها بروح الموسيقى الشرقية. ونجح في تقديم موسيقى مجرَّدة (آلية بحت) في سوق تستسيغ الأغنية فقط، كما في أسطوانة «هدوء نسبي»، التي تؤكد على أنّ الموسيقى هي الأصل عند زياد. أمَّا في مقطوعته «أبو علي»، فقدَّم درساً رائداً في موسيقى الـFusion، جاعلاً من الإيقاع المتكرِّر رمزاً إلى رتابة الحياة، ومن الفواصل اللحنية للآلات الموسيقية تعبيراً عن ثراء المشاعر الإنسانية، مقدّماً تصويراً موسيقياً عميقاً للزمن المعاصر.
سيد درويش والشيخ إمام
كما استحضر في تأليفه الموسيقي ما افتقده في طفولته في بيت العائلة (وجود أعمال سيد درويش والشيخ إمام)، وأدخل لاحقاً في صياغاته اللحنية والغنائية روح هذا الموروث الموسيقي المصري وأجوائه كما في أغنية «أنا مش كافر» التي تقترب في صياغاتها التهكمية من أجواء الشيخ إمام. إلى جانب أغنية «شو هالإيام» التي تقلل من أهمية الصورة البصرية لمصلحة الصوت والفكرة وتتسم بلغة المفارقة والسخرية؛ استحضر زياد سيد درويش، عبر تضمينه في الأغنية جملةً من عمل درويش «الحلوة دي قامت تعجن»، مقدِّماً نموذجاً في تحديث الموسيقى العربية بالارتكاز إلى مرجعيتها الأصيلة.
الحرب الأهلية اللبنانية
وحضرت الحرب الأهلية اللبنانية في أعماله كموضوع وموقف جمالي. جعل من فنِّه أداةً نقدية لصوغ وقائع الحرب وعنفها وعبثيتها. في أغنية «أنا مش كافر» التي خصَّص لها عجام مقالاً كاملاً، فسَّر الكاتب كيف غدت هذه الأغنية عنواناً لمرحلة كاملة، وبياناً فنياً ضد النفاق والقبح، مسبوكاً ضمن سياق فني ونقدي متماسك.
وتجلَّت المقاومة في أعمال زياد لا كشعار سياسي، بل كموقف أخلاقي ونقدي لاذع لمن يتاجرون بالقضية ودماء الشهداء، ويعتلون المنابر بخُطَب معلَّبة وجاهزة؛ وكتمجيد للشهداء الحقيقين، كما في أغنية «المقاومة الوطنية اللبنانية»، التي منحها عجام اسماً آخر: «تحية للجنوب». وبذلك، تجسَّدت مقاومة زياد في أسمى معاني المقاومة: مقاومة ضدّ استغلال المأساة والإنسان.
فيروز الجديدة
أما في الفصل الثاني، فتناول الكاتب ـــ عبر سبع مقالات ــــ النقلة الجوهرية والجرأة التي أحدثها زياد في مسار السيدة فيروز الغنائي. إذ كان انتقالها من مرحلة الرحابنة إلى مرحلة زياد، بمنزلة الانتقال من سماء الرومانسية إلى أرض الشجن اليومي، مع الحفاظ على الإخلاص لفكرة واحدة: الموسيقى ليست للترفيه فقط، بل هي فعل مقاومة وجودي واجتماعي.
وهذا ما جعل من تجربتها سيرةً فنية كاملة، تروي قصة الإنسان العربي بين حلم الوحدة وصدمة التشرذم. فالسيدة فيروز ليست مجرد صوت ملائكي اخترق جغرافيا العرب وذاكرتهم، بل امرأة عاشت أدواراً إنسانية كاملة، انعكست بتلقائية صادقة على مسارها الفني، محوّلةً حياتها الشخصية إلى بانوراما غنائية عريضة.
لم ينظر زياد، إلى صوت أمه كإرث مقدَّس يجب تحنيطه، بل كأداة تعبيرية قادرة على قول الجديد. أمَّا فيروز، فقبلت التحدي بإيمان الفنانة العظيمة وشجاعتها النادرة. وهكذا من أسطوانة «معرفتي فيك» (1987)، حتى أسطوانة «إيه في أمل» (2010)، نجح زياد في جعل فيروز صديقةً لصوتها الجديد، تاركة سماء الرومانسية لتغنِّي تعقيدات المرأة المعاصرة وهموم الأرض، في أقوى عملية تجديد يخوضها فنان راسخ.
«كيفك أنت»... رؤية ثورية
خصَّ عجام أسطوانة «كيفك أنت» (1991)، بمقالتين منفصلتين. الأولى بعنوان: ««كيفك أنت»... أشواق الإنسان في اضطراب حياته»، إذ رأى عجام أنّ أسطوانة «كيفك أنت» مثّلت ذروة مشروع زياد في تحويل فيروز من أيقونة رومانسية إلى صوت يعبِّر عن الوجود المعاصر المضطرب.
نجح زياد في استخدام موسيقى الجاز وتقنيات الفيوجن، وتحويل الأغنية إلى مرآة للمشاعر الأرضية والعلاقات اليومية المترعة بالخيبات، وفي تقديم نموذج متكامل لرؤيته الثورية في إعادة تشكيل الصوت الفنّي لأيقونة الغناء العربي فيروز. وهكذا لم يقتصر التحوّل فيها على الألحان، بل امتد إلى هندسة المشاعر وصورة المرأة في الأغنية.
أمَّا المقالة الثانية فعنوانها: ««كيفك أنت» في بغداد وقد قُصم ظهر البلاد». هنا، روى عجام بالتفصيل كيف تحوَّلت هذه الأسطوانة في خضم دمار بغداد خلال حرب الخليج (1991)، إلى ملجأ روحي للكاتب وأصدقائه.
أما في الفصل الثالث والأخير، فتناول عجام عبر ثلاث مقالات زياد كفكر فاعل، وكناقد اجتماعي، وكصاحب رؤية استندت إلى مرجعية ماركسية واقعية، وانطلقت من معاناة المقهورين لا من الشعارات المجردة، ودَعَت إلى ديموقراطية أخلاقية وأمن اجتماعي حقيقيين وبعيدين من الفوضى والقمع.
السخرية أداة لتشريح التناقضات الطبقية
وأوضح عجام بالاستناد إلى أعمال زياد، كيف استخدم زياد الموسيقى والكلمة كأدوات سخرية لتشريح التناقضات الطبقية والاقتصادية وفضح زيف الشعارات السياسية والوطنية الجوفاء. يغدو بذلك كلٌّ من فكره وموسيقاه نموذجاً لسوسيولوجيا فنية نقدية، حلّلت المجتمع وفكّكت أوهامه، وكشفت عن الإحباط الذي يصيب المثقف عندما يجد أنّ واقع الخيانة والانهيار قد تجاوز قدرة النقد الفني على التغيير.
وهذا ما يؤكِّد على أنَّ العلاقة بين الفنان والواقع علاقة ضرورية لكن خطرة. نجح زياد في ذروته، بأن يكون مرآةً لوطنه عبر فنٍّ رفيع يحافظ على مسافة جمالية؛ لكن ضغط الواقع الهائل وتشظِّيه، إلى جانب خيارات زياد الشخصية في الانخراط في الخطاب السياسي المباشر، قادت إلى اختلال المعادلة: طغى اليأس والخطاب على الفن وفقاً للكاتب.
وهكذا، زياد ليس عبقرياً موسيقياً ومبدعاً مسرحياً ومفكِّكاً للمفاهيم الجاهزة فقط، بل هو نموذج للمثقف الذي رفض كل العباءات – العائلية والفنية والسياسية – واختار أن يكون صوته الخاص فقط، متحمِّلاً ضريبة ذلك من اليأس والعزلة في عالم عربي يكرِّس التناقض بين الخطاب الجميل والممارسة الفاسدة.
«أربع محاولات للحياة»... الكتابة لُعبة مسلّية
مهدي زلزلي
«أربع محاولات للحياة» كتاب مشترك لأربعة كتّاب مصريين يقوم على لعبة: يختار أحدهم موضوعاً ويكتب الآخرون عنه بحرية، ثم يتناوبون الاختيار. يبتعد عن الوعظ والتنظير ويقدّم نصوصاً سردية متنوعة عن الحنين، والأبناء، ونظرة الآخرين، والندم، والموت والكتابة. تمتزج الأساليب بين التجريب واليوميات والبساطة
«عزيزي القارئ، أنت بصدد التعرّف على تجربة غريبة». لا يبالغ أصحاب «أربع محاولات للحياة» (دار الشروق ـــ القاهرة) باختيارهم هذه العبارة ليصدّروا بها كتابهم المشترك. والغرابة هنا لا تكمن في عدد المؤلفين، فهو ليس الكتاب الجماعي الأوّل بطبيعة الحال، بل في فرادة التجربة وجدّة موضوعها.
أسامة علام، نشوى صلاح، أحمد عبد المجيد ومروة سمير... أربعة مصريين من أعمار متقاربة، جمعتهم الكتابة وفرّقتهم تجارب حياتية مختلفة، قرّروا أن يلعبوا مع القارئ لعبة لطيفة، فيختار أحدهم موضوعاً يشغله ويطرحه على المجموعة، لتبدأ الكتابة الحرّة حول اختياره، وبالتتابع يختار كل كاتب موضوعاً ويلتزم الثلاثة الآخرون بالكتابة عنه.
بعيداً من التنظير
يؤكد الكتّاب الأربعة في مقدّمتهم «المشتركة بدورها» أن هدفهم لم يكن أبداً التنظير والجلوس على مقعد الحكمة كي يحكوا للقارئ تجربتهم المبهرة في الحياة، وأن الكتاب ليس فيه الكثير من محاولات التفلسف أو النصح والإرشاد، ببساطة لأن حياتهم عادية كحياة القارئ، ولأنهم يحاولون الكتابة لأنفسهم بهدف التعرّف إليها بشكل أكثر وضوحاً ومصارحتها.
«موزاييك» مواضيع وأساليب
هكذا، ينتقل القارئ من فصلٍ إلى آخر بسلاسة، مستفيداً من تنوع المواضيع، وحسن اختيارها، ومن اختلاف الأساليب الذي أغنى التجربة وصنع فرادتها. ينطلق من «الحنين» إلى شخصٍ عزيز فارقنا، أو مكانٍ فارقناه فاشتعل حنيننا إليه بعد حين، وصولاً إلى «الأبناء» والتنازع بين سحر العيش معهم وتحديات تربيتهم، والمحاولات العفوية لتوريثهم هواياتنا وجعلهم نسخاً عنا. ثمَّ هناك «الكتابة» بوصفها مصدراً للخوف والغضب والبهجة والامتنان في آنٍ واحد، وفعل جنونٍ وتداوٍ أيضاً. ونقرأ نصوصاً أخرى عن «نظرة الآخرين» إلينا وإفراطنا في السعي إلى احترامهم إلى حدٍّ يستعبدنا، وعن «الندم» على ما فعلناه تارةً أو ما لم نفعله طوراً، وعن الرسائل، والعزلة، والقراءة، والإلهام، والاختلاف، والقارئ، والمنافسة بين الكتّاب، والموت والاعتراف.
قد تصلح الأفكار السريعة أعلاه كلمحةٍ عن أجواء الكتاب، ولكنها لا يمكن أن تختصره، فهي ليست محل إجماع كتّابه أصلاً، وقد جرى اقتباس العبارات من واحد أو اثنين فقط من النصوص الأربعة التي تدور حول الفكرة المطروحة في كل فصل من فصول الكتاب. واختلاف التجارب والآراء وزوايا النظر ميزة أخرى تُضاف إلى اختلاف الأساليب الكتابية، لتصنع كل هذه الاختلافات من الكتاب لوحة «موزاييك» بديعة.
تداخلٌ يفرض نفسه
ولكن، هل يمكن فعلاً الفصل بين عناوين فصول الكتاب بوصفها تشير إلى مواضيع مختلفة ومتباعدة، أم أن التداخل سيفرض نفسه على الورق كما في الحياة نفسها؟ قد تكون الإجابة الثانية هي الأكثر دقةً، فالحديث عن «الأبناء» يقودنا إلى «الكتابة» قبل أوانها، والحديث عن «الندم» يستولد حديثاً استباقياً عن «الموت» قبل أوانه، كما في نصّ أحمد عبد المجيد الذي ندم لأنه لم يشبع من والده قبل رحيله، أو إلحاقياً عن «نظرة الآخرين» كما في نصّ نشوى صلاح التي تروي لنا كيف تخلت في خياراتها الدراسية المبكرة عن شغفها، التزاماً بمجموع الدرجات العالي الذي حصّلته ونظرة الناس إلى الاختصاص الذي يناسب شغفها!
ولعل أكثر ما نأى بالكتاب عن التنظير والتفلسف، وجعله أقرب إلى لعبة مسلية كما أراده أصحابه، هو إخلاصهم لهويتهم السردية، فقد حملوا أفكارهم حول الموضوع المطروح على متون حكائية، نقلوا من خلالها بأساليب مسلية حكايات تنتمي إلى مراحل مختلفة في حيواتهم، بل إنّه في نصّها عن «الندم»، أوغلت نشوى صلاح في «اللعب» إلى حدّ بناء حكاية فانتازية تدور حول عثورها على آلة للسفر عبر الزمن، وحماستها للتجربة، قبل أن تكتشف أنها تخشى العودة إلى الماضي لتصحيح أخطاء ندمت عليها، تجنباً لأخطاء إضافية وندم جديد. وفي نصّها عن «الاختلاف»، تأخذنا نشوى إلى حكاية فانتازية أخرى بالغة الدلالة، على شكل منام هذه المرّة.
توزيعٌ عادلٌ للمتعة
ولا بدّ من أن يتوقف القارئ عند الحفاظ على ترتيب النصوص في كل موضوع، وهو الترتيب الذي وردت فيه أسماء الكتّاب في هذه المقالة، ويمكن أن يعدّه القارئ توزيعاً عادلاً للمتعة في ظل التفاوت الطبيعي والمتوقع في المستوى بين كاتبٍ وآخر، الذي يتجلى هنا في علوّ كعب علام وعبد المجيد ولو بفوارق طفيفة عن شريكتيهما، فضلاً عن كون هذا التفصيل أدعى إلى قراءةٍ أكثر انسيابيةً، من دون أن يعني ذلك مصادرة واحد من حقوق القارئ العشرة بحسب دانيال بِناك، وهو «الحق في القطف» أو في «القراءة العشوائية».
أسامة علام، يميل عموماً إلى التجريب، وقد مارسه في كتابه «طريقٌ متّسعٌ لشخص وحيد» (دار الشروق) الذي ضمّنه اثنتي عشرة حكاية من اثنتي عشرة مدينة مختلفة قاده الترحال إلى شوارعها، مبتدعاً خلطة سحرية من الواقع والخيال يصعب اكتشاف سرّها، حتى تميل إلى الاعتقاد أنه صاحب هذه الفكرة ومصدرها قبل أن يتبنّاها الثلاثة الآخرون. وترحال علام لا يغيب عن نصوصه في «أربع محاولات للحياة»، بل يحضر بقوّةٍ ولطف في آن واحد، مضيفاً إلى نصوصه الكثير من الإثارة والتشويق.
وإذا كان الترحال يطبع نصوص علام، فإن تخصّص نشوى صلاح في علم النفس يطبع بدوره نصوصها، ويحضر معه في كل نصّ تقريباً «عملاؤها» الذين تحرص على تجنب اعتماد الخطأ الشائع قديماً عبر وصفهم بـ«المرضى»، ملتزمةً بالتسمية الحديثة. ومن المعلوم أنّ بين الكتابة الأدبية وعلم النفس علاقة تاريخية عميقة.
أما نصوص أحمد عبد المجيد، فلو جُمِعَت في كتابٍ وحدها، لجاز اعتبارها مذكّرات أو يوميات على قدرٍ كبيرٍ من الإمتاع، وإن خالط هذه المتعة شيء من الحزن الذي يصيب القارئ في مواضع محددة. ولعل عبد المجيد هو الأكثر إخلاصاً للسرد عبر أسلوبه الخاصّ بما فيه من عذوبة وسلاسة.
وتسلك مروة سمير درباً أكثر بساطةً ومباشرةً في التعبير عن أفكارها ومواقفها، حتى تبدو نصوصها أقرب إلى مقالات رأي باستهلال تقليدي وخاتمة تحمل استنتاجاً أو خلاصة، وبين الاثنين استشهاد بمقولاتٍ لمبدعين تأثرت بهم في مسيرتها، من فيكتور هوغو إلى كونديرا وكافكا.
الغلاف.. وإبداع كريم آدم
لا يمكن الحديث عن الكتاب من دون الإشارة إلى غلافه المتقن الذي صمّمه التشكيلي كريم آدم (اشتهر بتصميمه البوستر المميّز لمسلسل «لام شمسية»). ويعبّر غلاف «أربع محاولات للحياة» عن فكرة الكتاب بأفضل الطرق وأكثرها إبداعاً وبساطةً في آنٍ واحد، عبر أربع نوافذ متجاورة لا تشبه إحداها الأخرى، ولنا أن نتجاوز أبعاد الصورة إلى تخيل ما تطل عليه: الشارع – الحياة، وأن نرى في البناءِ بطلائه الأخضر «الكتابةَ» نفسَها، فلا يبقى بعدها إلا أن يطل كتّابنا الأربعة علينا من خلف الدِرَف نصف المفتوحة!
مهدي زلزلي
«أربع محاولات للحياة» كتاب مشترك لأربعة كتّاب مصريين يقوم على لعبة: يختار أحدهم موضوعاً ويكتب الآخرون عنه بحرية، ثم يتناوبون الاختيار. يبتعد عن الوعظ والتنظير ويقدّم نصوصاً سردية متنوعة عن الحنين، والأبناء، ونظرة الآخرين، والندم، والموت والكتابة. تمتزج الأساليب بين التجريب واليوميات والبساطة
«عزيزي القارئ، أنت بصدد التعرّف على تجربة غريبة». لا يبالغ أصحاب «أربع محاولات للحياة» (دار الشروق ـــ القاهرة) باختيارهم هذه العبارة ليصدّروا بها كتابهم المشترك. والغرابة هنا لا تكمن في عدد المؤلفين، فهو ليس الكتاب الجماعي الأوّل بطبيعة الحال، بل في فرادة التجربة وجدّة موضوعها.
أسامة علام، نشوى صلاح، أحمد عبد المجيد ومروة سمير... أربعة مصريين من أعمار متقاربة، جمعتهم الكتابة وفرّقتهم تجارب حياتية مختلفة، قرّروا أن يلعبوا مع القارئ لعبة لطيفة، فيختار أحدهم موضوعاً يشغله ويطرحه على المجموعة، لتبدأ الكتابة الحرّة حول اختياره، وبالتتابع يختار كل كاتب موضوعاً ويلتزم الثلاثة الآخرون بالكتابة عنه.
بعيداً من التنظير
يؤكد الكتّاب الأربعة في مقدّمتهم «المشتركة بدورها» أن هدفهم لم يكن أبداً التنظير والجلوس على مقعد الحكمة كي يحكوا للقارئ تجربتهم المبهرة في الحياة، وأن الكتاب ليس فيه الكثير من محاولات التفلسف أو النصح والإرشاد، ببساطة لأن حياتهم عادية كحياة القارئ، ولأنهم يحاولون الكتابة لأنفسهم بهدف التعرّف إليها بشكل أكثر وضوحاً ومصارحتها.
«موزاييك» مواضيع وأساليب
هكذا، ينتقل القارئ من فصلٍ إلى آخر بسلاسة، مستفيداً من تنوع المواضيع، وحسن اختيارها، ومن اختلاف الأساليب الذي أغنى التجربة وصنع فرادتها. ينطلق من «الحنين» إلى شخصٍ عزيز فارقنا، أو مكانٍ فارقناه فاشتعل حنيننا إليه بعد حين، وصولاً إلى «الأبناء» والتنازع بين سحر العيش معهم وتحديات تربيتهم، والمحاولات العفوية لتوريثهم هواياتنا وجعلهم نسخاً عنا. ثمَّ هناك «الكتابة» بوصفها مصدراً للخوف والغضب والبهجة والامتنان في آنٍ واحد، وفعل جنونٍ وتداوٍ أيضاً. ونقرأ نصوصاً أخرى عن «نظرة الآخرين» إلينا وإفراطنا في السعي إلى احترامهم إلى حدٍّ يستعبدنا، وعن «الندم» على ما فعلناه تارةً أو ما لم نفعله طوراً، وعن الرسائل، والعزلة، والقراءة، والإلهام، والاختلاف، والقارئ، والمنافسة بين الكتّاب، والموت والاعتراف.
قد تصلح الأفكار السريعة أعلاه كلمحةٍ عن أجواء الكتاب، ولكنها لا يمكن أن تختصره، فهي ليست محل إجماع كتّابه أصلاً، وقد جرى اقتباس العبارات من واحد أو اثنين فقط من النصوص الأربعة التي تدور حول الفكرة المطروحة في كل فصل من فصول الكتاب. واختلاف التجارب والآراء وزوايا النظر ميزة أخرى تُضاف إلى اختلاف الأساليب الكتابية، لتصنع كل هذه الاختلافات من الكتاب لوحة «موزاييك» بديعة.
تداخلٌ يفرض نفسه
ولكن، هل يمكن فعلاً الفصل بين عناوين فصول الكتاب بوصفها تشير إلى مواضيع مختلفة ومتباعدة، أم أن التداخل سيفرض نفسه على الورق كما في الحياة نفسها؟ قد تكون الإجابة الثانية هي الأكثر دقةً، فالحديث عن «الأبناء» يقودنا إلى «الكتابة» قبل أوانها، والحديث عن «الندم» يستولد حديثاً استباقياً عن «الموت» قبل أوانه، كما في نصّ أحمد عبد المجيد الذي ندم لأنه لم يشبع من والده قبل رحيله، أو إلحاقياً عن «نظرة الآخرين» كما في نصّ نشوى صلاح التي تروي لنا كيف تخلت في خياراتها الدراسية المبكرة عن شغفها، التزاماً بمجموع الدرجات العالي الذي حصّلته ونظرة الناس إلى الاختصاص الذي يناسب شغفها!
ولعل أكثر ما نأى بالكتاب عن التنظير والتفلسف، وجعله أقرب إلى لعبة مسلية كما أراده أصحابه، هو إخلاصهم لهويتهم السردية، فقد حملوا أفكارهم حول الموضوع المطروح على متون حكائية، نقلوا من خلالها بأساليب مسلية حكايات تنتمي إلى مراحل مختلفة في حيواتهم، بل إنّه في نصّها عن «الندم»، أوغلت نشوى صلاح في «اللعب» إلى حدّ بناء حكاية فانتازية تدور حول عثورها على آلة للسفر عبر الزمن، وحماستها للتجربة، قبل أن تكتشف أنها تخشى العودة إلى الماضي لتصحيح أخطاء ندمت عليها، تجنباً لأخطاء إضافية وندم جديد. وفي نصّها عن «الاختلاف»، تأخذنا نشوى إلى حكاية فانتازية أخرى بالغة الدلالة، على شكل منام هذه المرّة.
توزيعٌ عادلٌ للمتعة
ولا بدّ من أن يتوقف القارئ عند الحفاظ على ترتيب النصوص في كل موضوع، وهو الترتيب الذي وردت فيه أسماء الكتّاب في هذه المقالة، ويمكن أن يعدّه القارئ توزيعاً عادلاً للمتعة في ظل التفاوت الطبيعي والمتوقع في المستوى بين كاتبٍ وآخر، الذي يتجلى هنا في علوّ كعب علام وعبد المجيد ولو بفوارق طفيفة عن شريكتيهما، فضلاً عن كون هذا التفصيل أدعى إلى قراءةٍ أكثر انسيابيةً، من دون أن يعني ذلك مصادرة واحد من حقوق القارئ العشرة بحسب دانيال بِناك، وهو «الحق في القطف» أو في «القراءة العشوائية».
أسامة علام، يميل عموماً إلى التجريب، وقد مارسه في كتابه «طريقٌ متّسعٌ لشخص وحيد» (دار الشروق) الذي ضمّنه اثنتي عشرة حكاية من اثنتي عشرة مدينة مختلفة قاده الترحال إلى شوارعها، مبتدعاً خلطة سحرية من الواقع والخيال يصعب اكتشاف سرّها، حتى تميل إلى الاعتقاد أنه صاحب هذه الفكرة ومصدرها قبل أن يتبنّاها الثلاثة الآخرون. وترحال علام لا يغيب عن نصوصه في «أربع محاولات للحياة»، بل يحضر بقوّةٍ ولطف في آن واحد، مضيفاً إلى نصوصه الكثير من الإثارة والتشويق.
وإذا كان الترحال يطبع نصوص علام، فإن تخصّص نشوى صلاح في علم النفس يطبع بدوره نصوصها، ويحضر معه في كل نصّ تقريباً «عملاؤها» الذين تحرص على تجنب اعتماد الخطأ الشائع قديماً عبر وصفهم بـ«المرضى»، ملتزمةً بالتسمية الحديثة. ومن المعلوم أنّ بين الكتابة الأدبية وعلم النفس علاقة تاريخية عميقة.
أما نصوص أحمد عبد المجيد، فلو جُمِعَت في كتابٍ وحدها، لجاز اعتبارها مذكّرات أو يوميات على قدرٍ كبيرٍ من الإمتاع، وإن خالط هذه المتعة شيء من الحزن الذي يصيب القارئ في مواضع محددة. ولعل عبد المجيد هو الأكثر إخلاصاً للسرد عبر أسلوبه الخاصّ بما فيه من عذوبة وسلاسة.
وتسلك مروة سمير درباً أكثر بساطةً ومباشرةً في التعبير عن أفكارها ومواقفها، حتى تبدو نصوصها أقرب إلى مقالات رأي باستهلال تقليدي وخاتمة تحمل استنتاجاً أو خلاصة، وبين الاثنين استشهاد بمقولاتٍ لمبدعين تأثرت بهم في مسيرتها، من فيكتور هوغو إلى كونديرا وكافكا.
الغلاف.. وإبداع كريم آدم
لا يمكن الحديث عن الكتاب من دون الإشارة إلى غلافه المتقن الذي صمّمه التشكيلي كريم آدم (اشتهر بتصميمه البوستر المميّز لمسلسل «لام شمسية»). ويعبّر غلاف «أربع محاولات للحياة» عن فكرة الكتاب بأفضل الطرق وأكثرها إبداعاً وبساطةً في آنٍ واحد، عبر أربع نوافذ متجاورة لا تشبه إحداها الأخرى، ولنا أن نتجاوز أبعاد الصورة إلى تخيل ما تطل عليه: الشارع – الحياة، وأن نرى في البناءِ بطلائه الأخضر «الكتابةَ» نفسَها، فلا يبقى بعدها إلا أن يطل كتّابنا الأربعة علينا من خلف الدِرَف نصف المفتوحة!
حسن العبدالله: الدردارة
محمد ناصر الدين
عند بحيرة الدردارة وقد مَصَل ماؤها دمعاً ودماً عند تخوم الخيام في الجنوب اللبناني، يقف الشاعر الجنوبي حسن العبدالله (1943-2022) تحت أغلظ الشموس مثل غزال شارد في الضوء، والنصل ــ الرصاصة في عنق الغزال والأشجار وفي خاصرة الماء، يطلق صرخة في برية الربّ: «أريد مدفعاً طويلاً أجرّه خلفي»، في واحدة من قصائده الضائعة والمنشورة في جريدة «النداء» في سبعينيات القرن الماضي. قصيدةٌ نحسبها للوهلة الأولى من زمنٍ ضائع هو الآخَر، لكنها تسقط اليوم على وجوهنا كالصفعة: أين ثأر الجدّ والماء والتينة الصديقة؟ من يذود عن انهدام الجسد النظيف في حمّام الدم وستين مجزرة في القرى على طريق الإمام الذبيح؟ طريق واحدٌ إلى الخيام النائمة بين السر والأيام في أحضان حرمون، مدفعٌ واحدٌ وحسب يشهره أولئك المقاتلون قبل انطفاء التين والزيتون، أولئك العشرة والعشرون الباقون من فرقة الدفاع عن شرف أجدادنا وتاريخنا وذكرياتنا. كلما أشرقت روح حسن العبدالله الشقراء على العصافير التي تطير من غصن إلى غصن بالصرخة المدوية: أين ذهب الجبل؟ كان مدفعٌ أخير في وادي العصافير يثبت السنابل الزرقاء في جبل عامل الحاضن لأحزان التاريخ
عـودة
قصيدة للشاعر حسن عبدالله
أريدُ مدفعاً كبيراً
أجرّه خلفي وأمشي،
تحت أغلظ الشموسِ
نحو ذلك السهلِ
الذي يحدّ إسرائيل - أحياناً - من الشمالْ.
فقط هناك أستطيع أن أكون ذلك الذي أنا هو:
الغزالْ
شارداً في الضوء
والنهارُ خطٌٌّ يصل البحيرة الزرقاء بالجبال
هناك فقط أستطيع أن أمدّ رجليَّ إلى نهاية الأرض وأغفو
فوق فخذ تينة صديقة.
تحت العصافير التي تطير من غصنٍ إلى غصنٍ
ومن دقيقة إلى دقيقة...
في ذلك اليوم السعيد من حياتنا. أنا وجَدّي.
ولا أريد أن يتبعني أحد.
■ ■ ■
في ذلك اليوم السعيد من حياتنا أنا وجدّي...
في ذلك اليوم السعيد كانت السماءْ
زرقاء، والمساءُ هادئاً، وكانت الفتاةُ قد أَتتْ
ثم اختفينا في عباب الذُّرة الخضراءْ
كان كثير النوم... عندما أفاق
ولم يجدني… نام من جديدْ
ولم يعد من نَومهِ السّعيدْ
■ ■ ■
وإنني أرى الحصان راكضاً والورقَ الكثيف
والفتاة تستحمُّ خلفَ الورق الكثيف
وإنني أرى انهدام الجسد النظيف
لكنْ
أَينَ؟... أَينَ ذَهَبَ الجبل؟؟!
■ ■ ■
وكان في المكان: ماءْ
يجري من الشتاء نحو التينْ
وكان في المكان: أربعاءْ
مملوءةً شمساً وفلاحينْ.
■ ■ ■
أريدُ أن أراكِ
أريدُ أن أرى يدي عليكِ
أريدُ أن أرى يدي على الغصونْ
قبل انطفاء التين والزيتونْ
قبل انطفاء قلبي الهزيلْ
أريدُ مدفعاً شديداً عالياً طويلْ.
■ ■ ■
ولا أريدُ أن أعود كي أطاردَ الفراشة
من أوّل النهار حتى كتف الفتاة في حديقة الذُّرة
فَكّتُ ذراعيها ولم تعُدْ
وفكَّتِ الأشجارُ ظلّهَا الظّليل
فكَّ الساحرُ الكبيرُ سحْرهُ عن الأميرْ
بشدّة تضيء شمس الأحد الماضي على الخرافة
بشدّة على المسافة
بيني وبين وجهها الأخيرْ
ويأخذ الحنينُ شكل بلدةٍ طافحةٍ سياسة.
■ ■ ■
وإنني أريد أن أعودَ، لا لكي أطارد السنابل الزرقاءَ تحت القش
والقمرَ الصغير تحت القمر الكبير...
فقط يريد أن ينام الوحش
في بيتهِ
على سرير موتهِ
فقط يريد أن ينامْ
في ليلةٍ واقفة على أعالي السرو والأيامْ...
■ ■ ■
وانتظروني انتظروني أيّها العشرةُ العشرونْ شيئاً من
جداول يابسة هي:
حياتي...
انتظروني أيها العشرة العشرونْ
تحت التّينْ.
■ ■ ■
واقفة على أعالي التينِ تنتظرْ
واقفة على أعالي السرْو والأيامْ
حجارة على حجارةٍ على شجرْ
حجارة: ركامْ
حجارة: سلامْ
حجارة هادئة هي: الخيامْ
مكان نومي عندما تغيبُ الشمسْ.
وبلّغوها أنني سأستقلُ أوَّل المدافعِ المسافراتِ نحو ليلها
الصيفي
وبلّغوها أنني أصبحتُ عسكريّاً
وأنني سمّيتُ نفسي فرقة الدفاع عن ضريح جدّي.
■ ■ ■
ولا أريدُ أن يتبعني أحَدْ.
■ ■ ■
وشاهدوه في نهاية الطريق واقفاً أمام خارطة.
وروحُهُ الشقراء تستعد للغروبْ.
■ ■ ■
وبدأ القصف...
من التلّ إلى الوادي من الوادي إلى التلّ. عنيفاً ضارياً،
أنا الذي قرَّرت:
لا هوادة!
وعندما أموت
وعندما أكون قد نسيت وانتسيت
تجيء تينةٌ
تجرُّ ظلّها عليّ... أمّحي
وتينةٌ أخرى تجرّ ظلّها على البيوت
كمية هائلة من البياض تسحقُ المدى المدوّر
الزرقة التي رأيتم منذ ساعتين لم تكن سوى طلاء الشّرك المميت
وبلّغوها أنّي أتيت..
كمية هائلةٌ من الجنون فوق راحة الفتى الذي أتى...
ووجد الفتاة في مكان فارغ من المحبة
ووجد المكان صالحاً للحرب.
■ ■ ■
أريدُ مدفعاً كبيراً
أشهره أمام قلبي نحو من أحبّ
أريد أيضاً غصن زيتون كبيرٍ لليد الأخرى.
محمد ناصر الدين
عند بحيرة الدردارة وقد مَصَل ماؤها دمعاً ودماً عند تخوم الخيام في الجنوب اللبناني، يقف الشاعر الجنوبي حسن العبدالله (1943-2022) تحت أغلظ الشموس مثل غزال شارد في الضوء، والنصل ــ الرصاصة في عنق الغزال والأشجار وفي خاصرة الماء، يطلق صرخة في برية الربّ: «أريد مدفعاً طويلاً أجرّه خلفي»، في واحدة من قصائده الضائعة والمنشورة في جريدة «النداء» في سبعينيات القرن الماضي. قصيدةٌ نحسبها للوهلة الأولى من زمنٍ ضائع هو الآخَر، لكنها تسقط اليوم على وجوهنا كالصفعة: أين ثأر الجدّ والماء والتينة الصديقة؟ من يذود عن انهدام الجسد النظيف في حمّام الدم وستين مجزرة في القرى على طريق الإمام الذبيح؟ طريق واحدٌ إلى الخيام النائمة بين السر والأيام في أحضان حرمون، مدفعٌ واحدٌ وحسب يشهره أولئك المقاتلون قبل انطفاء التين والزيتون، أولئك العشرة والعشرون الباقون من فرقة الدفاع عن شرف أجدادنا وتاريخنا وذكرياتنا. كلما أشرقت روح حسن العبدالله الشقراء على العصافير التي تطير من غصن إلى غصن بالصرخة المدوية: أين ذهب الجبل؟ كان مدفعٌ أخير في وادي العصافير يثبت السنابل الزرقاء في جبل عامل الحاضن لأحزان التاريخ
عـودة
قصيدة للشاعر حسن عبدالله
أريدُ مدفعاً كبيراً
أجرّه خلفي وأمشي،
تحت أغلظ الشموسِ
نحو ذلك السهلِ
الذي يحدّ إسرائيل - أحياناً - من الشمالْ.
فقط هناك أستطيع أن أكون ذلك الذي أنا هو:
الغزالْ
شارداً في الضوء
والنهارُ خطٌٌّ يصل البحيرة الزرقاء بالجبال
هناك فقط أستطيع أن أمدّ رجليَّ إلى نهاية الأرض وأغفو
فوق فخذ تينة صديقة.
تحت العصافير التي تطير من غصنٍ إلى غصنٍ
ومن دقيقة إلى دقيقة...
في ذلك اليوم السعيد من حياتنا. أنا وجَدّي.
ولا أريد أن يتبعني أحد.
■ ■ ■
في ذلك اليوم السعيد من حياتنا أنا وجدّي...
في ذلك اليوم السعيد كانت السماءْ
زرقاء، والمساءُ هادئاً، وكانت الفتاةُ قد أَتتْ
ثم اختفينا في عباب الذُّرة الخضراءْ
كان كثير النوم... عندما أفاق
ولم يجدني… نام من جديدْ
ولم يعد من نَومهِ السّعيدْ
■ ■ ■
وإنني أرى الحصان راكضاً والورقَ الكثيف
والفتاة تستحمُّ خلفَ الورق الكثيف
وإنني أرى انهدام الجسد النظيف
لكنْ
أَينَ؟... أَينَ ذَهَبَ الجبل؟؟!
■ ■ ■
وكان في المكان: ماءْ
يجري من الشتاء نحو التينْ
وكان في المكان: أربعاءْ
مملوءةً شمساً وفلاحينْ.
■ ■ ■
أريدُ أن أراكِ
أريدُ أن أرى يدي عليكِ
أريدُ أن أرى يدي على الغصونْ
قبل انطفاء التين والزيتونْ
قبل انطفاء قلبي الهزيلْ
أريدُ مدفعاً شديداً عالياً طويلْ.
■ ■ ■
ولا أريدُ أن أعود كي أطاردَ الفراشة
من أوّل النهار حتى كتف الفتاة في حديقة الذُّرة
فَكّتُ ذراعيها ولم تعُدْ
وفكَّتِ الأشجارُ ظلّهَا الظّليل
فكَّ الساحرُ الكبيرُ سحْرهُ عن الأميرْ
بشدّة تضيء شمس الأحد الماضي على الخرافة
بشدّة على المسافة
بيني وبين وجهها الأخيرْ
ويأخذ الحنينُ شكل بلدةٍ طافحةٍ سياسة.
■ ■ ■
وإنني أريد أن أعودَ، لا لكي أطارد السنابل الزرقاءَ تحت القش
والقمرَ الصغير تحت القمر الكبير...
فقط يريد أن ينام الوحش
في بيتهِ
على سرير موتهِ
فقط يريد أن ينامْ
في ليلةٍ واقفة على أعالي السرو والأيامْ...
■ ■ ■
وانتظروني انتظروني أيّها العشرةُ العشرونْ شيئاً من
جداول يابسة هي:
حياتي...
انتظروني أيها العشرة العشرونْ
تحت التّينْ.
■ ■ ■
واقفة على أعالي التينِ تنتظرْ
واقفة على أعالي السرْو والأيامْ
حجارة على حجارةٍ على شجرْ
حجارة: ركامْ
حجارة: سلامْ
حجارة هادئة هي: الخيامْ
مكان نومي عندما تغيبُ الشمسْ.
وبلّغوها أنني سأستقلُ أوَّل المدافعِ المسافراتِ نحو ليلها
الصيفي
وبلّغوها أنني أصبحتُ عسكريّاً
وأنني سمّيتُ نفسي فرقة الدفاع عن ضريح جدّي.
■ ■ ■
ولا أريدُ أن يتبعني أحَدْ.
■ ■ ■
وشاهدوه في نهاية الطريق واقفاً أمام خارطة.
وروحُهُ الشقراء تستعد للغروبْ.
■ ■ ■
وبدأ القصف...
من التلّ إلى الوادي من الوادي إلى التلّ. عنيفاً ضارياً،
أنا الذي قرَّرت:
لا هوادة!
وعندما أموت
وعندما أكون قد نسيت وانتسيت
تجيء تينةٌ
تجرُّ ظلّها عليّ... أمّحي
وتينةٌ أخرى تجرّ ظلّها على البيوت
كمية هائلة من البياض تسحقُ المدى المدوّر
الزرقة التي رأيتم منذ ساعتين لم تكن سوى طلاء الشّرك المميت
وبلّغوها أنّي أتيت..
كمية هائلةٌ من الجنون فوق راحة الفتى الذي أتى...
ووجد الفتاة في مكان فارغ من المحبة
ووجد المكان صالحاً للحرب.
■ ■ ■
أريدُ مدفعاً كبيراً
أشهره أمام قلبي نحو من أحبّ
أريد أيضاً غصن زيتون كبيرٍ لليد الأخرى.
سينما «كولورادو»… ذاكرة طرابلس برسم البيع
غادة حداد
تختصر سينما «كولورادو» مسار تآكل ذاكرة طرابلس ومحو تاريخها الحديث، بعدما تحوّلت من واحد من أبرز معالم المدينة الثقافية إلى مشروع تجاري، فيما يجري تفريغها من مقتنياتها وبيع مقاعدها، رغم قيمتها المعمارية والتاريخية.
في طرابلس، كما في لبنان، يتكشّف مسارٌ ممنهج لتحويل المنابر الثقافية والفنية والتاريخية إلى مشاريع لدرّ الربح السريع، حتى لو جاء ذلك على حساب ذاكرة المدينة وتاريخها. في مدينة اعتادت أن تكون مساحة حياة ومعنى، تتحوّل المعالم الثقافية إلى سلع، وتُختزل الذاكرة في عبء، فيما يصبح الدفاع عن التراث معركة غير متكافئة بين ما كان يوماً هويةً نابضة، وما يُراد له أن يكون واقعاً استهلاكياً بلا روح.
من سينما إلى محل ثياب
من بين هذه المعالم، تختصر سينما «كولورادو» مأساة مدينة بأكملها. تأسست السينما في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وصمّم شكلها الهندسي المهندس الراحل جورج دوماني. كانت تتسع لنحو 900 كرسي، وتضم «الأوركسترا» و«البلكون» و«البنوار»، وبناها وهيب النيني، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى أحمد حبوس وبسام الدية.
الورثة قاموا لاحقاً ببيعها إلى أحمد وعمر المصري، اللذين يعملان اليوم على تحويلها إلى فرع جديد لمحلات الثياب والأدوات المنزلية «الدورادو». داخل هذه القاعة، تختبئ جدارية عمرها سبعون عاماً، شاهدة على زمنٍ كانت فيه السينما قلب المدينة النابض. المالك يعمل على تفريغ السينما من مقتنياتها، وقد تم بيع الكراسي مقابل دولار واحد لكل كرسي.
محاولات الإنقاذ
المخرج والمنتج اللبناني إلياس خلاط يطرح في حديثه مع «الأخبار» سؤال حدود الملكية الخاصة في لبنان، إذ إنها محمية بالقانون، فيما يترك التراث عرضة للتفريغ والهدم. يقول إن هذا البلد يستحق صالة سينما تم الحفاظ عليها، مشيراً إلى أن طرابلس شهدت إقفال نحو 33 صالة سينما تاريخية.
بالنسبة إليه، كانت سينما «كولورادو» جميلة هندسياً، ولم يكن هناك مثلها في ذلك الوقت. بعد نشره منشوراً على فايسبوك عن السينما، تواصل معه وزير الثقافة غسان سلامة وطلب مقابلته. خلال اللقاء، طرح مستشاره جاد تابت تصنيف المبنى على لائحة الجرد العام بشكل سريع، وهو ما يتطلب نقل الموضوع إلى مديرية الآثار. بدورها، أرسلت المديرية كتاباً إلى بلدية طرابلس طلبت فيه العمل على جردة بالموجودات، إلا أن المالك الجديد يعمل بسرعة على إفراغ السينما من محتوياتها.
تاريخ إقفال السينمات في طرابلس يعود إلى أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لكن سينما «كولورادو» كانت الوحيدة التي جُدّدت بعد الحرب. لاحقاً، تغيّرت تقنيات العرض التقليدية إلى الرقمية، ولم تتجدد هذه الآليات في صالات السينما في طرابلس، ما فرض استثماراً إضافياً يقارب مئة ألف دولار، وكان ذلك السبب الرئيسي لتوقف هذه الصالات عن العمل.
تراجع الطلب، وانتشر الفقر في المدينة، وظهرت سبل ترفيه أخرى، فيما باتت صالات السينما التي تضم 800 و900 كرسي كبيرة جداً على واقع المدينة الجديد. عام 2015، حاول إلياس خلاط استملاك السينما، لكن المالك طلب يومها مبلغ مليون دولار، وهو رقم اعتُبر خيالياً.
تراث طرابلس الثقافي في خطر
رئيسة جمعية «تراث طرابلس» جمانة الشهال ترى أن مشكلة التصنيف تكمن في أنه «يخرب» داخل القاعة، ويفرغها من محتوياتها وتفاصيلها التراثية. المبنى غير مصنف على لائحة الجرد العام بسبب عدم تجاوب الوزراء السابقين، فيما يؤدي تفريغ المبنى إلى تعقيد عملية التصنيف. تشير الشهال إلى أن مشروع «ألو طرابلس»، الذي يشبه مشروع «ألو بيروت»، كان يهدف إلى تحويل المكان إلى متحف للسينما والثقافة، وقد حظي بقبول من المالك لتنفيذه، إلا أن المشروع توقف بسبب الحرب.
وتقول «حتى لو كانت الذريعة الملكية الخاصة، فهذا لا يعني تدمير ما بناه أجدادنا واستبداله بمشاريع استهلاكية». بالنسبة إليها، من الضروري أن تضع وزارة الثقافة يدها على مقتنيات السينما، وجمعها في مكان واحد للحفاظ على ذاكرة العصر الذهبي، لكن ما يجري اليوم هو انقراض لهذه الذاكرة. وتضيف «التراث يسقط يوماً بعد يوم، والجهل يسيطر على أجمل الأشياء في طرابلس». لذلك تدعو إلى إطلاق حملة لحماية ما تبقى من صالات السينما، ومن خلالها حماية تراث المدينة كله، «وإلا فليأتوا ببلدوزر ويجرفوا المدينة كلها ويبنون مدينة «بشعة» جديدة».
وتتساءل الشهال عن جدوى هذه الاستثمارات التي لا تضيف شيئاً للمدينة، وتطرح ضرورة التفكير بمسار جديد للتراث، والمحافظة عليه ومنع هدمه والاستفادة منه سياحياً واقتصادياً وثقافياً، مؤكدة وجود إرادة قوية لطمس التراث والهوية، ومطالبة بمعرفة الأسباب ومن المستفيد من ذلك.
الأولوية حماية المقتنيات
من جهتها، تطرح مديرة مهرجان عمّان ندى دوماني سؤالاً جوهرياً: هل تأخرنا كثيراً؟ وترى أن الأولوية اليوم تكمن في الحفاظ على المعالم المعمارية للمكان ومقتنياته، حتى لو تغيّرت وظيفته. تشير إلى أن كراسي القاعة ما تزال بحالة ممتازة، وأن خشبها من السنديان، فيما تُعد الجدارية والأفلام القديمة والدرج والدرابزين وغيرها من التفاصيل عناصر تراثية تستحق الحماية. وتؤكد أن الدور الممكن لوزارة الثقافة يتمثل في تسريع عملية تصنيف المعالم المعمارية والمقتنيات داخل القاعة.
تستعيد دوماني ذاكرة نشأة السينما في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين كانت تجمع بين اتساع المساحة ودفء الحميمية. والدها، الذي صمّم شكلها الهندسي من الداخل والخارج، كان يردد دائماً فخره بها، معتبراً إياها أهم إنجازاته الهندسية.
وتقرّ بأن تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمدينة يبدو مهمة شبه مستحيلة، لكن الحفاظ على تفاصيل صغيرة قد يكون السبيل الأخير لحماية روح المدينة. فإذا استمر المسار الحالي، لن يبقى شيء من حقبة ما بعد 1950 في طرابلس. فهذه المعالم ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال المقبلة، لمعرفة الشكل المعماري الذي عرفه البلد، قبل أن يتحول محو التاريخ الحديث للمدينة إلى حقيقة نهائية.
في طرابلس، لا يبدو الخطر مقتصراً على مبنى واحد، بل على فكرة المدينة نفسها. حين تُترك المعالم الثقافية لمصيرها، وتُترك الذاكرة بلا حماية، يصبح الماضي عبئاً لا قيمة له، ويصبح المستقبل بلا جذور. سينما «كولورادو» تقف اليوم على حافة التحوّل النهائي، بين ذاكرة تُمحى ومشروع جديد بلا روح. وبين الاثنين، تقف طرابلس كلها، مدينة تبحث عن نفسها في زمن الانهيار والتحوّل، وتكاد تفقد آخر ما تبقى من تاريخها الحديث.
غادة حداد
تختصر سينما «كولورادو» مسار تآكل ذاكرة طرابلس ومحو تاريخها الحديث، بعدما تحوّلت من واحد من أبرز معالم المدينة الثقافية إلى مشروع تجاري، فيما يجري تفريغها من مقتنياتها وبيع مقاعدها، رغم قيمتها المعمارية والتاريخية.
في طرابلس، كما في لبنان، يتكشّف مسارٌ ممنهج لتحويل المنابر الثقافية والفنية والتاريخية إلى مشاريع لدرّ الربح السريع، حتى لو جاء ذلك على حساب ذاكرة المدينة وتاريخها. في مدينة اعتادت أن تكون مساحة حياة ومعنى، تتحوّل المعالم الثقافية إلى سلع، وتُختزل الذاكرة في عبء، فيما يصبح الدفاع عن التراث معركة غير متكافئة بين ما كان يوماً هويةً نابضة، وما يُراد له أن يكون واقعاً استهلاكياً بلا روح.
من سينما إلى محل ثياب
من بين هذه المعالم، تختصر سينما «كولورادو» مأساة مدينة بأكملها. تأسست السينما في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وصمّم شكلها الهندسي المهندس الراحل جورج دوماني. كانت تتسع لنحو 900 كرسي، وتضم «الأوركسترا» و«البلكون» و«البنوار»، وبناها وهيب النيني، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى أحمد حبوس وبسام الدية.
الورثة قاموا لاحقاً ببيعها إلى أحمد وعمر المصري، اللذين يعملان اليوم على تحويلها إلى فرع جديد لمحلات الثياب والأدوات المنزلية «الدورادو». داخل هذه القاعة، تختبئ جدارية عمرها سبعون عاماً، شاهدة على زمنٍ كانت فيه السينما قلب المدينة النابض. المالك يعمل على تفريغ السينما من مقتنياتها، وقد تم بيع الكراسي مقابل دولار واحد لكل كرسي.
محاولات الإنقاذ
المخرج والمنتج اللبناني إلياس خلاط يطرح في حديثه مع «الأخبار» سؤال حدود الملكية الخاصة في لبنان، إذ إنها محمية بالقانون، فيما يترك التراث عرضة للتفريغ والهدم. يقول إن هذا البلد يستحق صالة سينما تم الحفاظ عليها، مشيراً إلى أن طرابلس شهدت إقفال نحو 33 صالة سينما تاريخية.
بالنسبة إليه، كانت سينما «كولورادو» جميلة هندسياً، ولم يكن هناك مثلها في ذلك الوقت. بعد نشره منشوراً على فايسبوك عن السينما، تواصل معه وزير الثقافة غسان سلامة وطلب مقابلته. خلال اللقاء، طرح مستشاره جاد تابت تصنيف المبنى على لائحة الجرد العام بشكل سريع، وهو ما يتطلب نقل الموضوع إلى مديرية الآثار. بدورها، أرسلت المديرية كتاباً إلى بلدية طرابلس طلبت فيه العمل على جردة بالموجودات، إلا أن المالك الجديد يعمل بسرعة على إفراغ السينما من محتوياتها.
تاريخ إقفال السينمات في طرابلس يعود إلى أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لكن سينما «كولورادو» كانت الوحيدة التي جُدّدت بعد الحرب. لاحقاً، تغيّرت تقنيات العرض التقليدية إلى الرقمية، ولم تتجدد هذه الآليات في صالات السينما في طرابلس، ما فرض استثماراً إضافياً يقارب مئة ألف دولار، وكان ذلك السبب الرئيسي لتوقف هذه الصالات عن العمل.
تراجع الطلب، وانتشر الفقر في المدينة، وظهرت سبل ترفيه أخرى، فيما باتت صالات السينما التي تضم 800 و900 كرسي كبيرة جداً على واقع المدينة الجديد. عام 2015، حاول إلياس خلاط استملاك السينما، لكن المالك طلب يومها مبلغ مليون دولار، وهو رقم اعتُبر خيالياً.
تراث طرابلس الثقافي في خطر
رئيسة جمعية «تراث طرابلس» جمانة الشهال ترى أن مشكلة التصنيف تكمن في أنه «يخرب» داخل القاعة، ويفرغها من محتوياتها وتفاصيلها التراثية. المبنى غير مصنف على لائحة الجرد العام بسبب عدم تجاوب الوزراء السابقين، فيما يؤدي تفريغ المبنى إلى تعقيد عملية التصنيف. تشير الشهال إلى أن مشروع «ألو طرابلس»، الذي يشبه مشروع «ألو بيروت»، كان يهدف إلى تحويل المكان إلى متحف للسينما والثقافة، وقد حظي بقبول من المالك لتنفيذه، إلا أن المشروع توقف بسبب الحرب.
وتقول «حتى لو كانت الذريعة الملكية الخاصة، فهذا لا يعني تدمير ما بناه أجدادنا واستبداله بمشاريع استهلاكية». بالنسبة إليها، من الضروري أن تضع وزارة الثقافة يدها على مقتنيات السينما، وجمعها في مكان واحد للحفاظ على ذاكرة العصر الذهبي، لكن ما يجري اليوم هو انقراض لهذه الذاكرة. وتضيف «التراث يسقط يوماً بعد يوم، والجهل يسيطر على أجمل الأشياء في طرابلس». لذلك تدعو إلى إطلاق حملة لحماية ما تبقى من صالات السينما، ومن خلالها حماية تراث المدينة كله، «وإلا فليأتوا ببلدوزر ويجرفوا المدينة كلها ويبنون مدينة «بشعة» جديدة».
وتتساءل الشهال عن جدوى هذه الاستثمارات التي لا تضيف شيئاً للمدينة، وتطرح ضرورة التفكير بمسار جديد للتراث، والمحافظة عليه ومنع هدمه والاستفادة منه سياحياً واقتصادياً وثقافياً، مؤكدة وجود إرادة قوية لطمس التراث والهوية، ومطالبة بمعرفة الأسباب ومن المستفيد من ذلك.
الأولوية حماية المقتنيات
من جهتها، تطرح مديرة مهرجان عمّان ندى دوماني سؤالاً جوهرياً: هل تأخرنا كثيراً؟ وترى أن الأولوية اليوم تكمن في الحفاظ على المعالم المعمارية للمكان ومقتنياته، حتى لو تغيّرت وظيفته. تشير إلى أن كراسي القاعة ما تزال بحالة ممتازة، وأن خشبها من السنديان، فيما تُعد الجدارية والأفلام القديمة والدرج والدرابزين وغيرها من التفاصيل عناصر تراثية تستحق الحماية. وتؤكد أن الدور الممكن لوزارة الثقافة يتمثل في تسريع عملية تصنيف المعالم المعمارية والمقتنيات داخل القاعة.
تستعيد دوماني ذاكرة نشأة السينما في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين كانت تجمع بين اتساع المساحة ودفء الحميمية. والدها، الذي صمّم شكلها الهندسي من الداخل والخارج، كان يردد دائماً فخره بها، معتبراً إياها أهم إنجازاته الهندسية.
وتقرّ بأن تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمدينة يبدو مهمة شبه مستحيلة، لكن الحفاظ على تفاصيل صغيرة قد يكون السبيل الأخير لحماية روح المدينة. فإذا استمر المسار الحالي، لن يبقى شيء من حقبة ما بعد 1950 في طرابلس. فهذه المعالم ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال المقبلة، لمعرفة الشكل المعماري الذي عرفه البلد، قبل أن يتحول محو التاريخ الحديث للمدينة إلى حقيقة نهائية.
في طرابلس، لا يبدو الخطر مقتصراً على مبنى واحد، بل على فكرة المدينة نفسها. حين تُترك المعالم الثقافية لمصيرها، وتُترك الذاكرة بلا حماية، يصبح الماضي عبئاً لا قيمة له، ويصبح المستقبل بلا جذور. سينما «كولورادو» تقف اليوم على حافة التحوّل النهائي، بين ذاكرة تُمحى ومشروع جديد بلا روح. وبين الاثنين، تقف طرابلس كلها، مدينة تبحث عن نفسها في زمن الانهيار والتحوّل، وتكاد تفقد آخر ما تبقى من تاريخها الحديث.
أي بدائل بعد فشل وتعطيل الميكانيزم؟
سعد الله مزرعاني
كاتب وسياسي لبناني
كانت «الآلية» (MECANISM) الحالية تعاني من سوء استخدام فاضح. باتت الآن تعاني من التعطيل. الهدف دفع سوء الاستخدام إلى مداه الأقصى. الوسيلة هي اقتصار عضويتها على كلٍّ من ممثل واشنطن بقناع «وسيط»، وممثلين عن لبنان والكيان الصهيوني، بعد تغيير ورفع مستوى التمثيل واعتماد جدول أعمال تطبيعي «إبراهيمي». ذلك يعني استبعاد الأمم المتحدة وفرنسا من عضوية اللجنة. الطرفان هذان كانا ضيفين ثقيلين أقرب إلى شاهدي زور في أحسن الأحوال!
تحويل المفاوضات من «تقنية عسكرية غير مباشرة، إلى سياسية – اقتصادية مباشرة»، يشكل، مبدئياً، انتصاراً أميركياً إسرائيلياً مفروضاً بالحديد والنار والدماء والدّمار. الهدف طبعاً هو فرض شروطهما الكاملة على لبنان الرسمي الضعيف والمستفرد. يغري بذلك موقف سلطاته، المشوب بالكثير من التبعية والاختلالات السياسية. السلطة اللبنانية الحالية باشرت مهماتها قبل حوالى السنة. خضع وصول أقطابها إلى السلطة للمتغيرات التي حصلت بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان وعلى المقاومة. أحدثت تلك المتغيرات اختلالاً مؤثراً في نسبة القوى في لبنان. سرعان ما ارتقى دور واشنطن، داعمة وشريكة تل أبيب في كل الأوقات وبكل الأشكال، إلى مستوى الوصاية المباشرة والصارخة على بيروت. سار في ركابها أتباعها في الإقليم وفي الداخل اللبناني!
لكلٍّ من واشنطن وتل أبيب أسبابها في إقصاء الأمم المتحدة وفرنسا عن المفاوضات. هي، حالياً، أسباب متطابقة بالكامل. إسرائيل تخوض معركة ضارية ضد القرارات والقوات والمؤسسات الأممية، من الجنوب اللبناني إلى غزة والضفة الغربية فالقدس... موقفها من «الأونروا» يختصر هذا الجموح الدموي والوحشي الإسرائيلي في أكثر صيغه وقاحة. واشنطن دعمت مواقف إسرائيل دون تردد. بادرت إلى قطع التمويل عن «الأونروا» وتبعها عدد من حلفائها. شتم وتوعد رئيس ومسؤولو «البيت الأبيض» قضاة «المحكمة الجنائية الدولية» بالويل وبالعقوبات. إلى ذلك، تواصل واشنطن، في الشرق العربي والأوسط وفي كل العالم، سياسة عامة لإلغاء الأمم المتحدة والحلول مكانها بوصف إدارة ترامب، بالقوة وبالضغوط والصلافة، هي «الشرعية» الوحيدة التي يجب أن تسود العالم. ذلك أن واشنطن عجزت عن الاستمرار في تسخير الأمم المتحدة، والمؤسسات المنبثقة عنها، في خدمة مصالحها، كما فعلت لفترات طويلة سابقة.
أمّا بالنسبة إلى فرنسا، فتتفق كل من واشنطن وتل أبيب، خصوصاً، في هذه المرحلة، على استبعادها كلياً عن المشهد. تل أبيب ترفض إصرار فرنسا على استمرار دور قوات الأمم المتحدة في الجنوب حيث قوات باريس هي الطرف الأساسي فيها. أدى هذا إلى توترات بين الطرفين على قاعدة التباين بشأن غزة. من جهته، يخوض الرئيس ترامب معركة متصاعدة ضد الرئيس الفرنسي (وأوروبا عموماً) بشأن غرينلاند. هذا رغم أن واشنطن كانت قد استخدمت فرنسا، عضواً في «الميكانيزم»، لتغطية التفرد الأميركي، وللاستفادة من علاقاتها في لبنان، ومن دور شركاتها (توتال) في الساحل اللبناني.
لماذا تعثّر عمل «الميكانيزم»؟ ينبغي التفتيش أولاً عن الدور الأميركي، حتى قبل الدور الإسرائيلي! عقدت الولايات المتحدة، بموازاة اتفاق «وقف الأعمال العدائية» بين لبنان وإسرائيل، اتفاقاً موازياً (ولاغياً) مع تل أبيب: لكي يكون وقف «الأعمال العدائية» من طرف واحد! جاهرت إسرائيل بذلك. استمرت بعدوانها بتبرير وتشجيع أميركيين مقرونين بالضغط والتهديدات الأميركية بالتوسع في الحرب في حال لم يذعن لبنان للإملاءات الأميركية الإسرائيلية بنزع سلاح المقاومة بكل الوسائل.
العدوان الإسرائيلي، من جهة، وتغطيته من قبل واشنطن، من جهة ثانية، أسقطا «الميكانيزم» واقعياً و«رسمياً». الهدف هو وضع المفاوضات أمام خيار وحيد هو التحول نحو مفاوضات سياسية اقتصادية ثنائية برعاية واشنطن مع رفع التمثيل فيها إلى مستوى سياسي واضح. طبعاً سيوفر ذلك، في حال حصوله، كل الشروط الرسمية لتحقيق كل المطالب الإسرائيلية على الحدود، والأميركية في الداخل اللبناني. إنه التطبيع الكامل. لا تسمية له سوى ذلك!
السؤال الكبير الآن: هل هذا هو الخيار الوحيد الممكن؟ تروّج أوساط في السلطة وفريق سياسي يميني ذو تجارب مخزية مع العدو، بأن ليس على لبنان، أو ليس في وسعه، سوى الرضوخ. الذريعة، أن الفريق المقاوم قد هزم وانتهى دوره وتأثيره. أمّا هو، أي الفريق المساوم، فلا يجد ضيراً في الالتحاق بـ«السيد» الأميركي، والتعاون مع «الجار القوي» الإسرائيلي، والركون إلى «الحضن» العربي. روَّج رئيس الجمهورية لمثل هذا الاحتمال في مقابلته وخطاباته الأخيرة. حذّر من «عدم العقلانية» ومن «الانتحار». شدد على أن المفاوضات، في الصيغة الراهنة، أو المتحورة، هي خيار لبنان الوحيد كما «يفعل الجميع»!
يُسقط مجمل ما تقدّم بشأن الموقفين الأميركي والإسرائيلي، حقائق مهمة ومسؤوليات وواجبات وطنية، أهمها:
أولاً، مسؤولية الحرص على سيادة ومصالح لبنان الأساسية بعد خيبات الرهان على «الديبلوماسية» التي تنطلق من موقع الهزيمة فالرضوخ لإرهاب العدو وضغوط وابتزاز واشنطن.
ثانياً، مخاطر هذا النوع من التوجه على الوحدة الوطنية اللبنانية وما يتصل بذلك من «انتحار» حقيقي في الداخل وعلى الحدود، وحتى على الوجود نفسه.
ثالثاً، تجاهل قدرات حقيقية ما تزال متوافرة لدى الشعب اللبناني ممثلاً بفريقه أو قواه المقاومة. وهي قدرات كبيرة اختُبرت سابقاً: أجبرت العدو على الانسحاب مهزوماً عام 2000. أفشلت عدوانه عام 2006. كسرت محاولاته إعادة الاحتلال في حرب الـ 66 يوماً في عام 2024.
رابعاً، يستطيع لبنان أن يبلور ويبني مقاربة جديدة للدفاع عن سيادته ووحدته الوطنية، عبر بناء عناصر وحدة وطنية دفاعية (ولو غرّد فريق خارج السرب الوطني) تضم السلطة (الجيش) والمقاومة الشعبية المتنوعة والواسعة. تتصل بذلك المسارعة إلى اتخاذ قرار حازم بالتخلي عن الوساطة/الوصاية الأميركية، والإصرار على دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومؤسساتهما: مرجعية للتفاوض والوساطة وتحديد الحقوق والالتزامات.
هل هذا كلام كبير وخطير وخيالي؟! لا. إنه صدى بعض تضحيات وبطولات ومعاناة المواطنين المتشبثين، رغم الدماء والدمار، بأرضهم وحقوقهم وكرامتهم، مهما كان الثمن. إنه، بالتالي، السبيل الوحيد للحفاظ على لبنان سيداً، عربياً، حراً، وموحداً.
بيان صادر عن الحزب الشيوعي الفلسطيني.
لا للحرب الإمبريالية على إيران نعم لوحدة نضال الشعوب
تستعد الإمبريالية الأمريكية، ومعها الكيان الصهيوني، لشنّ حرب عدوانية جديدة على إيران، في إطار مشروعها المتواصل لإخضاع شعوب المنطقة، ونهب ثرواتها، وكسر كل قوة ترفض الانصياع لهيمنتها هذه الحرب ليست دفاعًا عن “الأمن”، وليست من أجل “الديمقراطية”، بل هي حرب من أجل الأرباح، حرب يخوضها رأس المال الاحتكاري بسواعد الجيوش و دماء الشعوب.
الإمبريالية عدوة الشعوب:
كما علّمنا لينين، فإن الإمبريالية لا تعيش دون حروب وحين تعجز عن حل تناقضاتها، تُشعل العالم نارًا إيران اليوم مستهدفة لأنها ترفض الخضوع الكامل للإملاءات الأمريكية، تعيق السيطرة الإمبريالية على المنطقة وتشكل عائقًا أمام المشروع الصهيوني.
الكيان الصهيوني ليس دولة بل قاعدة عسكرية متقدمة للإمبريالية، رأس حربة ضد شعوب المنطقة وعدو مباشر للشعب الفلسطيني ولكل قوى المقاومة في المنطقة من هنا فإن أي عدوان على ايران هو عدوان على شعوب المنطقة من اجل نهب ثرواتها وفرض الهيمنة الامريكية والصهيونية على المنطقة وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها.
لسنا مع الأنظمة بل مع الشعوب:
إن الحزب الشيوعي الفلسطيني يعلن بوضوح أنه ضد الحرب الإمبريالية، ويقف مع الشعوب المستهدفة في العدوان وضد الاسغلال الطبقي أينما كان، ويرفض تحويل الجماهير إلى وقود لحروب الرأسمال، ويرفض استغلال الطائفية والقومية لتضليل الصراع الطبقي الحقيقي.
وكالعادة لن يدفع الثمن لا الرأسماليون ولا تجار السلاح ولا الجنرالات، بل العمال والفلاحون والفقراء وأبناء المخيمات.
موقفنا واضح
لا للحرب الامريكية الصهيونية على ايران، لا للعقوبات والحصار، نعم لوحدة نضال الشعوب ضد الإمبريالية، نعم لربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي.
نحو جبهة أممية مناهضة للإمبريالية
إن طريق الخلاص لا يمر عبر واشنطن، ولا عبر تل أبيب، بل عبر :
• تنظيم الطبقة العاملة.
• وحدة قوى المقاومة.
• إسقاط النظام الرأسمالي الإمبريالي.
• وبناء الاشتراكية كبديل تاريخي.
عاشت وحدة نضال الشعوب
المجد للمقاومة
الموت للإمبريالية والصهيونية
الحزب الشيوعي الفلسطيني
لا للحرب الإمبريالية على إيران نعم لوحدة نضال الشعوب
تستعد الإمبريالية الأمريكية، ومعها الكيان الصهيوني، لشنّ حرب عدوانية جديدة على إيران، في إطار مشروعها المتواصل لإخضاع شعوب المنطقة، ونهب ثرواتها، وكسر كل قوة ترفض الانصياع لهيمنتها هذه الحرب ليست دفاعًا عن “الأمن”، وليست من أجل “الديمقراطية”، بل هي حرب من أجل الأرباح، حرب يخوضها رأس المال الاحتكاري بسواعد الجيوش و دماء الشعوب.
الإمبريالية عدوة الشعوب:
كما علّمنا لينين، فإن الإمبريالية لا تعيش دون حروب وحين تعجز عن حل تناقضاتها، تُشعل العالم نارًا إيران اليوم مستهدفة لأنها ترفض الخضوع الكامل للإملاءات الأمريكية، تعيق السيطرة الإمبريالية على المنطقة وتشكل عائقًا أمام المشروع الصهيوني.
الكيان الصهيوني ليس دولة بل قاعدة عسكرية متقدمة للإمبريالية، رأس حربة ضد شعوب المنطقة وعدو مباشر للشعب الفلسطيني ولكل قوى المقاومة في المنطقة من هنا فإن أي عدوان على ايران هو عدوان على شعوب المنطقة من اجل نهب ثرواتها وفرض الهيمنة الامريكية والصهيونية على المنطقة وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها.
لسنا مع الأنظمة بل مع الشعوب:
إن الحزب الشيوعي الفلسطيني يعلن بوضوح أنه ضد الحرب الإمبريالية، ويقف مع الشعوب المستهدفة في العدوان وضد الاسغلال الطبقي أينما كان، ويرفض تحويل الجماهير إلى وقود لحروب الرأسمال، ويرفض استغلال الطائفية والقومية لتضليل الصراع الطبقي الحقيقي.
وكالعادة لن يدفع الثمن لا الرأسماليون ولا تجار السلاح ولا الجنرالات، بل العمال والفلاحون والفقراء وأبناء المخيمات.
موقفنا واضح
لا للحرب الامريكية الصهيونية على ايران، لا للعقوبات والحصار، نعم لوحدة نضال الشعوب ضد الإمبريالية، نعم لربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي.
نحو جبهة أممية مناهضة للإمبريالية
إن طريق الخلاص لا يمر عبر واشنطن، ولا عبر تل أبيب، بل عبر :
• تنظيم الطبقة العاملة.
• وحدة قوى المقاومة.
• إسقاط النظام الرأسمالي الإمبريالي.
• وبناء الاشتراكية كبديل تاريخي.
عاشت وحدة نضال الشعوب
المجد للمقاومة
الموت للإمبريالية والصهيونية
الحزب الشيوعي الفلسطيني
3 شهداء في غزة بينهم طفلان: الاحتلال يواصل خرق الاتفاق
نفّذ جيش العدو الإسرائيلي، اليوم السبت، سلسلة اعتداءات في قطاع غزة أدت إلى استشهاد 3 فلسطينيين، بينهم طفلان، وإصابة عدد من المدنيين بجروح متفاوتة، في أحدث خرق اتفاق وقف إطلاق النار الساري في القطاع منذ تشرين الأول الماضي.
وأعلن الدفاع المدني في غزة استشهاد الطفلين محمد الزوارعة وزكريا الزوارعة، إثر استهدافهما من طائرة استطلاع تابعة للعدو قرب مستشفى كمال عدوان في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال القطاع.
وأوضح الدفاع المدني أن الفتيين، البالغين 13 و15 عاماً، كانا يجمعان الحطب حين استهدفتهما المسيّرة الإسرائيلية بصاروخ.
وفي محافظة خان يونس جنوب القطاع، استُشهد فلسطيني في قصف للعدو استهدف منطقة قيزان النجار، وهي إحدى المناطق التي لا يزال الاحتلال يحتلها، فيما أفادت وسائل إعلام فلسطينية بإصابة عدد من الفلسطينيين في قصف مدفعي استهدف شارع غزة القديم في جباليا البلد شمال القطاع، في حين أصيب مجدي إبراهيم البلعاوي برصاص الاحتلال في منطقة السلاطين ببلدة بيت لاهيا، رغم انسحاب العدو منها سابقاً.
وفي خان يونس أيضاً، أصيب مؤيد أبو معمر (47 عاماً) برصاصة في الرأس أطلقتها طائرة «كواد كابتر» إسرائيلية قرب مفترق عمارة جاسر وسط المدينة.
وأفادت وكالة «معاً» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شنّ غارات على جنوب شرقي خان يونس، بالتوازي مع إطلاق نار من الآليات العسكرية في المنطقة ذاتها، كما أطلقت زوارق بحرية نيراناً عشوائية باتجاه ساحل المدينة.
ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول 2025، استُشهد 481 فلسطينياً، وأصيب 1313 آخرون جرّاء خروقات العدو، بحسب الوزارة.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، السبت، أن عدد الشهداء منذ بدء العدوان في تشرين الأول 2023، بلغ 71 ألفاً و654 شهيداً، إضافة إلى 171 ألفاً و391 مصاباً. وأشارت إلى أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال اليومين الماضيين 4 شهداء و12 مصاباً.
نفّذ جيش العدو الإسرائيلي، اليوم السبت، سلسلة اعتداءات في قطاع غزة أدت إلى استشهاد 3 فلسطينيين، بينهم طفلان، وإصابة عدد من المدنيين بجروح متفاوتة، في أحدث خرق اتفاق وقف إطلاق النار الساري في القطاع منذ تشرين الأول الماضي.
وأعلن الدفاع المدني في غزة استشهاد الطفلين محمد الزوارعة وزكريا الزوارعة، إثر استهدافهما من طائرة استطلاع تابعة للعدو قرب مستشفى كمال عدوان في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال القطاع.
وأوضح الدفاع المدني أن الفتيين، البالغين 13 و15 عاماً، كانا يجمعان الحطب حين استهدفتهما المسيّرة الإسرائيلية بصاروخ.
وفي محافظة خان يونس جنوب القطاع، استُشهد فلسطيني في قصف للعدو استهدف منطقة قيزان النجار، وهي إحدى المناطق التي لا يزال الاحتلال يحتلها، فيما أفادت وسائل إعلام فلسطينية بإصابة عدد من الفلسطينيين في قصف مدفعي استهدف شارع غزة القديم في جباليا البلد شمال القطاع، في حين أصيب مجدي إبراهيم البلعاوي برصاص الاحتلال في منطقة السلاطين ببلدة بيت لاهيا، رغم انسحاب العدو منها سابقاً.
وفي خان يونس أيضاً، أصيب مؤيد أبو معمر (47 عاماً) برصاصة في الرأس أطلقتها طائرة «كواد كابتر» إسرائيلية قرب مفترق عمارة جاسر وسط المدينة.
وأفادت وكالة «معاً» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شنّ غارات على جنوب شرقي خان يونس، بالتوازي مع إطلاق نار من الآليات العسكرية في المنطقة ذاتها، كما أطلقت زوارق بحرية نيراناً عشوائية باتجاه ساحل المدينة.
ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول 2025، استُشهد 481 فلسطينياً، وأصيب 1313 آخرون جرّاء خروقات العدو، بحسب الوزارة.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، السبت، أن عدد الشهداء منذ بدء العدوان في تشرين الأول 2023، بلغ 71 ألفاً و654 شهيداً، إضافة إلى 171 ألفاً و391 مصاباً. وأشارت إلى أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال اليومين الماضيين 4 شهداء و12 مصاباً.
لازاريني: الضفة تمر بـ "أسوأ أزمة إنسانية منذ عام 1967"
قال المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فيليب لازاريني، ناقوس الخطر، إن الضفة الغربية المحتلة تمر بـ "أسوأ أزمة إنسانية منذ عام 1967".
وفي تدوينة نشرها عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" (تويتر سابقا)، ربط لازاريني بين هذا التدهور غير المسبوق والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة.
وكشف المسؤول الأممي عن أرقام مقلقة تتعلق بنتائج العملية العسكرية التي أطلق عليها الاحتلال اسم "الجدار الحديدي"، قائلا: "بعد مرور عام على بدء العملية العسكرية الإسرائيلية المسماة (الجدار الحديدي)، لا يزال 33 ألف شخص نازحا قسرا من مخيمات لاجئي فلسطين في شمال الضفة الغربية".
ولم يقتصر الأمر على التهجير، بل أشار لازاريني إلى سياسة التدمير الممنهج للبنية التحتية، موضحا: "تواصل القوات الإسرائيلية هدم مساحات واسعة من المخيمات؛ ما يقلص فرص تعافي هذه المجتمعات"، في إشارة إلى صعوبة إعادة الحياة إلى طبيعتها في ظل الدمار الهائل.
قال المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فيليب لازاريني، ناقوس الخطر، إن الضفة الغربية المحتلة تمر بـ "أسوأ أزمة إنسانية منذ عام 1967".
وفي تدوينة نشرها عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" (تويتر سابقا)، ربط لازاريني بين هذا التدهور غير المسبوق والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة.
وكشف المسؤول الأممي عن أرقام مقلقة تتعلق بنتائج العملية العسكرية التي أطلق عليها الاحتلال اسم "الجدار الحديدي"، قائلا: "بعد مرور عام على بدء العملية العسكرية الإسرائيلية المسماة (الجدار الحديدي)، لا يزال 33 ألف شخص نازحا قسرا من مخيمات لاجئي فلسطين في شمال الضفة الغربية".
ولم يقتصر الأمر على التهجير، بل أشار لازاريني إلى سياسة التدمير الممنهج للبنية التحتية، موضحا: "تواصل القوات الإسرائيلية هدم مساحات واسعة من المخيمات؛ ما يقلص فرص تعافي هذه المجتمعات"، في إشارة إلى صعوبة إعادة الحياة إلى طبيعتها في ظل الدمار الهائل.
إصابات بسلسلة هجمات للمستوطنين في الضفة
شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، منذ صباح يوم السبت، تصعيدا خطيرا في اعتداءات المستوطنين، التي نفذت بغطاء وحماية من قوات جيش الاحتلال، وطالت المواطنين وممتلكاتهم ومحاصيلهم الزراعية.
في محيط القدس المحتلة، هاجم مستوطنون مسلحون المزارعين في أراضيهم بقرية مخماس، وحاولوا منعهم من العمل بقوة السلاح.
ويأتي هذا الهجوم بعد أيام من اعتداء مماثل على تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب القرية، أسفر عن إصابة مواطنين ومتضامنين أجانب، وحرق مساكن ومركبات.
أما في الخليل (جنوبا)، فقد أصيبت سيدة فلسطينية بجروح؛ جراء هجوم شنته ميليشيات المستوطنين على منزل حارس وادي سعير شمال المحافظة.
وفي محافظة رام الله، تركزت الاعتداءات في بلدتي ترمسعيا وسنجل، حيث هاجم مستوطنون من مستوطنة "شيلو" منزل عائلة "أبو عواد"، في محاولة لفرض عزلة قسرية عليها. يذكر أن الاحتلال قام مؤخرا بتجريف آلاف الدونمات واقتلاع 4000 شجرة زيتون في محيط المنزل لصالح بؤرة استيطانية جديدة.
وفي سنجل أقدم مستوطنون على رعي أغنامهم في محاصيل المواطنين بمناطق "أبو العوف" و"شعب النمر"؛ ما أدى لإتلافها. وأكد رئيس البلدية، معتز طوافشة أن الاحتلال يمنع الوصول إلى 8 آلاف دونم في تلك المنطقة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023.
وفي سياق الرصد، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أرقاما مقلقة لحجم الاعتداءات خلال الشهر الماضي، بلغت 766 اعتداء، توزعت كالتالي:
رام الله والبيرة: 195 اعتداء.
نابلس: 179 اعتداء.
الخليل: 126 اعتداء.
من جانب آخر، نصبت قوات الاحتلال حاجزا عسكريا عند مدخل قرية مراح رباح جنوب بيت لحم، حيث احتجزت عددا من الشبان ودققت في هويات المواطنين، ما تسبب في أزمة مرورية خانقة.
شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، منذ صباح يوم السبت، تصعيدا خطيرا في اعتداءات المستوطنين، التي نفذت بغطاء وحماية من قوات جيش الاحتلال، وطالت المواطنين وممتلكاتهم ومحاصيلهم الزراعية.
في محيط القدس المحتلة، هاجم مستوطنون مسلحون المزارعين في أراضيهم بقرية مخماس، وحاولوا منعهم من العمل بقوة السلاح.
ويأتي هذا الهجوم بعد أيام من اعتداء مماثل على تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب القرية، أسفر عن إصابة مواطنين ومتضامنين أجانب، وحرق مساكن ومركبات.
أما في الخليل (جنوبا)، فقد أصيبت سيدة فلسطينية بجروح؛ جراء هجوم شنته ميليشيات المستوطنين على منزل حارس وادي سعير شمال المحافظة.
وفي محافظة رام الله، تركزت الاعتداءات في بلدتي ترمسعيا وسنجل، حيث هاجم مستوطنون من مستوطنة "شيلو" منزل عائلة "أبو عواد"، في محاولة لفرض عزلة قسرية عليها. يذكر أن الاحتلال قام مؤخرا بتجريف آلاف الدونمات واقتلاع 4000 شجرة زيتون في محيط المنزل لصالح بؤرة استيطانية جديدة.
وفي سنجل أقدم مستوطنون على رعي أغنامهم في محاصيل المواطنين بمناطق "أبو العوف" و"شعب النمر"؛ ما أدى لإتلافها. وأكد رئيس البلدية، معتز طوافشة أن الاحتلال يمنع الوصول إلى 8 آلاف دونم في تلك المنطقة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023.
وفي سياق الرصد، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أرقاما مقلقة لحجم الاعتداءات خلال الشهر الماضي، بلغت 766 اعتداء، توزعت كالتالي:
رام الله والبيرة: 195 اعتداء.
نابلس: 179 اعتداء.
الخليل: 126 اعتداء.
من جانب آخر، نصبت قوات الاحتلال حاجزا عسكريا عند مدخل قرية مراح رباح جنوب بيت لحم، حيث احتجزت عددا من الشبان ودققت في هويات المواطنين، ما تسبب في أزمة مرورية خانقة.
الضمير: الاحتلال دمّر المنظومة التعليمية في غزة لتقويض فرص التنمية وبناء الإنسان
يصادف اليوم الرابع والعشرون من كانون الثاني/بناير، اليوم العالمي للتعليم الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2018، تأكيداُ على الدور الجوهري الذي يلعبه التعليم في تنمية المجتمعات وبنائها.
وفي هذه المناسبة، أكدت مؤسسة الضمير ان المنظومة التعليمية في قطاع غزة تتعرض للعام الثالث على التوالي حرمانًا ممنهجًا من الحق في التعليم، في ظل استمرار قوات الاحتلال بارتكاب جريمة الإبادة التعليمية بحق القطاع، ضمن حرب الإبادة الجماعية المتواصلة التي تستهدف بشكل مباشر وممنهج البنية التعليمية وكافة مقومات العملية التعليمية.
وأشارت المؤسسة إلى أن الهجمات العسكرية المتواصلة أدّت إلى تدمير مئات المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية تدميرًا كليًا أو جزئيًا، بما في ذلك المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إضافة إلى الاستهداف المباشر للكوادر التعليمية والطلبة، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال والشباب من حقهم في التعليم الآمن.
وتشير عمليات الرصد والتوثيق التي أجرتها مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان خلال حرب الإبادة الجماعية إلى استشهاد نحو 19,000 طالب/ة نتيجة الاستهداف المباشر وغير المباشر، إضافة إلى استشهاد 800 معلم/ة، ما أدى إلى فقدان واسع في الكوادر التعليمية الأساسية.
كما تم توثيق استشهاد 1,300 طالب/ة جامعي، إضافة إلى 240 أكاديميًا ومدرسًا جامعيًا من أعضاء الهيئات التدريسية للجامعات وهو ما يمثّل نزيفًا خطيرًا في رأس المال البشري والتعليمي، ويخلّف آثارًا عميقة وطويلة الأمد على مستقبل العملية التعليمية في قطاع غزة.
ومن بين الشهداء ما لا يقل عن 100 من النخب التعليمية والأكاديمية في قطاع غزة، حيث شمل الاستهداف 3رؤساء جامعات و7 عمداء كليات جامعية، إلى جانب أكاديميين وباحثين متخصصين في مجالات علمية وطبية وإنسانية متعددة.
إضافة إلى ذلك، تم تدمير نحو 90 % من المدارس والجامعات تدميرًا كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى خروج الغالبية العظمى منها عن الخدمة التعليمية، كما جرى تحويل ما تبقّى من المباني المدرسية إلى مراكز إيواء للنازحين، الأمر الذي أفقدها وظيفتها التعليمية بالكامل.
وفيما يتعلق بالتعليم العالي، فقد تم تدمير 11 جامعة بشكل كامل، ولم يتبقَّ سوى بعض الفروع المحدودة للجامعات في المحافظة الوسطى وغرب مدينة خانيونس، والتي بقيت بدورها خارج الخدمة التعليمية الفعلية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في العملية التعليمية بمختلف مراحلها.
كما أسهم استمرار إغلاق المعابر وفرض الحصار في حرمان نحو 2000 طالب /ة من الحاصلين على شهادة الثانوية العامة من الالتحاق بالتعليم الجامعي، من بينهم 150 طالب/ة من الدراسات العليا بالالتحاق بالجامعات الدولية واستكمال مسيرتهم الأكاديمية، رغم حصولهم على قبولات جامعية رسمية ومنح دراسية في الخارج، حيث ينتظر كثير منهم منذ عامين إلى ثلاثة أعوام دون دراسة.
ورأت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن ما يجري في قطاع غزة لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تدمير حاضر ومستقبل المواطن الفلسطيني في القطاع، من خلال ضرب منظومة التعليم وتقويض فرص التنمية وبناء الإنسان، وهو ما يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ويشكّل أحد أركان جريمة الإبادة الجماعية وفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
وعليه، طالبت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري والعاجل لإلزام قوات الاحتلال الإسرائيلي بوقف جريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحق المدنيين في قطاع غزة، وضمان حقهم في التعليم إلى جانب صون كافة حقوقهم والتنمية، كما دعت هيئات ووكالات الأمم المتحدة بتكثيف الجهود الدولية لإعادة بناء المدارس والجامعات التي دمرت، بما يضمن اعادة المسيرة التعليمية، وإنشاء مراكز إيواء بديلة للسكان المهجّرين الذين دمرت منازلهم، بما يتيح إخلاء المدارس التعليمية وإعادة تأهيلها لاستقبال الطلبة.
وطالبت في ختام بيانها الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لرفع الحصار والإغلاق المفروض على قطاع غزة، وضمان حرية الحركة والتنقل للطلبة الفلسطينيين.
يصادف اليوم الرابع والعشرون من كانون الثاني/بناير، اليوم العالمي للتعليم الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2018، تأكيداُ على الدور الجوهري الذي يلعبه التعليم في تنمية المجتمعات وبنائها.
وفي هذه المناسبة، أكدت مؤسسة الضمير ان المنظومة التعليمية في قطاع غزة تتعرض للعام الثالث على التوالي حرمانًا ممنهجًا من الحق في التعليم، في ظل استمرار قوات الاحتلال بارتكاب جريمة الإبادة التعليمية بحق القطاع، ضمن حرب الإبادة الجماعية المتواصلة التي تستهدف بشكل مباشر وممنهج البنية التعليمية وكافة مقومات العملية التعليمية.
وأشارت المؤسسة إلى أن الهجمات العسكرية المتواصلة أدّت إلى تدمير مئات المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية تدميرًا كليًا أو جزئيًا، بما في ذلك المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إضافة إلى الاستهداف المباشر للكوادر التعليمية والطلبة، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال والشباب من حقهم في التعليم الآمن.
وتشير عمليات الرصد والتوثيق التي أجرتها مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان خلال حرب الإبادة الجماعية إلى استشهاد نحو 19,000 طالب/ة نتيجة الاستهداف المباشر وغير المباشر، إضافة إلى استشهاد 800 معلم/ة، ما أدى إلى فقدان واسع في الكوادر التعليمية الأساسية.
كما تم توثيق استشهاد 1,300 طالب/ة جامعي، إضافة إلى 240 أكاديميًا ومدرسًا جامعيًا من أعضاء الهيئات التدريسية للجامعات وهو ما يمثّل نزيفًا خطيرًا في رأس المال البشري والتعليمي، ويخلّف آثارًا عميقة وطويلة الأمد على مستقبل العملية التعليمية في قطاع غزة.
ومن بين الشهداء ما لا يقل عن 100 من النخب التعليمية والأكاديمية في قطاع غزة، حيث شمل الاستهداف 3رؤساء جامعات و7 عمداء كليات جامعية، إلى جانب أكاديميين وباحثين متخصصين في مجالات علمية وطبية وإنسانية متعددة.
إضافة إلى ذلك، تم تدمير نحو 90 % من المدارس والجامعات تدميرًا كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى خروج الغالبية العظمى منها عن الخدمة التعليمية، كما جرى تحويل ما تبقّى من المباني المدرسية إلى مراكز إيواء للنازحين، الأمر الذي أفقدها وظيفتها التعليمية بالكامل.
وفيما يتعلق بالتعليم العالي، فقد تم تدمير 11 جامعة بشكل كامل، ولم يتبقَّ سوى بعض الفروع المحدودة للجامعات في المحافظة الوسطى وغرب مدينة خانيونس، والتي بقيت بدورها خارج الخدمة التعليمية الفعلية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في العملية التعليمية بمختلف مراحلها.
كما أسهم استمرار إغلاق المعابر وفرض الحصار في حرمان نحو 2000 طالب /ة من الحاصلين على شهادة الثانوية العامة من الالتحاق بالتعليم الجامعي، من بينهم 150 طالب/ة من الدراسات العليا بالالتحاق بالجامعات الدولية واستكمال مسيرتهم الأكاديمية، رغم حصولهم على قبولات جامعية رسمية ومنح دراسية في الخارج، حيث ينتظر كثير منهم منذ عامين إلى ثلاثة أعوام دون دراسة.
ورأت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن ما يجري في قطاع غزة لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تدمير حاضر ومستقبل المواطن الفلسطيني في القطاع، من خلال ضرب منظومة التعليم وتقويض فرص التنمية وبناء الإنسان، وهو ما يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ويشكّل أحد أركان جريمة الإبادة الجماعية وفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
وعليه، طالبت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري والعاجل لإلزام قوات الاحتلال الإسرائيلي بوقف جريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحق المدنيين في قطاع غزة، وضمان حقهم في التعليم إلى جانب صون كافة حقوقهم والتنمية، كما دعت هيئات ووكالات الأمم المتحدة بتكثيف الجهود الدولية لإعادة بناء المدارس والجامعات التي دمرت، بما يضمن اعادة المسيرة التعليمية، وإنشاء مراكز إيواء بديلة للسكان المهجّرين الذين دمرت منازلهم، بما يتيح إخلاء المدارس التعليمية وإعادة تأهيلها لاستقبال الطلبة.
وطالبت في ختام بيانها الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لرفع الحصار والإغلاق المفروض على قطاع غزة، وضمان حرية الحركة والتنقل للطلبة الفلسطينيين.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire