رضا بهلوي... هذا انا

 

د. طنوس شلهوب

في عام 1979 فرّ شاه إيران من البلاد. وفي ذلك الوقت كان «الشاهزاده» (وليّ العهد) يعيش في الولايات المتحدة منذ عام كامل. أي أنه يقيم في أميركا منذ 48 عامًا، ولم يزر إيران قط منذ ذلك الحين. يتابع حياة البلاد عبر التلفزيون. والده أخرج من إيران مليار دولار لكي لا يحتاج الابن إلى شيء. يعيش رضا في ولاية ماريلاند، و(بحسب معلومات CNN) يحب أن يخرج مع زوجته لتناول الطعام في المقاهي. وعندما يُسأل عن مهنته يجيب بهلوي: «أجري مقابلات عن الأحداث في إيران». طوال الفترة التي تلت إسقاط والده لم يعمل في أي وظيفة.
إنه في الرابعة والستين من عمره. يبحث عن نفسه. وإذا كان الأب قد سرق ما يكفي، فلماذا يتعب الابن؟
في عام 1990 رفع حارسُه الشخصي السابق، علي شاهبازي، دعوى قضائية ضد بهلوي الابن. قال إنه ترك في إيران ممتلكات بقيمة 400 ألف دولار، وأن الأمير وعده: «لا تقلق، سأغطي نفقاتك وأهتم بك أفضل من أبي». لكن صاحب السمو غيّر رأيه لاحقًا وبخل بالمال. طالب علي بدفع المعاش الموعود، غير أن محكمة أميركية رفضت طلبه بحجة «أنك فُصلت كعامل مأجور لأن أموال ربّ عملك نفدت». وصرّح القاضي بأن بهلوي لا يعرف كيف تُصرف الأموال (!) ولا يفهم في المدفوعات المالية. وبكى الأمير في المحكمة من شدة الفرح حين سمع القرار.
وفي العام نفسه، تقاضى بهلوي الابن مستشاره أنصاري، متهمًا إياه باختلاس 24 مليون دولار. محامي الأمير قال مجددًا إن موكله المسكين يخلط في شؤون المال ويسهل الاحتيال عليه. أنصاري كان غاضبًا، مؤكّدًا أن السبب الحقيقي هو تبذير بهلوي وإنفاقه المال على كل شيء بلا حساب. «الشاهزاده» وصف مستشاره بأنه «عميل للإسلاميين يشوّه السمعة». في النهاية اضطر أنصاري إلى إعادة 7.4 ملايين دولار. باختصار، في محيط هذا «الولد السمين» يسرق الجميع بلا حرج. لديه أموال كثيرة، لكنه لا يعرف كيف يعدّها.
في عام 2014 أسّس بهلوي قناة تلفزيونية وإذاعة باسم Ofogh Iran، وبعد ثلاث سنوات اضطر إلى بيع كل شيء.
في تشرين الأول/أكتوبر 2025 نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تحقيقًا أفاد بأن حكومة إسرائيل موّلت الترويج لرضا بهلوي على شبكات التواصل الاجتماعي باللغة الفارسية. وانتهت الحملة إلى الفشل: «رفعت من مستوى التعرف عليه، لكنها أثارت جدلًا حول شعبية مصطنعة، وأضعفت الدعم داخل إيران». كثيرًا ما يتناقض رضا في تصريحاته. ففي عام 2009 أقسم أنه لم يتلقَّ قط أموالًا من أجهزة الاستخبارات الأميركية (وهذا غير صحيح، فقد تلقّى)، وفي عام 2017 قال إنه سيأخذ أموالًا من أي جهة من أجل الثورة، حتى من السعودية وإسرائيل.
على مدى 48 عامًا في الولايات المتحدة ظلّ رضا بهلوي الابن يطلق تصريحات عن تحضيره لانقلاب، وأن على الجميع الاستعداد لسقوط وشيك للنظام في طهران، مدّعيًا أن لديه دعمًا واسعًا داخل الجيش وحتى «الحرس الثوري الإسلامي». وفي العام الماضي أصبح «الشاهزاده» الممثل الوحيد للمعارضة الإيرانية الذي أيّد قصف إسرائيل لإيران، قائلاً: «هذه فرصة لإسقاط النظام». ومع ذلك، كان رئيس وزراء إسرائيل إسحاق شامير قد ألغى عام 1983 التخطيط لانقلاب في إيران بمشاركة بهلوي. ومن بين الأسباب التي ذُكرت: العجز التام لبهلوي عن قيادة أي شيء أو أي شخص.
خلاصة القول، إن صاحب السمو هذا في الواقع ليس سوى ثرثارٍ كاذبٍ نمطي، شابٍ مترفٍ من عائلة والدين أثرياء نهبوا البلاد. يريد الآن أن يُظهر للجميع أي قائدٍ رائع سيكون—وهو إنسان لم يعمل يومًا واحدًا، ويسرقه خدمه أنفسهم. ويبدو أنه مستعد لأن يخدم أي جهة مقابل المال.
إلغاء مهرجان «أديلايد»… وربحت فلسطين!
أعلن مجلس إدارة مهرجان «أديلايد» إلغاء المهرجان، عقب مقاطعة نحو 180 كاتباً ومؤلفاً للحدث. وجاءت هذه الانسحابات احتجاجاً على قرار المجلس إلغاء دعوة الكاتبة الفلسطينية-الأسترالية رندا عبد الفتاح، بحجة أن «مواصلة إدراجها في البرنامج لا تراعي الحساسيات الثقافية في هذا الظرف الاستثنائي»، في إشارة إلى حادثة بونداي.
وكان اللوبي الإسرائيلي قد مارس ضغوطاً على إدارة المهرجان لإلغاء دعوة عبد الفتاح بسبب مواقفها المنتقدة لإسرائيل. وأسفر هذا الضغط عن استقالة رئيسة مجلس الإدارة، تريسي وايتينغ، كما انسحبت الكاتبة لويز أدلر، ابنة والدين من الناجين من المحرقة، من منصبها في إدارة المهرجان.
وضمّت قائمة المنسحبين شخصيات بارزة، من بينها رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، والكاتبة البريطانية زادي سميث، والكاتبة الأسترالية كاثي ليت، والكاتب الأميركي الحائز جائزة «بوليتزر» بيرسيفال إيفرت، إضافة إلى وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس.
الاحتلال يواصل اعتقال الأسيرة رغد الفني
تواصل سلطات الاحتلال الصهيوني اعتقال الأسيرة رغد نشأت صلاح الفني (27 عامًا) منذ الأول من كانون الثاني/يناير 2026، دون توجيه أي تهم لها أو صدور حكم قضائي بحقها، حيث تُحتجز حاليًا في سجن “الدامون”.
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت الفني فجر يوم 01.01.2026 عقب مداهمة منزلها بعشرات الجنود، قبل نقلها إلى معسكر طولكرم، ومن ثم إلى سجن "الشارون"، حيث احتُجزت لمدة ثلاثة أيام، ليجري لاحقًا تحويلها إلى سجن "الدامون".
وخلال اعتقالها، تعرّضت الأسيرة لتفتيش مهين رغم احتجاجها، مع الاشتباه بوجود كاميرات مراقبة، كما حُرمت من دواء “مِسكول”، رغم حاجتها الطبية الملحّة إليه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ رغد الفني أسيرة محررة، أُفرج عنها في صفقة التبادل بين المقاومة وقوات الاحتلال في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بعد أن كانت معتقلة إداريًا في سجون الاحتلال.
في السياق ذاته، تشهد أوضاع الأسيرات في سجن "الدامون" تصعيدًا خطيرًا، حيث تحتجز إدارة السجن 53 أسيرة في ظروف إنسانية قاسية، تتضمن بردًا شديدًا وتجويعًا متعمدًا، إضافة إلى عمليات نقل متكررة بين الغرف، إذ جرى نقل الأسيرات بين ثلاث غرف خلال أسبوع واحد فقط.
كما تشهد أقسام السجن اعتداءات وضربًا متواصلًا بحق الأسيرات، إلى جانب اقتحامات متكررة وعمليات استعراض للسلاح من قبل إدارة السجن وضباطه، في سياسة تهدف إلى القمع والترهيب وكسر إرادة الأسيرات.
تاريخ لبنان في عدسة فؤاد الخوري
يقدم المصوّر اللبناني فؤاد الخوري بالتعاون مع المصور جيريمي بيكوك قراءة جديدة لمسار خوري الفوتوغرافي الطويل، ضمن معرضه الجديد «طيارة من ورق»، الذي سيفتتح يوم الخميس 29 كانون الثاني (يناير) الجاري في غاليري «تانيت». تنطلق قراءة خوري من توثيق الحياة اليومية في لبنان خلال الحرب، ليتحوّل إلى مشروع بصري وفكري يتقاطع فيه الشخصي بالسياسي، والذاكرة بالمدينة. منذ كتابه المفصلي Beirut Aller-Retour (1984)، وصولاً إلى أعماله المركّبة والفيديوات التي اشتبكت مع الحرب، والحب، والمنفى، والخراب، ظلّ الخوري يعيد مساءلة الصورة بوصفها أداة تفكير بقدر ما هي توثيق.
في هذا المعرض، يعود خوري إلى ثيمات الذاكرة، والزمن، والانتماء، عبر أعمال تستكمل انشغاله بالمدن المتحوّلة، وبالتاريخ بوصفه طبقات متراكبة لا تُقرأ إلا من خلال الصورة المركّبة والسرد البصري المفتوح.

* «طيارة من ورق»: الخميس 29 كانون الثاني (يناير) – الساعة السادسة مساءً - غاليري «تانيت» (مار مخايل). للاستعلام: 01/562812 ـــــ 71/328814
«ذاكرة الخالدين»: مَسرَحة التاريخ الشفوي للمقاومة
«نمط مسرحي جديد ومغاير». بهذه العبارة يمكن اختصار مسرحية «ذاكرة الخالدين» التي تعرض على خشبة «مسرح مجمع الإمام الخميني الثقافي» في ضاحية بيروت الجنوبية.
للمرّة الأولى، تحضر على الخشبة الذاكرةُ الشفهية في مقابلات حية مع رفاق القائد الشهيد قاسم سليماني، معروضة على شاشات ثلاث، لتحدث التحاماً بوجدان الجمهور وتعرّفه إلى إنجازات القادة ومآثرهم وعلاقتهم بالشهيد.
في المسرحية التي توحي فكرتها بأنها مجرّد عمل توثيقي سردي، أجادت المخرجة ريان خير الدين ومهندس المشهد السينوغرافي أيمن جابر استنطاق عناصر المشهد ببعض الدلالات والرموز، والتصرّف به درامياً لخدمة الرؤية الجمالية والأيديولوجية بتحويل الروايات الشفهية إلى تجربة حية، مع توظيف العناصر البصرية والصوتية لنقل الأجواء الزمانية والمكانية، ما جعله عملاً ينتمي إلى المسرح التوثيقي أو العمل الوثائقي الدرامي الذي يهدف إلى تقديم المواد الواقعية في قالب جمالي إبداعي خاص ومختلف عبر خلق عالم متكامل بصريّاً وحسيّاً مؤثراً.
في «ذاكرة الخالدين»، احتدم التفاعل بين الذاكرة والمسرح فتحققت واحدة من مخرجات التاريخ الشفوي، لم تقتصر فقط على تقديم الشخصية النموذج والتأثير عبرها ونقل ثقافتها الروحية والقيادية والعسكرية، بل بتقديم كل الشخصيات القيادية التي أدلت بشهاداتها في سيرة القائد الشهيد، وإنجازات هذه الشخصيات التي صارت جزءاً من الرواية بعدما بات أصحابها بدورهم شهداء. وهنا تكمن أهمية العمل كمصدر ثريٍّ للفكر والفن في ميثولوجيا تمثل منظومة فكرية ودينية وثقافية غنية.
بين تلك اللقطات، أتقن الكاتب والممثل حسن قطيش إمساك الخط المسرحي ضمن فكرة خرج بها لتحريك أحداثه وإنعاش الجو المسرحي، عبر خلق شخصية جامعة بين الواقع والخيال، وهي «محمد»، صديق الشهيد الكاتب أحمد بزّي (صاحب الفكرة الأساسية)، فحاكى عبرها فكر الشهيد وروحه في بصمة مسرحية خاصة وفقاً لتقنيات الراوي والمسرح داخل المسرح، أو القصة داخل القصة.
في مسرحية «ذاكرة الخالدين»، مشاهد وروايات القادة الشهداء المترافقة مع إضاءة الجدران والأضواء التي تخرج من الألياف البصرية، مجسم سيارة «الحاج قاسم» وغرفته، مكتب الشهيد أحمد بزّي وسط الخراب الذي خلفته همجية الحرب الأخيرة وشباك مكتبه حيث علّق عصبات الرأس التي كان يضعها في مجالس العزاء.
هدوء المسرح الخالي إلا من صوت حسن قطيش مع الموسيقى المختارة بعناية، صوت بكاء الجمهور الذي يقع عنوة تحت وطأة الذكريات، كلها معاً تشكّل نسقاً سيميائياً قائماً بذاته فيه الكثير من الانسجام والتناغم من أجل تقديم أجمل رواية للحدث تجمع ما بين الذاكرة والفن.

* «ذاكرة الخالدين» – مسرح «مجمع الإمام الخميني الثقافي» – قرب مرقد السيد الشهيد حسن نصر الله – للاستعلام والحجز: 808026/81
«تسويق إسرائيل» من الهاسبارا إلى الخوارزميات
علي سرور

بعد نحو ثمانين عاماً على قيام الكيان العبري، يخرج كتاب «تسويق إسرائيل» لهارييت مالينوفيتز بوصفه إحدى أكثر الدراسات تفصيلاً في تفكيك «الهاسبارا» من نشأتها إلى عصر الخوارزميات. يشرح كيف صيغت سرديات «الضحية» و«الديموقراطية» عبر «التضليل الأخضر» و«التضليل الوردي»، وكيف تُستثمر المنصّات وشركات التكنولوجيا لحماية صورة الاحتلال وتهميش الفلسطينيين
بعد نحو ثمانين عاماً على إنشاء الكيان العبري، خرج إلى العلن أحد أهمّ الأبحاث وأكثرها عمقاً في دراسة السياسة الدعائية للجماعات الصهيونية منذ ما قبل القرن الماضي وصولاً إلى مساراتها الحالية. ورغم أنّ الكتب الصادرة في هذا الخصوص ليست بقليلة، إلا أنّ «تسويق إسرائيل» (Selling Israel ــ دار Olive Branch Press)، يغوص في تفاصيل الإستراتيجية الدعائية الإسرائيلية بشكل غير مسبوق.
ولعلّ ما يميّز هذا البحث العمق، أنّه نتاج متابعة عشرات السنين للكاتبة الأميركية اليهودية هارييت مالينوفيتز، التي شرّحت السردية الصهيونية انطلاقاً من تجربتها الشخصية في مواجهة الأكاذيب الموجّهة لكسب ولاء اليهود حول العالم تارةً، وودّ الشعوب الغربية طوراً.
دائماً ما ركزّت إسرائيل على الحرب الدعائية، وإن اختلفت الأهداف بين معركة وأخرى وفقاً للتحدّيات المرحلية. في الآونة الأخيرة، كشف رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، عن الأهميّة المطلقة للسلاح «المعاصر»، في معرض شرحه عن أهميّة السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وإكس، واصفاً إيّاها بـ «الجبهة الثامنة»، أي إلى جانب جبهات القتال العسكرية «الوجودية» الأخرى.
لكنّ حتّى قبل بداية العصر الرقمي، وقبله من أدوات دعاية واسعة، أولت الجماعات الصهيونية منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر، أهميّة لتعزيز شبكة الدعاية الإسرائيلية، المعروفة بـ «الهاسبارا». ويعني المصطلح العبري «الشرح والتفسير»، ويُستخدم لوصف جهود العلاقات العامة والدعاية التي تقوم بها إسرائيل لنشر وجهة نظرها وتعزيز صورتها عالمياً، وتبرير سياساتها وأفعالها، ومواجهة الانتقادات الإعلامية، وهي شبيهة بحملات العلاقات العامة الدولية التي تسعى إلى التأثير في الرأي العام العالمي عبر وسائل الإعلام المختلفة.

دولة وُلدت بـ«الهاسبارا»
تبيّن مالينوفيتز في كتابها أنّ تسويق فكرة دولة «إسرائيل» لم يكن نتاج مصادفة تاريخية، بل ثمرة توظيف منظّم لـ«الهاسبارا» بوصفها أداة مركزية لتجميع اليهود المشتّتين حول العالم تحت تعريف واحد لـ«الشعب»، رغم اختلاف انتماءاتهم القومية والثقافية. ولتحقيق هذا الهدف، عملت الحركة الصهيونية على صياغة سردية مزدوجة: إقناع القوى العالمية بدعم إنشاء الدولة الجديدة، وحشد طاقات وموارد اليهود خلف الكيان الناشئ، مالياً وبشرياً، عبر تقديمه بوصفه «منارة للديموقراطية»، بالتوازي مع شيطنة أي مقاومة عربية أو فلسطينية باعتبارها تهديداً وجودياً.
واعتمدت مؤلّفة العمل، الذي حظي بإشادة مجلّة «ببلشرز ويكلي» لكونه «يتحدّى الروايات السائدة بدقّة»، على خبرة تراكمت عبر عقود من البحث في أدوات وتكتيكات «الهاسبارا». وعبر هذا المسار، توصّلت إلى استخلاص ملامح إستراتيجية متكاملة رافقت المشروع الصهيوني منذ انطلاقته، تبدأ من مفهوم «بناء الصورة الوطنية» (nation branding)، أي تحويل الدولة إلى علامة «تجارية» قابلة للتسويق عالمياً، عبر إبراز عناصر قوّتها الثقافية والاقتصادية والسياسية، بما يضمن لها الاعتراف والنفوذ والشرعية الدولية.
في هذا الإطار، لجأت الدعاية الصهيونية إلى «القوة الناعمة» بوصفها وسيلة إقناع بديلة من الإكراه، مع التركيز على الثقافة والفنون والديبلوماسية العامة والسياسة الخارجية. كما اعتمدت على ما يُعرف بـ«التضليل الأخضر» (greenwashing)، عبر الترويج لخطاب بيئي زائف يدّعي وضع حماية الطبيعة في صلب الأولويات السياسية، في وقت لم تتردّد فيه إسرائيل في تدمير المساحات الخضراء في الضفة الغربية وجنوب لبنان وحرقها.
أما في مرحلة لاحقة، فقد برز «التضليل الوردي» (pinkwashing) كأحد أكثر الأساليب استخداماً لتجميل صورة الدولة، عبر تبنّي قضايا المثليين والمتحوّلين جنسياً، وتقديمها دليلاً على «تقدّمية» إسرائيل وإنسانيتها. علماً أنّ قادتها السياسيين مطلوبون للعدالة الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال الإبادة الأخيرة في غزة
ومع التحوّل الرقمي وتصاعد الحراك الشبابي في الشوارع الغربية، سخّرت إسرائيل شركات التكنولوجيا الكبرى، وفي مقدّمتها «ميتا»، للسيطرة على السردية وحماية صورتها. ولم يتردّد نتنياهو في التفاخر، في نهاية العام الماضي، بنجاح دولته في السيطرة على فرع تيك توك الأميركي، المنصّة التي لعبت دوراً محورياً في كشف الجرائم المرتكبة في غزة أمام أكثر من 170 مليون مستخدم أميركي، وما أسفر عن ذلك من تغيّر دراماتيكي في الرأي العام حيال القضية الفلسطينية.

تشكّل الوعي داخل «الفقاعة»
تكتب مالينوفيتز بأسلوب اعترافي مقنع عن فاعلية «الهاسبارا»، مستذكرة كيف نشأت، بوصفها يهودية أميركية، داخل منظومة من «القصص والأقوال والمعتقدات» التي كانت تُتداول داخل مجتمعها بوصفها حقائق بديهية، وتُغذّي نفسها ذاتياً من دون مساءلة. هذا الاعتراف الشخصي يتحوّل في الكتاب إلى مدخل جريء لتحدّي السرديات السائدة، لا من خارجها، بل من قلبها.
وتطرح الكاتبة أسئلة مركزية تتمحور حول كيفية إقناع مجموعة صغيرة من مفكّري أوروبا الشرقية يهود العالم بأنهم «شعب واحد» يواجه خطراً واحداً، وله خلاص واحد، وتسويق هذا المشروع للعالم بوصفه تحرّراً أخلاقياً نبيلاً، لا يخلّف ضحايا ولا أضراراً جانبية.
تتمحور إجابات هذه الأسئلة في كتاب «تسويق إسرائيل»، الذي يدرس «الهاسبارا» بوصفها حملة علاقات عامة عالمية، لا تكتفي بتلميع الصهيونية، إنّما تعمل في الوقت نفسه على تهميش المظلومية الفلسطينية، وترسيخ أساطير تأسيسية، أبرزها مقولة «الأرض الخالية».
لكنّ اهتمام مالينوفيتز لم ينبع من موقع عدائي مسبق، بل من تجربة نشأة قُدّمت لها فيها إسرائيل كـ«ملاذ للنجاة»، ومكان «مثالي» لأن جميع سكانها يهود، من سائقي الحافلات إلى رجال الشرطة. لكن الصورة النمطية المتجانسة سرعان ما تصدّعت تدريجاً مع زيارات مالينوفيتز المتكرّرة إلى الكيان، وإقامتها في الكيبوتسات، واحتكاكها المباشر بواقع لا يشبه الرواية التي تلقّتها.
بدأت الرواية تتصدّع من الداخل، بعدما شكّلت مشاهدات الكاتبة الأميركية للعمّال الفلسطينيين في الحقول، الممنوعين من مشاركة أعضاء الكيبوتس استراحة الطعام، لحظةً صامتة لكن كاشفة. كما أدركت زيف مقولة «جميع السكان يهود» عندما التقت فلسطينيين في القدس القديمة، قيل لها إنهم «عرب إسرائيليون» بلا أي تفسير منطقي. مع ذلك، ظنّت طويلاً أن المشكلة في فهمها هي، لا في الرواية نفسها.
ومع انخراطها في العمل التضامني مع أميركا الوسطى لاحقاً، بدأت تربط بين الدعم العسكري والدعاية، وازدادت صدمتها بعد قراءتها كتاب ليني برينر عن تواطؤ الصهيونية مع النازية. ثم جاءت الانتفاضتان الفلسطينيتان، وكشّر الإعلام الإسرائيلي عن أنيابه مع رفض تل أبيب استقبال لجان تقصّي الحقائق، كنقاط كسرت ما تبقّى من «براءة» السردية الرسمية.
من جانبٍ آخر، تصف مالينوفيتز قراءتها لكتاب إيلان بابيه «تاريخ فلسطين الحديثة» بأنها لحظة مفصلية، إذ أدركت أنّ عام 1948، لا 1967، هو مفتاح الفهم. كما خلصت إلى قناعة أخرى، أنّ التغيير لن يأتي من داخل الكيان، بل من الفلسطينيين وحلفائهم.
من هنا، تبلورت فكرة الكتاب، بعد عقدين من البحث في الدعاية وتحليل الخطاب، لتدمج الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً، مع أدوات التضليل التي رافقته منذ نشأته.

الهولوكوست كسلاح دعائي
تفكّك الكاتبة الاستخدام الانتقائي للمحرقة النازية، مبيّنة أنّ استحضارها لم يكن مركزياً في الخطاب الإسرائيلي المبكر، بل عُدّ الناجون منها «وصمة ضعف». ثم تحوّلت لاحقاً إلى أداة إستراتيجية تُستدعى عند الحاجة إلى تبرير العنف، أو إلى جمع التبرعات، أو إلى استدرار التعاطف الدولي، عبر تثبيت صورة إسرائيل كضحية أبدية مهدَّدة بالإبادة.
تنتقد مالينوفيتز ادّعاء الصهيونية تمثيل «جميع اليهود»، معتبرة ذلك شكلاً كلاسيكياً من الدعاية، شبيهاً بحركات ادّعت يوماً التحدّث باسم «الجميع» بلا تفويض. وتفكّك الخلفية الاشتراكية للكيبوتسات، مظهرة كيف كانت أقرب إلى أيديولوجيا تعبويّة تخدم المشروع الصهيوني، قبل أن تتخلّى عن طوباويتها مع التحوّل النيوليبرالي.
تستعرض أيضاً البدائل التي حوربت أو شُوّهت، من الاندماج، إلى «البوند»، إلى الصهيونية الثقافية، مقابل فرض فكرة إسرائيل بوصفها «الحل الوحيد» لمعاداة السامية.
في سياق متّصل، ترى مالينوفيتز أن عبارات مثل «أرض بلا شعب» و«جعل الصحراء تزهر» ليست سوى «أغانٍ تسويقية» رسخت بفعل التكرار، رغم سخافتها. الأخطر، وفقاً للكاتبة، هو إنكار نكبة 1948، والتشكيك المصطنع بها، عبر خلق روايتين متوازيتين يُطلب من الجمهور التعامل معهما على قدم المساواة، في نموذج مستعار من صناعات التضليل الكبرى.
هذا التشكيك، حين يُترك من دون مساءلة، يُسقط المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن التهجير، ويحوّل الجريمة إلى «خلاف سردي».

تفكيك الدعاية كشرط للتحرّر
يقدّم كتاب «تسويق إسرائيل» تفكيكاً دقيقاً لكيفية تحويل الخداع إلى عقيدة، واستثماره في استدامة الاحتلال والاستيطان والإبادة. وهو، بذلك، لا يكتفي بنقد السردية الصهيونية، بل يضعها في سياقها الإمبريالي الاستيطاني، بوصفها جزءاً من منظومة هيمنة أوسع.
وعليه، يُعدّ هذا العمل مرجعاً أساسياً لفهم آليات الدعاية التي تقف خلف واحدة من أطول قضايا التحرّر الإنساني. وعبر تفكيك شيفرة هذه الدعاية، تنطلق مسيرة التحرّر من قيود السردية الصهيونيّة التي تعدّ العمود الفقري لهذا الكيان.
باريس: وقفة تضامنية حاشدة أمام المحكمة دعماً للمناضل "أليكس" ووفاءً للأسرى الثوريين
نُظمت أمام المحكمة القضائية بباريس في "بوابة كليشي" (Porte de Clichy)، تظاهرة تضامنية واسعة تزامناً مع محاكمة المناضل الرفيق أليكس، عضو "رابطة الشبيبة الثورية" (LJR)، المعتقل منذ مارس 2025 بتهمة "الإشادة بالإرهاب".
وشهدت الوقفة حضوراً لافتاً للمنظمات الثورية والشبابية، حيث رُفعت أعلام فلسطين عالياً تعبيراً عن وحدة النضال، كما برزت بشكلٍ قوي صور الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الرفيق القائد الأسير أحمد سعدات.
وحمل المتظاهرون يافطات تطالب بالحرية الفورية له ولجميع الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني، مؤكدين على الربط المبدئي بين ملاحقة المناضلين في فرنسا والنضال التحرري في فلسطين.
وقد استُحضرت خلال التحرك رسالة المناضل والأسير السابق الرفيق جورج عبد الله، لدعم أليكس، مبيناً فيها أن هذا "الاستشراس القضائي" هو جزء من "ترسانة الثورة المضادة الوقائية" التي تهدف لملاحقة الفاعلين الثوريين.
اختتمت الفعالية بهتافات شددت على أن ملاحقة أليكس لن تزيد الحراك إلا إصراراً، وأن التضامن مع فلسطين وقادتها الأسرى، مثل القائد الرفيق أحمد سعدات، يظل بوصلة أساسية في مواجهة سياسات القمع والاضطهاد القضائي.
قوات الاحتلال تصعّد اعتداءاتها: تفجير منزل واعتقالات في الضفة
فجّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، منزلاً في بلدة قباطية جنوب مدينة جنين، يعود لعائلة المعتقل أحمد أبو الرب، بعد أن قامت بتفخيخه بمواد متفجرة.
وأفادت مصادر محلية بأن عملية التفجير أسفرت عن أضرار جسيمة في عدد من المنازل المجاورة، فيما أجبرت قوات الاحتلال عدداً من العائلات على إخلاء منازلها في محيط المنزل المستهدف قبل تنفيذ التفجير.
وكانت قوات الاحتلال قد اقتحمت بلدة قباطية ليلة أمس بعدة آليات عسكرية، برفقة آليات تحمل مواد هندسية ومتفجرة، حيث قامت بتفخيخ منزل عائلة المعتقل أبو الرب، الذي كانت قد أخطرته بالهدم خلال الشهر الجاري، إضافة إلى مداهمة عدد من المنازل في البلدة، وشن حملة احتجاز واستجواب ميداني طالت عدداً كبيراً من المواطنين.
وفي سياق متصل، اعتقلت قوات الاحتلال فجر اليوم الأربعاء المواطن عبد الفتاح رياض بدير (47 عاماً)، وهو معتقل محرر من مدينة طولكرم، بعد مداهمة منزله في الحي الجنوبي من المدينة.
كما داهمت قوات الاحتلال، عدداً من المنازل خلال اقتحامها قرية دير الحطب شرق نابلس، وسط انتشار واسع لفرق المشاة، حيث احتجزت عدداً من المواطنين لساعات وأجرت معهم تحقيقاً ميدانياً قبل الإفراج عنهم لاحقاً.
كذلك داهمت منزلاً في شارع فطاير بمدينة نابلس وفتشته دون الإبلاغ عن اعتقالات.
وفي القدس المحتلة، اعتقلت قوات الاحتلال ثمانية مواطنين من مخيم شعفاط شمال شرق المدينة.
وأفادت محافظة القدس بأن عشرات من جنود الاحتلال اقتحموا حي رأس خميس في المخيم لليوم الثالث على التوالي، وداهموا عدداً من المنازل، واعتقلوا ثمانية مواطنين لم تُعرف هوياتهم بعد.
غزة: شهداء جراء خروقات إسرائيلية وقصف جوي ومدفعي على رفح
استشهد فلسطينيان، الأربعاء، خلال خروقات إسرائيلية لاتفاقية وقف إطلاق النار والتهدئة في قطاع غزة، التي دخلت حيز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأفادت مصادر طبية من مستشفى ناصر الطبي بأن الممرض حاتم إبراهيم أبو صالح ارتقى شهيدا بنيران قوات الاحتلال قرب دوار بني سهيلا شرق مدينة خانيونس، جنوبي القطاع.
كما استشهد الشاب أحمد رائد أبو حسين برصاص الاحتلال فجر اليوم في مخيم جباليا للاجئين شمالي غزة.
في الوقت نفسه، جدد الطيران الحربي الإسرائيلي قصف المناطق الشمالية والغربية لمدينة رفح، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف المدينة، ضمن سلسلة غارات جوية واشتباكات برية.
وتزامنت الغارات الإسرائيلية مع استمرار الكوارث الجوية، إذ بلغت سرعة الرياح 90 كيلومترا في الساعة مع أمطار غزيرة أدت إلى اقتلاع الخيام وغرق الآلاف منها، إضافة إلى انهيارات في المنازل المتضررة من القصف.
وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية بأن حصيلة الخروقات منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بلغت 447 شهيدًا و1246 جريحا، بينما ارتفع الإجمالي التراكمي منذ أكتوبر 2023 إلى 71,424 شهيدا و171,324 جريحا.
على صعيد الإدارة المحلية للقطاع، يدفع البيت الأبيض نحو منح تفويض واسع لـ"مجلس السلام" لإدارة غزة، بما يتيح له لاحقا التعامل مع حل نزاعات أخرى عالميا.
وأكدت مصادر فلسطينية موثوقة أن لجنة التكنوقراط لإدارة غزة اكتملت بشكل شبه كامل، مع بقاء حسم ملف الأمن والشرطة، على أن يتم الإعلان عنها قريبا ضمن المرحلة الثانية من خطة إدارة القطاع.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire