د. طنوس شلهوب
لم يكن الحصار المفروض على فنزويلا إجراءً طارئًا أو ردّ فعل ظرفي على سياسات حكومة بعينها، بل هو تعبير مكثّف عن منطق الهيمنة الإمبريالية في طورها المتأخر، حين تتعرّى آليات السيطرة من كل غطاء أخلاقي أو قانوني. وقد بلغ هذا المنطق ذروته في عهد دونالد ترامب، حيث انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء والتدخل غير المباشر إلى بلطجة اقتصادية وسياسية وعسكرية مكشوفة.
1: فنزويلا كعقدة في الصراع الإمبريالي
تمثل فنزويلا، بما تملكه من أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، حلقة مركزية في الصراع على الموارد ضمن النظام الرأسمالي العالمي. ومنذ صعود تشافيز، ثم استمرار التجربة البوليفارية مع مادورو، شكّلت فنزويلا نموذجًا مقلقًا للإمبريالية: دولة ريعية حاولت، ولو بحدود، إعادة توجيه فائضها النفطي نحو الداخل الاجتماعي، وكسر التبعية السياسية لواشنطن، وفتح هوامش تحالف مع قوى دولية مناوئة (روسيا، الصين، كوبا، إيران).
من منظور لينيني، لا يمكن فهم هذا العداء إلا بوصفه دفاعًا عن مصالح رأس المال الاحتكاري، حيث لا يُسمح لدولة تابعة أن تعيد تنظيم علاقتها بالفائض أو أن تخرج، ولو جزئيًا، عن شروط التقسيم الإمبريالي للعمل.
2: ترامب والانتقال من الهيمنة إلى البلطجة
ما ميّز مرحلة ترامب لم يكن فقط تشديد العقوبات، بل اللغة والأسلوب والمنهج. فقد تعاملت إدارته مع فنزويلا كـ«غنيمة مؤجلة»، لا كدولة ذات سيادة. الاعتراف برئيس موازٍ (خوان غوايدو)، مصادرة الأصول (شركة CITGO)، فرض عقوبات ثانوية على أي دولة أو شركة تتعامل مع كاراكاس، ومنع تصدير الغذاء والدواء عمليًا… كل ذلك يندرج في ما يمكن تسميته حربًا اقتصادية شاملة.
هنا تتجلى الإمبريالية في صورتها العارية:
لا قانون دولي، لا مؤسسات، لا ديمقراطية، بل منطق العصا الغليظة. وهو ما ينسجم مع تحليل سمير أمين حول انتقال المركز الإمبريالي من إدارة النظام العالمي إلى إدارته عبر الفوضى والعقاب الجماعي.
3: الحصار كسلاح طبقي
الحصار ليس مجرد أداة ضغط على الدولة، بل هو سلاح طبقي موجّه ضد الفئات الشعبية. فالعقوبات لا تُسقط الأنظمة مباشرة، لكنها تفكك النسيج الاجتماعي، وتضرب العملة، وتخلق سوقًا سوداء، وتغذّي الفساد، وتدفع قطاعات من البرجوازية المحلية إلى الارتباط مجددًا بالخارج.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية الفنزويلية عن الحصار، كما لا يمكن اختزالها فيه. فالتناقض بين مشروع وطني–شعبي محدود، وبنية ريعية هشّة، وضغط إمبريالي كاسح، أنتج أزمة مركبة تستثمرها واشنطن لإعادة إدماج فنزويلا في موقعها التابع القديم.
4: آفاق المواجهة وحدودها
رغم القسوة، لم يحقق الحصار هدفه الاستراتيجي: إسقاط الدولة أو تفكيكها. ويعود ذلك إلى جملة عوامل:
تماسك نسبي للدولة والأجهزة، وعدم انقسام الجيش.
دعم دولي مضاد، ولو بدوافع مصلحية (روسيا، الصين).
خبرة تراكمية لدى المجتمع الفنزويلي في الصمود، خصوصًا بعد سنوات من الحصار.
لكن آفاق المواجهة لا يمكن أن تكون تقنية فقط (الالتفاف على العقوبات)، بل سياسية–اجتماعية بالدرجة الأولى. فالصمود الطويل يتطلب:
تعميق الطابع الشعبي للمشروع، لا الاكتفاء بإدارته من فوق.
ضرب شبكات الفساد والبرجوازية الكمبرادورية.
تنويع الاقتصاد فعليًا، لا كشعار.
وربط المعركة الوطنية بمعركة أممية أوسع ضد نظام العقوبات كأداة حكم عالمي.
5: فنزويلا كمرآة للنظام العالمي
في النهاية، ليست فنزويلا استثناءً، بل نموذجًا مُكثفًا لما يواجهه أي بلد يحاول كسر، ولو جزئيًا، منطق الخضوع. من كوبا إلى إيران، ومن فنزويلا إلى روسيا، تتكرر الأداة ذاتها: العقوبات، الحصار، الحرب الاقتصادية.
وهنا تتأكد راهنية أطروحة لينين: الإمبريالية ليست سياسة سيئة يمكن إصلاحها، بل مرحلة تاريخية من الرأسمالية لا يمكن تجاوز عنفها إلا بتجاوزها نفسها.
لم يكن الحصار المفروض على فنزويلا إجراءً طارئًا أو ردّ فعل ظرفي على سياسات حكومة بعينها، بل هو تعبير مكثّف عن منطق الهيمنة الإمبريالية في طورها المتأخر، حين تتعرّى آليات السيطرة من كل غطاء أخلاقي أو قانوني. وقد بلغ هذا المنطق ذروته في عهد دونالد ترامب، حيث انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء والتدخل غير المباشر إلى بلطجة اقتصادية وسياسية وعسكرية مكشوفة.
1: فنزويلا كعقدة في الصراع الإمبريالي
تمثل فنزويلا، بما تملكه من أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، حلقة مركزية في الصراع على الموارد ضمن النظام الرأسمالي العالمي. ومنذ صعود تشافيز، ثم استمرار التجربة البوليفارية مع مادورو، شكّلت فنزويلا نموذجًا مقلقًا للإمبريالية: دولة ريعية حاولت، ولو بحدود، إعادة توجيه فائضها النفطي نحو الداخل الاجتماعي، وكسر التبعية السياسية لواشنطن، وفتح هوامش تحالف مع قوى دولية مناوئة (روسيا، الصين، كوبا، إيران).
من منظور لينيني، لا يمكن فهم هذا العداء إلا بوصفه دفاعًا عن مصالح رأس المال الاحتكاري، حيث لا يُسمح لدولة تابعة أن تعيد تنظيم علاقتها بالفائض أو أن تخرج، ولو جزئيًا، عن شروط التقسيم الإمبريالي للعمل.
2: ترامب والانتقال من الهيمنة إلى البلطجة
ما ميّز مرحلة ترامب لم يكن فقط تشديد العقوبات، بل اللغة والأسلوب والمنهج. فقد تعاملت إدارته مع فنزويلا كـ«غنيمة مؤجلة»، لا كدولة ذات سيادة. الاعتراف برئيس موازٍ (خوان غوايدو)، مصادرة الأصول (شركة CITGO)، فرض عقوبات ثانوية على أي دولة أو شركة تتعامل مع كاراكاس، ومنع تصدير الغذاء والدواء عمليًا… كل ذلك يندرج في ما يمكن تسميته حربًا اقتصادية شاملة.
هنا تتجلى الإمبريالية في صورتها العارية:
لا قانون دولي، لا مؤسسات، لا ديمقراطية، بل منطق العصا الغليظة. وهو ما ينسجم مع تحليل سمير أمين حول انتقال المركز الإمبريالي من إدارة النظام العالمي إلى إدارته عبر الفوضى والعقاب الجماعي.
3: الحصار كسلاح طبقي
الحصار ليس مجرد أداة ضغط على الدولة، بل هو سلاح طبقي موجّه ضد الفئات الشعبية. فالعقوبات لا تُسقط الأنظمة مباشرة، لكنها تفكك النسيج الاجتماعي، وتضرب العملة، وتخلق سوقًا سوداء، وتغذّي الفساد، وتدفع قطاعات من البرجوازية المحلية إلى الارتباط مجددًا بالخارج.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية الفنزويلية عن الحصار، كما لا يمكن اختزالها فيه. فالتناقض بين مشروع وطني–شعبي محدود، وبنية ريعية هشّة، وضغط إمبريالي كاسح، أنتج أزمة مركبة تستثمرها واشنطن لإعادة إدماج فنزويلا في موقعها التابع القديم.
4: آفاق المواجهة وحدودها
رغم القسوة، لم يحقق الحصار هدفه الاستراتيجي: إسقاط الدولة أو تفكيكها. ويعود ذلك إلى جملة عوامل:
تماسك نسبي للدولة والأجهزة، وعدم انقسام الجيش.
دعم دولي مضاد، ولو بدوافع مصلحية (روسيا، الصين).
خبرة تراكمية لدى المجتمع الفنزويلي في الصمود، خصوصًا بعد سنوات من الحصار.
لكن آفاق المواجهة لا يمكن أن تكون تقنية فقط (الالتفاف على العقوبات)، بل سياسية–اجتماعية بالدرجة الأولى. فالصمود الطويل يتطلب:
تعميق الطابع الشعبي للمشروع، لا الاكتفاء بإدارته من فوق.
ضرب شبكات الفساد والبرجوازية الكمبرادورية.
تنويع الاقتصاد فعليًا، لا كشعار.
وربط المعركة الوطنية بمعركة أممية أوسع ضد نظام العقوبات كأداة حكم عالمي.
5: فنزويلا كمرآة للنظام العالمي
في النهاية، ليست فنزويلا استثناءً، بل نموذجًا مُكثفًا لما يواجهه أي بلد يحاول كسر، ولو جزئيًا، منطق الخضوع. من كوبا إلى إيران، ومن فنزويلا إلى روسيا، تتكرر الأداة ذاتها: العقوبات، الحصار، الحرب الاقتصادية.
وهنا تتأكد راهنية أطروحة لينين: الإمبريالية ليست سياسة سيئة يمكن إصلاحها، بل مرحلة تاريخية من الرأسمالية لا يمكن تجاوز عنفها إلا بتجاوزها نفسها.
الجبهة الشعبية: تصنيف القيادة الفنزويلية "إرهابية" بلطجة أمريكية مكشوفة
دانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأشد العبارات إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تصنيف القيادة الفنزويلية "منظمة إرهابية أجنبية"، مؤكدةً أن هذا القرار يُمثّل قمة القرصنة السياسية والاعتداء السافر على إرادة الشعوب وسلب سيادتها.
وقالت الجبهة في بيانها الصادر اليوم الأربعاء، إنّ "القيادة الفنزويلية هي قيادة شرعية منتخبة ديمقراطياً من قبل الشعب الفنزويلي، وحائزة على ثقته في معركة السيادة والكرامة؛ وإنَّ الذي يجب أن يُصنف إرهابياً ويُلاحق دولياً هي القيادة الأمريكية المتورطة حتى أذنيها في دعم حرب الإبادة الجماعية، لا سيما في فلسطين، والمسؤولة عن تدمير الأوطان وحرق الشعوب في مختلف أنحاء العالم".
وأضافت: "فرض حصار عسكري كامل على فنزويلا واستهداف ناقلات النفط هو "إرهاب دولة منظم"، يهدف بوضوح إلى تشديد الخناق لضرب الاستقرار ونهب الثروات، لا سيما النفط والمعادن الثمينة، بذهنية اللصوص والبلطجة التي تتقنها الإدارة الأمريكية المتعاقبة".
وبينت الجبهة أنّ "ما يرتكبه المجرم "ترامب" بحق فنزويلا اليوم هو ترجمة لذات النهج الإجرامي الذي تمارسه أمريكا بحق شعبنا الفلسطيني؛ فالسلاح الأمريكي الذي يقتل أطفالنا بأيدٍ صهيونية هو ذاته الذي يحاصر شعوب أمريكا اللاتينية، وخاصة فنزويلا وكوبا وكولومبيا، في محاولة يائسة لتركيعها".
ووجهت الشعبية رسالة تضامن واعتزاز لفنزويلا، قيادةً وشعباً، في مواجهة هذه الجريمة الأمريكية المتصاعدة، داعيًة كافة الأحرار في القارة اللاتينية والعالم أجمع إلى التوحد لمواجهة القرصنة الأمريكية التي تستهدف تصفية كل من يجرؤ على قول "لا" في وجه الهيمنة الإمبريالية.
كما أكدن الجبهة أن شعوب العالم التي عانت ويلات السياسات الأمريكية لن تنطلي عليها هذه التصنيفات الزائفة، وستبقى فنزويلا عصية على الانكسار، وسينكسر الحصار العسكري والسياسي أمام صمود وإرادة الشعوب الحرة.
دانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأشد العبارات إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تصنيف القيادة الفنزويلية "منظمة إرهابية أجنبية"، مؤكدةً أن هذا القرار يُمثّل قمة القرصنة السياسية والاعتداء السافر على إرادة الشعوب وسلب سيادتها.
وقالت الجبهة في بيانها الصادر اليوم الأربعاء، إنّ "القيادة الفنزويلية هي قيادة شرعية منتخبة ديمقراطياً من قبل الشعب الفنزويلي، وحائزة على ثقته في معركة السيادة والكرامة؛ وإنَّ الذي يجب أن يُصنف إرهابياً ويُلاحق دولياً هي القيادة الأمريكية المتورطة حتى أذنيها في دعم حرب الإبادة الجماعية، لا سيما في فلسطين، والمسؤولة عن تدمير الأوطان وحرق الشعوب في مختلف أنحاء العالم".
وأضافت: "فرض حصار عسكري كامل على فنزويلا واستهداف ناقلات النفط هو "إرهاب دولة منظم"، يهدف بوضوح إلى تشديد الخناق لضرب الاستقرار ونهب الثروات، لا سيما النفط والمعادن الثمينة، بذهنية اللصوص والبلطجة التي تتقنها الإدارة الأمريكية المتعاقبة".
وبينت الجبهة أنّ "ما يرتكبه المجرم "ترامب" بحق فنزويلا اليوم هو ترجمة لذات النهج الإجرامي الذي تمارسه أمريكا بحق شعبنا الفلسطيني؛ فالسلاح الأمريكي الذي يقتل أطفالنا بأيدٍ صهيونية هو ذاته الذي يحاصر شعوب أمريكا اللاتينية، وخاصة فنزويلا وكوبا وكولومبيا، في محاولة يائسة لتركيعها".
ووجهت الشعبية رسالة تضامن واعتزاز لفنزويلا، قيادةً وشعباً، في مواجهة هذه الجريمة الأمريكية المتصاعدة، داعيًة كافة الأحرار في القارة اللاتينية والعالم أجمع إلى التوحد لمواجهة القرصنة الأمريكية التي تستهدف تصفية كل من يجرؤ على قول "لا" في وجه الهيمنة الإمبريالية.
كما أكدن الجبهة أن شعوب العالم التي عانت ويلات السياسات الأمريكية لن تنطلي عليها هذه التصنيفات الزائفة، وستبقى فنزويلا عصية على الانكسار، وسينكسر الحصار العسكري والسياسي أمام صمود وإرادة الشعوب الحرة.
محكمة الاحتلال تقرّر إغلاق ملف التحقيق في استشهاد الأسير وليد أحمد داخل سجن "مجدو"
أكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، وبعد متابعة قانونية حثيثة تولّتها محامية الهيئة نادية دقّة، في ملف التحقيق الخاص باستشهاد الطفل الأسير وليد أحمد (17 عامًا) من بلدة سلواد، والذي ارتقى في آذار/ مارس 2025 في سجن “مجدو”، أنّ محكمة الاحتلال في “الخضيرة” قرّرت إغلاق التحقيق، بزعم استنفاد جميع المسارات، وادعاء عدم وجود جريمة مباشرة بحق الشهيد وفق نتائج التشريح والفحوص اللاحقة الصادرة عن معهد الطب العدلي في “أبو كبير”، بالرغم من أنّ التقارير كانت قد أكدت كل ما جاء في التقارير الأولية والشهادات بخصوص آثار التجويع وتدهور الوضع الصحي لدى الطفل وليد أحمد قبل استشهاده.
ووفقًا لتقرير التشريح النهائي فقد أكّد أنّ سبب الاستشهاد المباشر يعود إلى انسداد رئوي حاد نتج عن جلطة دموية، ناجمة – وفق رواية الاحتلال – عن “تدهور صحي طويل”، وهذا ما استندت عليه المحكمة في قرارها، دون التطرق إلى أن أثر التجويع والحرمان المتعمد من العلاج المؤكدين هما سببان مركزيان في استشهاده.
ورأت المؤسستان أنّ هذا القرار، بما تضمّنه من تجاهل للمؤشرات الواضحة على جسد الشهيد التي تثبت التعذيب عن طريق التجويع والحرمان من العلاج، ليس سوى محاولة مكشوفة لحجب الأسباب الفعلية التي أوصلت الطفل وليد إلى هذا الوضع الصحي الكارثي. وفي مقدمة هذه الأسباب جريمة التجويع وسلسلة الممارسات الممنهجة داخل السجون، والتي تتحمّل المنظومة السجنية المسؤولية المباشرة عنها، باعتبارها العامل المركزي في استشهاده؛ وهو ما أكدته بوضوح نتائج التقرير الطبي الأولي الذي أُنجز بمشاركة طبيب من منظمة “أطباء لحقوق الإنسان”، وكذلك التقرير الصادر عن معهد الطب العدلي "أبو كبير".
كما شدّدت الهيئة والنادي على أنّ مسار المتابعة القضائية منذ لحظة استشهاد الطفل الشهيد كشف حجم المماطلة والتسويف المتعمّدين من شرطة أم الفحم ونيابة الاحتلال، وامتناع الطرفين عن توفير تحديثات جدّية للمحكمة، بما يعكس غياب الإرادة الحقيقية للتحقيق، والسعي المتواصل لتبديد الشبهات وإبعاد المسؤولية عن الجناة الحقيقيين الذين أدّت ممارساتهم إلى هذه النتيجة، خاصة أن الطفل وليد أحمد لم يكن يعاني من أية مشكلات صحية قبل اعتقاله.
ويأتي ذلك في سياق تغاضٍ مُمنهج عن كمّ هائل من المعطيات الموثّقة، والاعترافات العلنية الصادرة عن أجهزة الاحتلال بشأن السياسات العقابية والتجويعية التي فُرضت على الأسرى منذ بدء حرب الإبادة حتى اليوم، ما يؤكد مجددًا تورّط الجهاز القضائي في حماية هذه السياسات وترسيخ الجرائم غير المسبوقة بحق الأسرى والمعتقلين.
وأكدت المؤسستان أنّ قضية الشهيد الطفل وليد أحمد تمثّل نموذجًا صارخًا لتوجّه الاحتلال نحو قتل الأسرى وإعدامهم بطيئًا داخل السجون، انسجامًا مع سياسات حكومة الاحتلال المتطرفة التي رفعت دعوات إعدام الأسرى إلى مستوى البرنامج الرسمي.
ومن المهم التذكير بأن عدد الشهداء من الأسرى والمعتقلين منذ بدء حرب الإبادة تجاوز المئة، وقد تم التعرف رسميًا على هويات (86) منهم، فيما لا يزال عشرات الشهداء من معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري حتى الآن.
أكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، وبعد متابعة قانونية حثيثة تولّتها محامية الهيئة نادية دقّة، في ملف التحقيق الخاص باستشهاد الطفل الأسير وليد أحمد (17 عامًا) من بلدة سلواد، والذي ارتقى في آذار/ مارس 2025 في سجن “مجدو”، أنّ محكمة الاحتلال في “الخضيرة” قرّرت إغلاق التحقيق، بزعم استنفاد جميع المسارات، وادعاء عدم وجود جريمة مباشرة بحق الشهيد وفق نتائج التشريح والفحوص اللاحقة الصادرة عن معهد الطب العدلي في “أبو كبير”، بالرغم من أنّ التقارير كانت قد أكدت كل ما جاء في التقارير الأولية والشهادات بخصوص آثار التجويع وتدهور الوضع الصحي لدى الطفل وليد أحمد قبل استشهاده.
ووفقًا لتقرير التشريح النهائي فقد أكّد أنّ سبب الاستشهاد المباشر يعود إلى انسداد رئوي حاد نتج عن جلطة دموية، ناجمة – وفق رواية الاحتلال – عن “تدهور صحي طويل”، وهذا ما استندت عليه المحكمة في قرارها، دون التطرق إلى أن أثر التجويع والحرمان المتعمد من العلاج المؤكدين هما سببان مركزيان في استشهاده.
ورأت المؤسستان أنّ هذا القرار، بما تضمّنه من تجاهل للمؤشرات الواضحة على جسد الشهيد التي تثبت التعذيب عن طريق التجويع والحرمان من العلاج، ليس سوى محاولة مكشوفة لحجب الأسباب الفعلية التي أوصلت الطفل وليد إلى هذا الوضع الصحي الكارثي. وفي مقدمة هذه الأسباب جريمة التجويع وسلسلة الممارسات الممنهجة داخل السجون، والتي تتحمّل المنظومة السجنية المسؤولية المباشرة عنها، باعتبارها العامل المركزي في استشهاده؛ وهو ما أكدته بوضوح نتائج التقرير الطبي الأولي الذي أُنجز بمشاركة طبيب من منظمة “أطباء لحقوق الإنسان”، وكذلك التقرير الصادر عن معهد الطب العدلي "أبو كبير".
كما شدّدت الهيئة والنادي على أنّ مسار المتابعة القضائية منذ لحظة استشهاد الطفل الشهيد كشف حجم المماطلة والتسويف المتعمّدين من شرطة أم الفحم ونيابة الاحتلال، وامتناع الطرفين عن توفير تحديثات جدّية للمحكمة، بما يعكس غياب الإرادة الحقيقية للتحقيق، والسعي المتواصل لتبديد الشبهات وإبعاد المسؤولية عن الجناة الحقيقيين الذين أدّت ممارساتهم إلى هذه النتيجة، خاصة أن الطفل وليد أحمد لم يكن يعاني من أية مشكلات صحية قبل اعتقاله.
ويأتي ذلك في سياق تغاضٍ مُمنهج عن كمّ هائل من المعطيات الموثّقة، والاعترافات العلنية الصادرة عن أجهزة الاحتلال بشأن السياسات العقابية والتجويعية التي فُرضت على الأسرى منذ بدء حرب الإبادة حتى اليوم، ما يؤكد مجددًا تورّط الجهاز القضائي في حماية هذه السياسات وترسيخ الجرائم غير المسبوقة بحق الأسرى والمعتقلين.
وأكدت المؤسستان أنّ قضية الشهيد الطفل وليد أحمد تمثّل نموذجًا صارخًا لتوجّه الاحتلال نحو قتل الأسرى وإعدامهم بطيئًا داخل السجون، انسجامًا مع سياسات حكومة الاحتلال المتطرفة التي رفعت دعوات إعدام الأسرى إلى مستوى البرنامج الرسمي.
ومن المهم التذكير بأن عدد الشهداء من الأسرى والمعتقلين منذ بدء حرب الإبادة تجاوز المئة، وقد تم التعرف رسميًا على هويات (86) منهم، فيما لا يزال عشرات الشهداء من معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري حتى الآن.
هجرة عكسية للكفاءات الأكاديمية من "إسرائيل" خلال 2024
أظهرت بيانات رسمية عبرية تحوّل “إسرائيل” خلال عام 2024 إلى ميزان هجرة سلبي في صفوف الأكاديميين، مع مغادرة أعداد متزايدة من أصحاب الكفاءات العلمية إلى الخارج، مقابل تراجع ملحوظ في أعداد العائدين، وذلك على خلفية الحرب المستمرة وحالة الاضطراب السياسي الداخلي.
وبحسب معطيات صادرة عن دائرة الإحصاء المركزية "الإسرائيلية"، فإن المهاجرين من الأكاديميين يتميّزون بكونهم في الغالب من الفئات الشابة، وذوي مستويات تعليمية مرتفعة، وينحدرون من مناطق ذات أوضاع اقتصادية ميسورة، ولا سيما من منطقتي تل أبيب و”هشارون”.
وتشير الإحصاءات، المرتبطة بفترة الحرب والجدل الواسع حول التعديلات القضائية، إلى أن هذا التوجّه لم يعد عابرًا أو مؤقتًا، بل بات يتخذ طابعًا تصاعديًا مع مرور الوقت.
ووفق البيانات، يعيش اليوم أكثر من ربع الحاصلين على درجة الدكتوراه في الرياضيات خارج "إسرائيل"، بنسبة تبلغ 25.4%.
كما يقيم في الخارج 21.7% من حاملي الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19.4% من المتخصصين في علم الوراثة، و17.3% من خريجي علم الأحياء الدقيقة، و17% من خريجي الفيزياء.
وتسجّل نسب تقارب 14% بين خريجي الدكتوراه في تخصصات الكيمياء، والهندسة الكهربائية، وعلوم الأحياء.
وعلى مستوى المؤسسات الأكاديمية، أظهرت المعطيات أن 23% من خريجي الدكتوراه من معهد وايزمان يقيمون حاليًا خارج البلاد، إلى جانب 18.2% من خريجي التخنيون، و15% من خريجي الدكتوراه في التخصصات العلمية من جامعة تل أبيب.
كما يعيش في الخارج 10% من خريجي الدكتوراه في العلوم من جامعة مستوطنة أريئيل، و7% من خريجي الدكتوراه من جامعة بار إيلان.
وبصورة عامة، تفيد الأرقام بأنه اعتبارًا من عام 2024، يقيم نحو 11.9% من "الإسرائيليين "الحاصلين على درجة الدكتوراه خارج “إسرائيل”، إضافة إلى 8.1% من حاملي درجة الماجستير، ما يعكس اتساع ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية في ظل الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة.
أظهرت بيانات رسمية عبرية تحوّل “إسرائيل” خلال عام 2024 إلى ميزان هجرة سلبي في صفوف الأكاديميين، مع مغادرة أعداد متزايدة من أصحاب الكفاءات العلمية إلى الخارج، مقابل تراجع ملحوظ في أعداد العائدين، وذلك على خلفية الحرب المستمرة وحالة الاضطراب السياسي الداخلي.
وبحسب معطيات صادرة عن دائرة الإحصاء المركزية "الإسرائيلية"، فإن المهاجرين من الأكاديميين يتميّزون بكونهم في الغالب من الفئات الشابة، وذوي مستويات تعليمية مرتفعة، وينحدرون من مناطق ذات أوضاع اقتصادية ميسورة، ولا سيما من منطقتي تل أبيب و”هشارون”.
وتشير الإحصاءات، المرتبطة بفترة الحرب والجدل الواسع حول التعديلات القضائية، إلى أن هذا التوجّه لم يعد عابرًا أو مؤقتًا، بل بات يتخذ طابعًا تصاعديًا مع مرور الوقت.
ووفق البيانات، يعيش اليوم أكثر من ربع الحاصلين على درجة الدكتوراه في الرياضيات خارج "إسرائيل"، بنسبة تبلغ 25.4%.
كما يقيم في الخارج 21.7% من حاملي الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19.4% من المتخصصين في علم الوراثة، و17.3% من خريجي علم الأحياء الدقيقة، و17% من خريجي الفيزياء.
وتسجّل نسب تقارب 14% بين خريجي الدكتوراه في تخصصات الكيمياء، والهندسة الكهربائية، وعلوم الأحياء.
وعلى مستوى المؤسسات الأكاديمية، أظهرت المعطيات أن 23% من خريجي الدكتوراه من معهد وايزمان يقيمون حاليًا خارج البلاد، إلى جانب 18.2% من خريجي التخنيون، و15% من خريجي الدكتوراه في التخصصات العلمية من جامعة تل أبيب.
كما يعيش في الخارج 10% من خريجي الدكتوراه في العلوم من جامعة مستوطنة أريئيل، و7% من خريجي الدكتوراه من جامعة بار إيلان.
وبصورة عامة، تفيد الأرقام بأنه اعتبارًا من عام 2024، يقيم نحو 11.9% من "الإسرائيليين "الحاصلين على درجة الدكتوراه خارج “إسرائيل”، إضافة إلى 8.1% من حاملي درجة الماجستير، ما يعكس اتساع ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية في ظل الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة.
شواهد من تاريخ الإسلام وفلاسفة الغرب: إلقاء السلاح ينتهي كذبح الغنم
كريم حداد
في الذاكرة التاريخية الإسلامية رواياتٌ قاسية لا تُستعاد بدافع التشفّي ولا بغرض الإثارة، بل لأنها تكشف منطقاً عارياً للسلطة حين تُطلَق من أي قيد أخلاقي أو سياسي.
من بين هذه الروايات ما يُنقل عن مقتل الآلاف من أنصار المختار الثقفي بعد استسلامهم لمصعب بن الزبير سنة 67هـ، وهي الحادثة التي نُسب فيها إلى عبد الله بن عمر قوله المشهور: «لو كانوا غنماً لكان هذا إسرافاً». ليست هذه العبارة مجرّد تعليق أخلاقي عابر، بل شهادة تاريخية على إدراك مبكّر لمعنى الإبادة.
ترد هذه الحادثة في عدد من المصادر التاريخية الأساسية. يذكرها الطبري في (تاريخ الرسل والملوك) عند حديثه عن دخول مصعب بن الزبير الكوفة بعد مقتل المختار، ويورد أخباراً متضافرة عن قتل أعداد كبيرة من أتباعه، خاصة من الموالي، بعد أن أُعطوا الأمان أو بعد استسلامهم. كما يذكر البلاذري في (أنساب الأشراف) أخباراً قريبة المضمون، تشير إلى أن مصعباً أقام محاكمات صورية انتهت بقتل جماعي واسع. ويورد ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) أن القتل تجاوز الضرورة العسكرية وتحوّل إلى سياسة انتقامية.
أمّا تعليق عبد الله بن عمر، فقد أورده أكثر من مصدر بوصفه تعبيراً عن الصدمة الأخلاقية من حجم القتل، لا عن تعاطف سياسي مع المختار.
من حيث المنهج التاريخي، فإن تعدّد طرق الرواية، وتوافقها في الجوهر، وورودها في مصادر مختلفة الاتجاهات المذهبية والسياسية، كل ذلك يمنحها درجة مُعتبرة من المصداقية، حتى مع اختلاف الأرقام الدقيقة للضحايا.
في المفهوم العسكري التقليدي، يُفترض أن الاستسلام نهاية القتال وبداية الحماية: إلقاء السلاح مقابل حفظ الحياة. لكن ما تكشفه هذه الحادثة هو أن الاستسلام قد يتحوّل، في سياق صراعات عميقة، إلى نقطة انكشاف وجودي، لا إلى ملاذ. حين تُجرَّد الجماعة من قدرتها على المقاومة، وتُسلِّم مصيرها كاملاً لخصم لا يعترف بشرعيتها الإنسانية، يصبح الاستسلام انتقالاً من خطر الموت إلى يقين الإبادة.
أنصار المختار، مهما اختلف التقييم السياسي أو العقدي لحركتهم، لم يُقتلوا لأنهم كانوا يقاتلون، بل لأنهم توقّفوا عن القتال. هنا ينقلب المنطق: الحياة لا تُكافأ بالاستسلام، بل تُعاقَب به. وما جرى بعد دخول مصعب بن الزبير الكوفة لم يكن مجرّد تصفية حسابات، بل ممارسة سياسة ردعية رمزية. لم يكن القتل الجماعي موجّهاً فقط إلى المهزومين، بل إلى كل من قد يفكّر مستقبلاً في القتال. الرسالة واضحة: الهزيمة لا تعني النجاة، والاستسلام لا يمنح الأمان.
في هذا السياق، تصبح عبارة ابن عمر شديدة الدلالة. فهو لا يناقش شرعية المختار ولا مشروعية قتال مصعب، بل يقف عند حدّ أخلاقي كوني: حتى الذبح الحيواني له معيار، وتجاوزه يُسمّى إسرافاً. فكيف إذا كان المذبوحون بشراً مستسلمين؟
لا يكمن الخطر الوجودي للاستسلام فقط في فقدان القدرة على الدفاع، بل في فقدان المعنى السياسي والأخلاقي للذات. الجماعة التي تستسلم، وتُقتل رغم ذلك، تُمحى من التاريخ بوصفها فاعلاً، وتُعاد كتابتها كـ«خطأ» يجب محوه. القتل هنا ليس إنهاءً لحياة أفراد، بل محاولة لإلغاء سردية كاملة، وقطع أي استمرارية رمزية لها.
هذا ما يفسّر لماذا كان معظم الضحايا من الموالي: فهؤلاء لم يكونوا فقط أنصاراً عسكريين، بل كانوا تجسيداً لتهديد اجتماعي لبنية السلطة الأموية- الزبيرية التقليدية. لم يشفع لهم استسلامهم، لأن وجودهم ذاته كان يُقرأ بوصفه خللاً في النظام القائم.
ليست هذه الحادثة درساً تاريخياً معزولاً، إنها نموذج متكرّر في التاريخ القديم والحديث: حين تتحوّل الصراعات إلى صراعات وجود، يصبح الاستسلام وهماً أخلاقياً.
في مثل هذه السياقات، لا يُنظر إلى الخصم المهزوم كإنسان خرج من المعركة، بل كـ«بقايا خطر» يجب إزالته.
الخطورة هنا أن الخطاب الذي يروّج للاستسلام بوصفه خياراً عقلانياً أو إنسانياً قد يتجاهل طبيعة الطرف المنتصر، ومنطقه، وسرديته. فالاستسلام لا يكون ضمانة إلا إذا كان الخصم يعترف بحدّ أدنى من القيم المشتركة، وبإنسانية العدو بعد هزيمته.
لا يدعو استحضار هذه الرواية إلى تمجيد العنف ولا إلى تقديس القتال، بل إلى تفكيك وهم الحياد الأخلاقي للاستسلام. فليس كل استسلام نجاة، وليس كل استمرار في المقاومة تهوّراً. السؤال الحاسم ليس: هل نُهزم أو ننتصر؟ بل: هل يعترف الطرف الآخر بحقّنا في الحياة بعد الهزيمة؟
حين يكون الجواب سلبياً، يصبح الاستسلام خطراً وجودياً، لا خياراً عقلانياً. وهذا ما فهمه عبد الله بن عمر تلقائياً حين رأى في قتل المستسلمين إسرافاً يتجاوز حتى منطق الذبح الحيواني. إنها لحظة تاريخية تذكّرنا بأن الأخلاق لا تُقاس فقط بمن انتصر، بل بكيف عامل المهزوم حين لم يعد قادراً على الدفاع عن نفسه.
في هذا المعنى، تبقى حادثة أنصار المختار الثقفي تحذيراً دائماً: في الصراعات، لا يكون الخطر في السلاح، بل في إلقائه.
في اللغة اليومية يبدو الاستسلام موقفاً محايداً أخلاقياً: قرار عقلاني لتفادي الخسارة، أو فعل حكمة يضع الحياة فوق المبادئ. غير أن هذا التصوّر يخفي وهماً عميقاً. فالاستسلام ليس دائماً خروجاً من العنف، بل قد يكون دخولاً في شكل آخر منه؛ عنف صامت، بارد، وجودي، يطاول المعنى قبل أن يطاول الجسد. في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى تفكيك وهم الحياد الأخلاقي للاستسلام، والنظر إليه بوصفه لحظة فلسفية حرجة، تُختبر فيها علاقة الإنسان بذاته، وبالسلطة، وبالاعتراف.
ترى حنة أرندت أن السياسة تقوم على الظهور في الفضاء العام بوصفنا كائنات فاعلة، قادرة على الكلام والفعل. في كتابها (في العنف وأصول التوتاليتارية)، تميّز أرندت بين السلطة التي تقوم على القبول والشرعية، والعنف الذي يظهر حين تنهار هذه السلطة. في هذا الإطار، لا يكون الاستسلام فعلاً محايداً حين يُفرَض من سلطة لا تعترف بالمستسلم كفاعل سياسي، بل كشيء يجب إدارته أو التخلّص منه. فالاستسلام هنا لا ينهي الصراع، بل ينهي الظهور السياسي للذات. إنه انتقال من كائن يُخاطَب إلى كائن يُدار.
هذا ما يجعل الاستسلام خطراً وجودياً: لأنه لا يسلب الإنسان أدواته فحسب، بل يسلبه صفة الفاعلية التي تُعرّف وجوده السياسي. وحين تُمحى هذه الصفة، يصبح القتل – إن حدث – مجرد إجراء إداري، لا جريمة أخلاقية.
ويذهب ألبير كامو، في (الإنسان المتمرّد)، إلى أن التمرّد ليس حباً في العنف، بل رفضٌ للَّامعنى الذي يُفرَض على الإنسان باسم القدر أو القوة. التمرّد عند كامو هو لحظة قول «لا» التي تؤسّس لـ«نعم» أعمق: نعم للكرامة، للحدّ، للإنسان.
من هذا المنظور، يصبح الاستسلام – حين يكون تنازلاً عن هذا الحدّ – خيانة للذات قبل أن يكون تنازلاً سياسياً. ليس لأن المقاومة قيمة مطلقة، بل لأن القبول بالمهانة بوصفها قدراً يدمّر المعنى الذي يجعل الحياة قابلة للعيش. لا يمجّد كامو الانتحار، لكنه يرى أن الحياة بلا كرامة ليست حياة أخلاقية. لذلك فإن الاستسلام الذي يُفضي إلى محو الكرامة ليس حياداً، بل اختيار للعبث.
ويقدّم فرانز فانون، في (معذّبو الأرض)، أحد أكثر التحليلات راديكالية للاستسلام، خصوصاً في سياق الاستعمار. بالنسبة إلى فانون، لا يكون الاستسلام خياراً فردياً بريئاً، لأن بنية الهيمنة الاستعمارية لا تعترف أصلاً بإنسانية الخاضع. المُستعمَر، حتى وهو مستسلم، يظل موضوعاً للسيطرة، لا شريكاً في عقد أخلاقي.
في هذا السياق، يصبح الاستسلام إعادة إنتاج للعنف، لا إنهاءً له. فهو يكرّس صورة الذات بوصفها ناقصة، غير جديرة بالاعتراف. لذلك يرى فانون أن المقاومة ليست فقط فعلاً عسكرياً، بل عملية إعادة تكوين للذات، استعادة للصوت، وللجسد، وللحق في تسمية العالم. الاستسلام هنا ليس خياراً سلمياً، بل هو قبولٌ بموت رمزي طويل.
من زاوية مختلفة، يقدّم فريدريش نيتشه نقداً جذرياً للأخلاق التي تمجّد الخضوع باسم الفضيلة. في (في جينالوجيا الأخلاق)، يرى نيتشه أن تمجيد التواضع والاستسلام قد يكون تعبيراً عن أخلاق عبيد حوّلت العجز إلى قيمة. لا يعني هذا أن نيتشه يدعو إلى العنف، بل إلى كشف الآليات النفسية التي تجعل الإنسان يتصالح مع سحقه الذاتي.
الاستسلام، وفق هذا المنطق، قد يكون شكلاً من الانتقام المؤجّل: تبرير الضعف باسم الأخلاق، وتحويل الهزيمة إلى تفوّق أخلاقي زائف. الخطر الوجودي هنا لا يكمن في الموت، بل في التحلّل الداخلي، في أن يتبنّى الإنسان سردية خصمه عن نفسه.
قد يبدو إيمانويل ليفيناس، بفلسفته الأخلاقية القائمة على أولوية الآخر، مدافعاً عن السلام بأي ثمن. غير أن قراءة دقيقة تُظهر أنه يربط الأخلاق بالمسؤولية، لا بالإلغاء الذاتي. فالوجه، عند ليفيناس، يطالبني بالاعتراف، لا بالاختفاء. الاستسلام الذي يمحو الذات ويمنعها من الظهور كمسؤول وكمسؤول عنه، يناقض الأخلاق لا يحقّقها.
الأخلاق هنا ليست النجاة الجسدية، بل الاعتراف المتبادل. وحين يكون الاستسلام طريقاً إلى نفي هذا الاعتراف، فإنه يتحوّل إلى خطر وجودي، حتى لو أنقذ الجسد مؤقّتاً.
إنّ تفكيك وهم الحياد الأخلاقي للاستسلام يكشف أنه ليس مجرّد إجراء لإنهاء صراع، بل قرار يمسّ معنى الوجود ذاته. فحين لا يعترف الطرف الآخر بإنسانيتك بعد الاستسلام، يصبح هذا الفعل تخلّياً عن الذات السياسية والأخلاقية، لا تعبيراً عن الحكمة.
إنّ الفلاسفة، على اختلافهم، يلتقون عند نقطة واحدة: الحياة لا تُقاس بطولها، بل بقدرتها على حمل معنى. وحين يكون الاستسلام طريقاً إلى فقدان هذا المعنى، يصبح خطراً وجودياً، لا خياراً محايداً. في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: هل ننجو؟ بل: من نكون إن نجونا بلا كرامة؟
كريم حداد
في الذاكرة التاريخية الإسلامية رواياتٌ قاسية لا تُستعاد بدافع التشفّي ولا بغرض الإثارة، بل لأنها تكشف منطقاً عارياً للسلطة حين تُطلَق من أي قيد أخلاقي أو سياسي.
من بين هذه الروايات ما يُنقل عن مقتل الآلاف من أنصار المختار الثقفي بعد استسلامهم لمصعب بن الزبير سنة 67هـ، وهي الحادثة التي نُسب فيها إلى عبد الله بن عمر قوله المشهور: «لو كانوا غنماً لكان هذا إسرافاً». ليست هذه العبارة مجرّد تعليق أخلاقي عابر، بل شهادة تاريخية على إدراك مبكّر لمعنى الإبادة.
ترد هذه الحادثة في عدد من المصادر التاريخية الأساسية. يذكرها الطبري في (تاريخ الرسل والملوك) عند حديثه عن دخول مصعب بن الزبير الكوفة بعد مقتل المختار، ويورد أخباراً متضافرة عن قتل أعداد كبيرة من أتباعه، خاصة من الموالي، بعد أن أُعطوا الأمان أو بعد استسلامهم. كما يذكر البلاذري في (أنساب الأشراف) أخباراً قريبة المضمون، تشير إلى أن مصعباً أقام محاكمات صورية انتهت بقتل جماعي واسع. ويورد ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) أن القتل تجاوز الضرورة العسكرية وتحوّل إلى سياسة انتقامية.
أمّا تعليق عبد الله بن عمر، فقد أورده أكثر من مصدر بوصفه تعبيراً عن الصدمة الأخلاقية من حجم القتل، لا عن تعاطف سياسي مع المختار.
من حيث المنهج التاريخي، فإن تعدّد طرق الرواية، وتوافقها في الجوهر، وورودها في مصادر مختلفة الاتجاهات المذهبية والسياسية، كل ذلك يمنحها درجة مُعتبرة من المصداقية، حتى مع اختلاف الأرقام الدقيقة للضحايا.
في المفهوم العسكري التقليدي، يُفترض أن الاستسلام نهاية القتال وبداية الحماية: إلقاء السلاح مقابل حفظ الحياة. لكن ما تكشفه هذه الحادثة هو أن الاستسلام قد يتحوّل، في سياق صراعات عميقة، إلى نقطة انكشاف وجودي، لا إلى ملاذ. حين تُجرَّد الجماعة من قدرتها على المقاومة، وتُسلِّم مصيرها كاملاً لخصم لا يعترف بشرعيتها الإنسانية، يصبح الاستسلام انتقالاً من خطر الموت إلى يقين الإبادة.
أنصار المختار، مهما اختلف التقييم السياسي أو العقدي لحركتهم، لم يُقتلوا لأنهم كانوا يقاتلون، بل لأنهم توقّفوا عن القتال. هنا ينقلب المنطق: الحياة لا تُكافأ بالاستسلام، بل تُعاقَب به. وما جرى بعد دخول مصعب بن الزبير الكوفة لم يكن مجرّد تصفية حسابات، بل ممارسة سياسة ردعية رمزية. لم يكن القتل الجماعي موجّهاً فقط إلى المهزومين، بل إلى كل من قد يفكّر مستقبلاً في القتال. الرسالة واضحة: الهزيمة لا تعني النجاة، والاستسلام لا يمنح الأمان.
في هذا السياق، تصبح عبارة ابن عمر شديدة الدلالة. فهو لا يناقش شرعية المختار ولا مشروعية قتال مصعب، بل يقف عند حدّ أخلاقي كوني: حتى الذبح الحيواني له معيار، وتجاوزه يُسمّى إسرافاً. فكيف إذا كان المذبوحون بشراً مستسلمين؟
لا يكمن الخطر الوجودي للاستسلام فقط في فقدان القدرة على الدفاع، بل في فقدان المعنى السياسي والأخلاقي للذات. الجماعة التي تستسلم، وتُقتل رغم ذلك، تُمحى من التاريخ بوصفها فاعلاً، وتُعاد كتابتها كـ«خطأ» يجب محوه. القتل هنا ليس إنهاءً لحياة أفراد، بل محاولة لإلغاء سردية كاملة، وقطع أي استمرارية رمزية لها.
هذا ما يفسّر لماذا كان معظم الضحايا من الموالي: فهؤلاء لم يكونوا فقط أنصاراً عسكريين، بل كانوا تجسيداً لتهديد اجتماعي لبنية السلطة الأموية- الزبيرية التقليدية. لم يشفع لهم استسلامهم، لأن وجودهم ذاته كان يُقرأ بوصفه خللاً في النظام القائم.
ليست هذه الحادثة درساً تاريخياً معزولاً، إنها نموذج متكرّر في التاريخ القديم والحديث: حين تتحوّل الصراعات إلى صراعات وجود، يصبح الاستسلام وهماً أخلاقياً.
في مثل هذه السياقات، لا يُنظر إلى الخصم المهزوم كإنسان خرج من المعركة، بل كـ«بقايا خطر» يجب إزالته.
الخطورة هنا أن الخطاب الذي يروّج للاستسلام بوصفه خياراً عقلانياً أو إنسانياً قد يتجاهل طبيعة الطرف المنتصر، ومنطقه، وسرديته. فالاستسلام لا يكون ضمانة إلا إذا كان الخصم يعترف بحدّ أدنى من القيم المشتركة، وبإنسانية العدو بعد هزيمته.
لا يدعو استحضار هذه الرواية إلى تمجيد العنف ولا إلى تقديس القتال، بل إلى تفكيك وهم الحياد الأخلاقي للاستسلام. فليس كل استسلام نجاة، وليس كل استمرار في المقاومة تهوّراً. السؤال الحاسم ليس: هل نُهزم أو ننتصر؟ بل: هل يعترف الطرف الآخر بحقّنا في الحياة بعد الهزيمة؟
حين يكون الجواب سلبياً، يصبح الاستسلام خطراً وجودياً، لا خياراً عقلانياً. وهذا ما فهمه عبد الله بن عمر تلقائياً حين رأى في قتل المستسلمين إسرافاً يتجاوز حتى منطق الذبح الحيواني. إنها لحظة تاريخية تذكّرنا بأن الأخلاق لا تُقاس فقط بمن انتصر، بل بكيف عامل المهزوم حين لم يعد قادراً على الدفاع عن نفسه.
في هذا المعنى، تبقى حادثة أنصار المختار الثقفي تحذيراً دائماً: في الصراعات، لا يكون الخطر في السلاح، بل في إلقائه.
في اللغة اليومية يبدو الاستسلام موقفاً محايداً أخلاقياً: قرار عقلاني لتفادي الخسارة، أو فعل حكمة يضع الحياة فوق المبادئ. غير أن هذا التصوّر يخفي وهماً عميقاً. فالاستسلام ليس دائماً خروجاً من العنف، بل قد يكون دخولاً في شكل آخر منه؛ عنف صامت، بارد، وجودي، يطاول المعنى قبل أن يطاول الجسد. في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى تفكيك وهم الحياد الأخلاقي للاستسلام، والنظر إليه بوصفه لحظة فلسفية حرجة، تُختبر فيها علاقة الإنسان بذاته، وبالسلطة، وبالاعتراف.
ترى حنة أرندت أن السياسة تقوم على الظهور في الفضاء العام بوصفنا كائنات فاعلة، قادرة على الكلام والفعل. في كتابها (في العنف وأصول التوتاليتارية)، تميّز أرندت بين السلطة التي تقوم على القبول والشرعية، والعنف الذي يظهر حين تنهار هذه السلطة. في هذا الإطار، لا يكون الاستسلام فعلاً محايداً حين يُفرَض من سلطة لا تعترف بالمستسلم كفاعل سياسي، بل كشيء يجب إدارته أو التخلّص منه. فالاستسلام هنا لا ينهي الصراع، بل ينهي الظهور السياسي للذات. إنه انتقال من كائن يُخاطَب إلى كائن يُدار.
هذا ما يجعل الاستسلام خطراً وجودياً: لأنه لا يسلب الإنسان أدواته فحسب، بل يسلبه صفة الفاعلية التي تُعرّف وجوده السياسي. وحين تُمحى هذه الصفة، يصبح القتل – إن حدث – مجرد إجراء إداري، لا جريمة أخلاقية.
ويذهب ألبير كامو، في (الإنسان المتمرّد)، إلى أن التمرّد ليس حباً في العنف، بل رفضٌ للَّامعنى الذي يُفرَض على الإنسان باسم القدر أو القوة. التمرّد عند كامو هو لحظة قول «لا» التي تؤسّس لـ«نعم» أعمق: نعم للكرامة، للحدّ، للإنسان.
من هذا المنظور، يصبح الاستسلام – حين يكون تنازلاً عن هذا الحدّ – خيانة للذات قبل أن يكون تنازلاً سياسياً. ليس لأن المقاومة قيمة مطلقة، بل لأن القبول بالمهانة بوصفها قدراً يدمّر المعنى الذي يجعل الحياة قابلة للعيش. لا يمجّد كامو الانتحار، لكنه يرى أن الحياة بلا كرامة ليست حياة أخلاقية. لذلك فإن الاستسلام الذي يُفضي إلى محو الكرامة ليس حياداً، بل اختيار للعبث.
ويقدّم فرانز فانون، في (معذّبو الأرض)، أحد أكثر التحليلات راديكالية للاستسلام، خصوصاً في سياق الاستعمار. بالنسبة إلى فانون، لا يكون الاستسلام خياراً فردياً بريئاً، لأن بنية الهيمنة الاستعمارية لا تعترف أصلاً بإنسانية الخاضع. المُستعمَر، حتى وهو مستسلم، يظل موضوعاً للسيطرة، لا شريكاً في عقد أخلاقي.
في هذا السياق، يصبح الاستسلام إعادة إنتاج للعنف، لا إنهاءً له. فهو يكرّس صورة الذات بوصفها ناقصة، غير جديرة بالاعتراف. لذلك يرى فانون أن المقاومة ليست فقط فعلاً عسكرياً، بل عملية إعادة تكوين للذات، استعادة للصوت، وللجسد، وللحق في تسمية العالم. الاستسلام هنا ليس خياراً سلمياً، بل هو قبولٌ بموت رمزي طويل.
من زاوية مختلفة، يقدّم فريدريش نيتشه نقداً جذرياً للأخلاق التي تمجّد الخضوع باسم الفضيلة. في (في جينالوجيا الأخلاق)، يرى نيتشه أن تمجيد التواضع والاستسلام قد يكون تعبيراً عن أخلاق عبيد حوّلت العجز إلى قيمة. لا يعني هذا أن نيتشه يدعو إلى العنف، بل إلى كشف الآليات النفسية التي تجعل الإنسان يتصالح مع سحقه الذاتي.
الاستسلام، وفق هذا المنطق، قد يكون شكلاً من الانتقام المؤجّل: تبرير الضعف باسم الأخلاق، وتحويل الهزيمة إلى تفوّق أخلاقي زائف. الخطر الوجودي هنا لا يكمن في الموت، بل في التحلّل الداخلي، في أن يتبنّى الإنسان سردية خصمه عن نفسه.
قد يبدو إيمانويل ليفيناس، بفلسفته الأخلاقية القائمة على أولوية الآخر، مدافعاً عن السلام بأي ثمن. غير أن قراءة دقيقة تُظهر أنه يربط الأخلاق بالمسؤولية، لا بالإلغاء الذاتي. فالوجه، عند ليفيناس، يطالبني بالاعتراف، لا بالاختفاء. الاستسلام الذي يمحو الذات ويمنعها من الظهور كمسؤول وكمسؤول عنه، يناقض الأخلاق لا يحقّقها.
الأخلاق هنا ليست النجاة الجسدية، بل الاعتراف المتبادل. وحين يكون الاستسلام طريقاً إلى نفي هذا الاعتراف، فإنه يتحوّل إلى خطر وجودي، حتى لو أنقذ الجسد مؤقّتاً.
إنّ تفكيك وهم الحياد الأخلاقي للاستسلام يكشف أنه ليس مجرّد إجراء لإنهاء صراع، بل قرار يمسّ معنى الوجود ذاته. فحين لا يعترف الطرف الآخر بإنسانيتك بعد الاستسلام، يصبح هذا الفعل تخلّياً عن الذات السياسية والأخلاقية، لا تعبيراً عن الحكمة.
إنّ الفلاسفة، على اختلافهم، يلتقون عند نقطة واحدة: الحياة لا تُقاس بطولها، بل بقدرتها على حمل معنى. وحين يكون الاستسلام طريقاً إلى فقدان هذا المعنى، يصبح خطراً وجودياً، لا خياراً محايداً. في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: هل ننجو؟ بل: من نكون إن نجونا بلا كرامة؟
التوجهات العامة لوثيقة "استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة الأميركية - ٢٠٢٥" :
الوثيقة مرتبطة برؤية ترامب لإعادة القوة الأمريكية في مرحلة تعدد الأقطاب!!
اعتراف أمريكي بانحسار عهد الهيمنة الأمريكية أحادية القطب على العالم
تركيز الدور الأمريكي على نصف الكرة الغربي وأمريكا اللاتينية
إعادة توزيع الوجود العسكري الأمريكي في الخارج وتحميل الحلفاء بنفقات دفاعهم
عدم السماح لقوى معادية بالهيمنة على الشرق الأوسط وضمان وصول سلاسل إمدادات آمنة
الصين هي الخطر الأكبر ويجب إقامة علاقات متوازنة معها ورفض التغير الأحادي في تايوان
"الشيوعي المصري" يؤكد:
التغير العالمي يوفر ظرفاً مساعداً للتخلص من التبعية والشروع في تنمية وطنية
يكشف التوجه العام لوثيقة "استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة الأميركية – الصادرة في نوفمبر ٢٠٢٥" عن المحاور الرئيسية التالية:
أولاً- أن الوثيقة التي أعدها ترامب، مرتبطة برؤيته الشخصية. في صدارة الوثيقة يقول ترامب: "على مدى الأشهر التسعة الماضية تمكنا من انتشال وطننا – والعالم- من حافة الكارثة والدمار، بعد أربع سنوات من الضعف والتطرف والإخفاقات القاتلة، تحركت إدارتي بسرعة تاريخية وبعجلة قصوى لاستعادة قوة أمريكا في الداخل والخارج."
وبصرف النظر عن صحة هذه العبارة من عدمها، فإنها توضح أن الوثيقة مرتبطة بفترة وجوده رئيساً للولايات المتحدة، وأن الكثير من تفاصيلها في القضايا الخارجية والداخلية قابلة للتغيير مع وجود رئيس آخر ديمقراطي أو حتى جمهوري، وإن كان التوجه الاستراتيجي العام سيظل ثابتاً في الوثيقة الحالية وفي ما سبقها وما سيليها حتى تتغير بنية النظام السياسي الأمريكي.
ثانياً- يضيف ترامب في صدارة الوثيقة: "في كل ما نفعله نضع أمريكا أولاً" وهو الشعار الترامبي المعبر عن رؤية براجماتية لكل القضايا الخارجية والداخلية المتعلقة بالولايات المتحدة تتخلل كل تفاصيل الوثيقة.
ثالثاً- لم تغير الوثيقة في توجهها العام الاستراتيجية الأمريكية المتضمنة في كل تقارير استراتيجية الأمن الوطني الأمريكية السابقة، إذ تؤكد على اعتبار الصين الخطر الأكبر عليها، وإن كانت لم تصفها صراحة بالعدو الاستراتيجي كما ورد في التقارير السابقة على ترامب، وإن كانت قد ركزت على الخطر الصيني الأكبر على الاقتصاد الأمريكي، كما تكشف الوثيقة عن استمرار سياسة أمريكا العدوانية، خاصة في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية، وتؤكد أيضاًعلى عدم السماح لـ"قوى معادية" حسب نص الوثيقة بالهيمنة على الشرق الأوسط.
تقول الوثيقة: "منذ يومي الأول في المنصب استعادت الولايات المتحدة حدودها السيادية، ونشرنا القوات المسلحة الأمريكية لوقف غزو بلادنا. تخلصنا من الأيديولوجيا الجندرية الراديكالية والجنون المستيقظ داخل قواتنا المسلحة، وبدأنا تعزيز جيشنا باستثمار بلغ تريليون دولار."
وتضيف: دمرنا قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم بالكامل، وصنفت الكارتيلات المنخرطة في تجارة المخدرات والعصابات الأجنبية الوحشية التي تنشط في منطقتنا كمنظمات إرهابية."
رابعاً- عبرت الوثيقة عن واقع لا يمكن إنكاره، يتمثل في الاعتراف بأن عصر الهيمنة الأمريكية الأحادية على العالم قد انتهى، وهو ما أشار له الحزب الشيوعي المصري منذ سنوات في العديد من وثائقه وبياناته. وأنه لم يعد بمقدور أمريكا تحمل الاستنزاف في ما أسمته الوثيقة "حروب اللانهاية" أو "تحمل نفقات الدفاع عن حلفائها".
تقول الوثيقة: "أعدنا بناء تحالفاتنا، وجعلنا حلفاءنا يساهمون أكثر في دفاعنا المشترك، بما في ذلك التزام تاريخي من دول الناتو برفع الإنفاق الدفاعي من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي."
خامساً- إن استراتيجية ترامب الواردة في الوثيقة تعيد ترتيب الأولويات والمناطق التي تتدخل فيها بالقوة العسكرية الولايات المتحدة الأمريكية.
وحسب تعريف الوثيقة للاستراتيجية الأمريكية "ليس كل دولة أو منطقة أو قضية أو هدف – مهما كان جديراً بالاهتمام- يمكن أن يكون في صميم الاستراتيجية الأمريكية."
وتضيف: "بعد نهاية الحرب الباردة أقنع قادة السياسة الخارجية في الولايات المتحدة أنفسهم بأن السيطرة الأمريكية الدائمة على العالم بأكمله تصب في مصلحة البلاد.. لقد أخطأت النخب الأمريكية في حساب مدى استعداد الشعب الأمريكي لتحمل أعباء عالمية إلى أجل غير مسمى بينما لم ير المواطنون أي صلة بين هذه الأعباء وبين مصالحهم الوطنية، كما بالغوا في تقدير قدرة أمريكا على تمويل دولة الرعاية والأنظمة الإدارية والتنظيمية الضخمة في الوقت نفسه الذي تمول فيه مجمعاً عسكرياً دبلوماسياً استخباراتياً تنموياً واسعاً، وقد راهنوا بشكل خاطئ ومدمر على العولمة وما يسمى "التجارة الحرة" الأمر الذي أدى إلى تفريغ الطبقة الوسطى والقاعدة الصناعية التي تقوم عليها الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، وسمحوا للحلفاء والشركاء بنقل تكاليف دفاعهم إلى الشعب الأمريكي، وأحياناً بجر الولايات المتحدة إلى صراعات ومنافسات لم تكن في مصلحتها ولا تخدم أمنها ولا يريدها الشعب الأمريكي."
سادساً- ما تريده إدارة ترامب في استراتيجية الأمن الوطني لا يختلف عما ورد في التقارير الأمريكية السابقة عليه وخاصة في ما يتعلق حسب نص الوثيقة بـ:
1- تجنيد وتدريب وتسليح ونشر أقوى جيش في العالم، جيشاً يتمتع بأعلى درجات القوة والفتك والتقدم التكنولوجي.
2- أقوى وأوثق وأكثر حداثة لقوة الردع النووي في العالم، إضافة إلى أنظمة دفاع صاروخي من الجيل القادم، وذلك لحماية الشعب الأمريكي والأصول الأمريكية في الخارج وحلفاء الولايات المتحدة.
** وتطرح استراتيجية الأمن الوطني الأميركية الجديدة سؤالها الرئيسي: ما هي المصالح الجوهرية للولايات المتحدة في سياستها الخارجية؟ وماذا نريد في العالم ومن العالم؟
وتجيب الوثيقة الأمريكية بأنها:
1- حصر الاهتمام الأمريكي في نصف الكرة الغربي...ومطالبة حلفاء أمريكا بزيادة إنفاقهم بشكل كبير على دفاعهم الوطني.
2- إيقاف وعكس الضرر المستمر الذي تلحقه الجهات الأجنبية بالاقتصاد الأمريكي، مع الحفاظ على حرية وانفتاح منطقة الهندي- الهادئ، وصون حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وضمان وجود سلاسل إمداد آمنة وموثوقة وتوفير الوصول إلى المواد الأساسية الاستراتيجية (المواد الحرجة)..
(وتشير هذه الفقرة من الوثيقة إلى المشاكل المتزايدة التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي أمام التقدم المذهل للصين على مستوى الصناعات المدنية والعسكرية والتكتولوجيا المتقدمة وامتلاك المواد الحرجة والمعادن النادرة).
3- منع أي قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط، وعلى موارد النفط والغاز فيه، وعلى نقاط الاختناق الحيوية التي تمر عبرها هذه الموارد، وذلك مع تجنب حروب اللانهاية التي استنزفتنا في تلك المنطقة وكلفتنا أثماناً باهظة.
4- إعادة توزيع التواجد العسكري الأمريكي في العالم لمواجهة التهديدات في نصف الكرة الغربي، والابتعاد عن المسارح التي تراجعت أهميتها النسبية خلال العقود أو السنوات الأخيرة للأمن القومي الأمريكي.
5- العمل على إعادة التوازن في العلاقات الاقتصادية مع الصين، بعد التسليم بتفوق الشركات الصينية المدعومة والموجهة من الدولة في بناء البنى التحتية المادية والرقمية وإعادة توظيف فوائضها التجارية وسيطرتها على سلاسل الإمداد في العالم وتوسع صادراتها في الدول منخفضة الدخل وفي الولايات المتحدة نفسها.. والإعلان عن عدم دعم واشنطن لأي تغيير أحادي للوضع القائم في تايوان.
6- التوجّه الأمريكي نحو "إعادة إرساء الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا" والتسليم صراحةً بأنّ حرب أوكرانيا، التي حرّض فيها الغرب كييف للانضمام إلى حلف الناتو، أدّت إلى نتيجة معاكسة.
7- الإعلان عن "إطلاق العنان لقدرة الولايات المتحدة الهائلة على إنتاج الطاقة كأولوية استراتيجية.
8- اتخاذ موقف سلبي صارخ تجاه المنظمات الدولية عبر الإعلان عن "مواجهة تدخلات المنظمات العابرة للحدود، التي تقوّض السيادة".
ويؤكد الحزب الشيوعي المصري:
أولاً- إنّ الانحسار التدريجي للهيمنة الأمريكية أحادية القطب على العالم عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وما تعانيه أمريكا داخلياً من أزمات في بنيتها الرأسمالية، وما تواجهه خارجياً من تحديات متزايدة من القوى الصاعدة كالصين وروسيا، وتصاعد مقاومة الشعوب وحركات تحررها التي ما زالت صامدة في مواجهة قوى الهيمنة الإمبريالية وتوابعها، أدّت إلى تقويض أسس النظام المالي والتجاري العالمي الذي كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة وفتحت الأفق نحو تأسيس نظام عالمي جديد متعدد القطبية.
ثانياً- إنّ هذا التعدد القطبي الوليد لا يعني تحقق نظام أكثر عدلاً بشكل آلي، ما لم تستثمره قوى التحرر الوطني والشعوب في بناء مشاريع سيادية مستقلة، تعيد الاعتبار للتنمية المعتمدة على الذات أساساً، وبالتعاون في إطار خطة تنمية وطنية مع الأقطاب الجديدة على أساس التعاون المتكافئ وعدم فرض شروط أو إملاءات سياسية، وبارتباط تلك الخطة بالسير في طريق العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يستلزم توافر إرادة سياسية للتخلص من علاقات التبعية لنظام رأسمالي استغلالي عالمي تقوده أمريكا وفي طريقه للأفول، ووجود قيادات وكفاءات سياسية وطنية مؤمنة بطريق التنمية الوطنية والعدالة الاجتماعية بديلاً لسياسات التبعية والتوحش الرأسمالي.
القاهرة في 17 ديسمبر ٢٠٢٥
الحزب الشيوعي المصري
العدو يفعّل «الخطة ب» في غزّة: إدامة الفوضى... باغتيال الأمنيين
يوسف فارس
غزة | قطع انتشار الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول الماضي، الطريق أمام الفراغ الأمني الذي أريدَ به صناعة الفوضى وتحويل القطاع إلى «غابة». وفي غضون أيام قليلة، استطاعت وزارة الداخلية، الخارجة لتوّها من حرب إبادة مدمّرة، إعادة ضبط المشهد الأمني على نحو ملحوظ؛ إذ قضت على ظاهرة عصابات السرقة والبلطجة المنظّمة، وقلّصت هامش الحركة المُتاح لمجموعات العملاء، وفتحت المسار بشكل آمن أمام دخول شاحنات المساعدات والبضائع التجارية، من دون اعتراض أو عشوائية.
غير أن الاستثمار الإسرائيلي في صناعة الفوضى لم يتوقّف؛ إذ شمل هذا المسار أيضاً محاولة استمالة عائلات كبيرة تربطها بحكم حركة «حماس» علاقات شائكة، حتى تتحوّل لاحقاً إلى مجمّعات أمنية تفرض سيطرتها على المناطق القريبة من «الخط الأصفر»، وتقدّم خدمات أمنية مباشرة إلى جيش العدو عبر ملاحقة المقاومين وكشف تحرّكاتهم، وأخرى غير مباشرة من خلال تقويض الأمن المجتمعي. إلا أن ذلك المنحى أفضى بدوره إلى الفشل الذريع، ولا سيما بعد صدور مواقف واضحة من العشائر والعائلات، تبرّأت فيها من أي فرد يقبل التعاون مع الاحتلال أو الانضواء في إطار أي «تشكيل لحدي» ينشط في مناطق نفوذ جيش العدو.
أمّا الخطة «ب»، التي شرع الاحتلال في تنفيذها خلال الأسابيع الماضية، فتمثّلت في استغلال الواقع الأمني الصعب، ولا سيما الوضع الحدودي الهشّ الذي يسمح باختراقات غير مكلفة لعناصر من مجموعات العملاء، لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة ومركّزة تستهدف شخصيات أمنية تضطلع بدور محوري في ضبط الحالة الأمنية، وفي مقدّمها ملف العملاء والمشبوهين. وبالفعل، نجحت إحدى هذه المجموعات، مطلع الأسبوع الجاري، في اغتيال أحمد زمزم، وهو ضابط في جهاز الأمن الداخلي كان ينشط في متابعة الملف المذكور. ووفقاً لمصادر محلية، فإن مجموعة مكوّنة من عدة أشخاص كانوا يستقلّون دراجة كهربائية، ترصّدت زمزم قرب منزله في مخيم المغازي شرق المحافظة الوسطى، وأطلقت النار عليه، ما أدّى إلى مقتله على الفور. ولاحقاً، تمكّن جهاز أمن المقاومة من اعتقال أحد منفّذي العملية، الذي أقرّ بتنفيذها بتوجيهات من قائد في مجموعات العملاء. وفي وقت لاحق، أعلن العميل حسام الأسطل، الذي يقود إحدى المجموعات التي تنشط في مناطق «الخط الأصفر» جنوباً، مسؤوليته عن الاغتيال.
وتقاطع هذا الحدث مع محاولة نفّذتها مجموعة أخرى من العملاء، تابعة للعميل أشرف المنسي، الذي ينشط في مخيم جباليا والمناطق الشمالية لمدينة بيت لاهيا شمالي القطاع، لاختطاف أحد عناصر المقاومة، قبل أن تتمكّن الأخيرة من تحييد المجموعة المكوّنة من ثلاثة أشخاص، وفقاً لمصادر أمنية تحدّثت إلى «الأخبار». وتؤكّد المصادر أن محاولات الاختراق والاختطاف قائمة «على مدار الساعة»، في ظلّ امتلاك جيش الاحتلال وجهاز أمنه العام «الشاباك» «الأفضلية في الظرف الراهن»؛ إذ إن الأخيرين لا يضطرّان إلى المجازفة بإقحام جنود إسرائيليين في عمليات عالية المخاطر وغير مضمونة النتائج، بل يعتمدان على الزجّ بمجموعات العملاء لتنفيذ هذه المهمات، التي انتهى كثير منها بمقتل منفّذيها أو اعتقالهم. كما أتاح اعتقال عدد من هؤلاء، الذين يفتقر معظمهم إلى الخبرة القتالية والاحتراف الأمني، الحصول على «معلومات وافرة حول أعداد وأسماء ومهام المتورطين في تلك المجموعات، التي يحرص معظم أفرادها على إخفاء وجوههم تحت اللثام».
وبحسب المصادر، فإنه برغم أن الجهاز الأمني للمقاومة «فقد جزءاً كبيراً من أصوله البشرية والتكنولوجية، وهو ما قد يحدّ من فعاليته»، لكنه «يمتلك الإرادة والقرار لحفظ الأمن قدر المستطاع». ولذلك، فإن الجهد المبذول اليوم «يتجاوز بكثير ما كان يُبذل خلال السنوات الماضية، نظراً إلى صعوبة الواقع الأمني، والعمل المستمر تحت خطر الاغتيال والملاحقة، ولا سيما أن مجموعات العملاء تتحرك عادة بغطاء جوي واستخباري من قِبل جيش الاحتلال».
أمّا على الصعيد الأمني المدني، فتبدو الأوضاع أفضل حالاً مما كانت عليه خلال شهور الحرب. ففي تلك الفترة، لم يكن الأهالي يأمنون على أنفسهم وممتلكاتهم؛ إذ تحوّلت السرقات من حالات فردية شاذّة إلى ظاهرة شبه منظّمة، نشطت فيها مجموعات متخصّصة في سرقة شاحنات المساعدات، وأخرى في سرقة منازل النازحين المُخلاة، وثالثة في قطع الطرقات والتشبيح. إلا أن هذه الظواهر اختفت إلى حدّ كبير، عقب تنفيذ الأجهزة الأمنية حملات دقيقة حاسبت خلالها اللصوص وفكّكت مجموعاتهم. كذلك، أسهم الانتشار الأمني العلني لعناصر الشرطة والأجهزة الأمنية على المفترقات والطرق الرئيسة، إلى جانب الانتشار الخفي داخل الأحياء السكنية ومخيمات الإيواء، في تقليص هوامش الحركة المُتاحة للصوص والحدّ من الجرائم.
على أي حال، ينصبّ جهد العدو الإسرائيلي في المرحلة الحالية على تقويض أي فرصة للتعافي الأمني في القطاع، بهدف إبقاء المقاومة تحت ضغط متواصل يحدّ من قدرتها على إعادة الهيكلة والتنظيم. أمّا على الصعيد المدني، فيسعى الاحتلال إلى حرمان الأهالي، المُثقلين بتبعات الحرب والنزوح، من الشعور بالأمان، وصولاً إلى تعزيز صورة غزة باعتبارها مكاناً «غير صالح للعيش والحياة».
يوسف فارس
غزة | قطع انتشار الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول الماضي، الطريق أمام الفراغ الأمني الذي أريدَ به صناعة الفوضى وتحويل القطاع إلى «غابة». وفي غضون أيام قليلة، استطاعت وزارة الداخلية، الخارجة لتوّها من حرب إبادة مدمّرة، إعادة ضبط المشهد الأمني على نحو ملحوظ؛ إذ قضت على ظاهرة عصابات السرقة والبلطجة المنظّمة، وقلّصت هامش الحركة المُتاح لمجموعات العملاء، وفتحت المسار بشكل آمن أمام دخول شاحنات المساعدات والبضائع التجارية، من دون اعتراض أو عشوائية.
غير أن الاستثمار الإسرائيلي في صناعة الفوضى لم يتوقّف؛ إذ شمل هذا المسار أيضاً محاولة استمالة عائلات كبيرة تربطها بحكم حركة «حماس» علاقات شائكة، حتى تتحوّل لاحقاً إلى مجمّعات أمنية تفرض سيطرتها على المناطق القريبة من «الخط الأصفر»، وتقدّم خدمات أمنية مباشرة إلى جيش العدو عبر ملاحقة المقاومين وكشف تحرّكاتهم، وأخرى غير مباشرة من خلال تقويض الأمن المجتمعي. إلا أن ذلك المنحى أفضى بدوره إلى الفشل الذريع، ولا سيما بعد صدور مواقف واضحة من العشائر والعائلات، تبرّأت فيها من أي فرد يقبل التعاون مع الاحتلال أو الانضواء في إطار أي «تشكيل لحدي» ينشط في مناطق نفوذ جيش العدو.
أمّا الخطة «ب»، التي شرع الاحتلال في تنفيذها خلال الأسابيع الماضية، فتمثّلت في استغلال الواقع الأمني الصعب، ولا سيما الوضع الحدودي الهشّ الذي يسمح باختراقات غير مكلفة لعناصر من مجموعات العملاء، لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة ومركّزة تستهدف شخصيات أمنية تضطلع بدور محوري في ضبط الحالة الأمنية، وفي مقدّمها ملف العملاء والمشبوهين. وبالفعل، نجحت إحدى هذه المجموعات، مطلع الأسبوع الجاري، في اغتيال أحمد زمزم، وهو ضابط في جهاز الأمن الداخلي كان ينشط في متابعة الملف المذكور. ووفقاً لمصادر محلية، فإن مجموعة مكوّنة من عدة أشخاص كانوا يستقلّون دراجة كهربائية، ترصّدت زمزم قرب منزله في مخيم المغازي شرق المحافظة الوسطى، وأطلقت النار عليه، ما أدّى إلى مقتله على الفور. ولاحقاً، تمكّن جهاز أمن المقاومة من اعتقال أحد منفّذي العملية، الذي أقرّ بتنفيذها بتوجيهات من قائد في مجموعات العملاء. وفي وقت لاحق، أعلن العميل حسام الأسطل، الذي يقود إحدى المجموعات التي تنشط في مناطق «الخط الأصفر» جنوباً، مسؤوليته عن الاغتيال.
وتقاطع هذا الحدث مع محاولة نفّذتها مجموعة أخرى من العملاء، تابعة للعميل أشرف المنسي، الذي ينشط في مخيم جباليا والمناطق الشمالية لمدينة بيت لاهيا شمالي القطاع، لاختطاف أحد عناصر المقاومة، قبل أن تتمكّن الأخيرة من تحييد المجموعة المكوّنة من ثلاثة أشخاص، وفقاً لمصادر أمنية تحدّثت إلى «الأخبار». وتؤكّد المصادر أن محاولات الاختراق والاختطاف قائمة «على مدار الساعة»، في ظلّ امتلاك جيش الاحتلال وجهاز أمنه العام «الشاباك» «الأفضلية في الظرف الراهن»؛ إذ إن الأخيرين لا يضطرّان إلى المجازفة بإقحام جنود إسرائيليين في عمليات عالية المخاطر وغير مضمونة النتائج، بل يعتمدان على الزجّ بمجموعات العملاء لتنفيذ هذه المهمات، التي انتهى كثير منها بمقتل منفّذيها أو اعتقالهم. كما أتاح اعتقال عدد من هؤلاء، الذين يفتقر معظمهم إلى الخبرة القتالية والاحتراف الأمني، الحصول على «معلومات وافرة حول أعداد وأسماء ومهام المتورطين في تلك المجموعات، التي يحرص معظم أفرادها على إخفاء وجوههم تحت اللثام».
وبحسب المصادر، فإنه برغم أن الجهاز الأمني للمقاومة «فقد جزءاً كبيراً من أصوله البشرية والتكنولوجية، وهو ما قد يحدّ من فعاليته»، لكنه «يمتلك الإرادة والقرار لحفظ الأمن قدر المستطاع». ولذلك، فإن الجهد المبذول اليوم «يتجاوز بكثير ما كان يُبذل خلال السنوات الماضية، نظراً إلى صعوبة الواقع الأمني، والعمل المستمر تحت خطر الاغتيال والملاحقة، ولا سيما أن مجموعات العملاء تتحرك عادة بغطاء جوي واستخباري من قِبل جيش الاحتلال».
أمّا على الصعيد الأمني المدني، فتبدو الأوضاع أفضل حالاً مما كانت عليه خلال شهور الحرب. ففي تلك الفترة، لم يكن الأهالي يأمنون على أنفسهم وممتلكاتهم؛ إذ تحوّلت السرقات من حالات فردية شاذّة إلى ظاهرة شبه منظّمة، نشطت فيها مجموعات متخصّصة في سرقة شاحنات المساعدات، وأخرى في سرقة منازل النازحين المُخلاة، وثالثة في قطع الطرقات والتشبيح. إلا أن هذه الظواهر اختفت إلى حدّ كبير، عقب تنفيذ الأجهزة الأمنية حملات دقيقة حاسبت خلالها اللصوص وفكّكت مجموعاتهم. كذلك، أسهم الانتشار الأمني العلني لعناصر الشرطة والأجهزة الأمنية على المفترقات والطرق الرئيسة، إلى جانب الانتشار الخفي داخل الأحياء السكنية ومخيمات الإيواء، في تقليص هوامش الحركة المُتاحة للصوص والحدّ من الجرائم.
على أي حال، ينصبّ جهد العدو الإسرائيلي في المرحلة الحالية على تقويض أي فرصة للتعافي الأمني في القطاع، بهدف إبقاء المقاومة تحت ضغط متواصل يحدّ من قدرتها على إعادة الهيكلة والتنظيم. أمّا على الصعيد المدني، فيسعى الاحتلال إلى حرمان الأهالي، المُثقلين بتبعات الحرب والنزوح، من الشعور بالأمان، وصولاً إلى تعزيز صورة غزة باعتبارها مكاناً «غير صالح للعيش والحياة».
فشل اجتماع الدوحة: أميركا لا تجد «زبائن» للقوّة الدولية
تدفع الولايات المتحدة بقوة نحو تشكيل «قوة الاستقرار الدولية» المُزمع نشرها في قطاع غزة، وذلك تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع. وعلى الرغم من التصريحات المتفائلة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وعدد من كبار مسؤولي إدارته بشأن قرب تشكيل هذه القوة، إلا أن المسار العملي لإنشائها لا يزال محفوفاً بالتعقيدات والعقبات. وفي هذا الإطار، أظهر الاجتماع التنسيقي الذي انعقد في العاصمة القطرية الدوحة، أول من أمس، بمشاركة دولية واسعة وبناءً على دعوة أميركية، عمق التباينات في مواقف الدول المدعوّة حول المشاركة في هذه القوة، وتفاوت اشتراطاتها وتحفّظاتها إزاء المهمة المطلوبة منها.
وذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية أن أذربيجان، التي كانت تُعدّ مرشّحة «مريحة جداً» للمشاركة في القوة الدولية، نظراً إلى علاقاتها الجيدة مع كل من تركيا وإسرائيل، «قرّرت عدم الانضمام إلى هذه المبادرة، ولا تعتزم أيضاً الانخراط في اتفاقيات أبراهام التطبيعية، رغم أن الولايات المتحدة ناقشت معها تلك الإمكانية بشكل فعّال». وأشارت الصحيفة إلى أن هذا القرار يعكس رغبة باكو في تجنّب الانخراط في المأزق المُعقّد لقطاع غزة، وتفادي الإضرار بعلاقاتها الإقليمية المتوازنة، خصوصاً مع أنقرة وتل أبيب. على أن أذربيجان لم تكن الدولة الوحيدة التي تجاهلت الدعوة إلى اجتماع الدوحة، إذ «امتنعت نحو 15 دولة عن الحضور أيضاً، بينها دولتان من آسيا الوسطى هما تركمانستان وطاجيكستان، إضافة إلى دول أوروبية مثل بلجيكا، رومانيا، وإستونيا، ودول آسيوية أخرى بينها كوريا الجنوبية ونيبال، ما يعكس ضعف الحماسة الدولية لهذه المبادرة». كذلك، فإن «تركيا لم تُدعَ إلى المؤتمر من الأساس»، وهو ما أرجعته «هآرتس» إلى وجود معارضة إسرائيلية قوية لمشاركة أنقرة، التي فشلت جهودها وجهود الدوحة، إلى الآن، في الضغط على واشنطن لإنهاء هذه المعارضة.
أمّا إسرائيل، فأفادت «القناة i24» العبرية بأن الإدارة الأميركية نفت أن يكون غيابها عن المؤتمر مؤشّراً إلى تهميشها، وأوضحت على لسان مسؤول فيها أن السبب بسيط، وهو أن «إسرائيل ليست جزءاً من القوة، بل طرف تعمل القوة إلى جانبه، ولذلك لم تُدعَ إلى المؤتمر». ومن بين الدول التي شاركت في اجتماع الدوحة: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والمغرب والإمارات والبحرين والأردن ومصر والسعودية وكازاخستان وأوزبكستان واليونان وقبرص والبوسنة والهرسك وكوسوفو، في حين بقيت دول أخرى متحفّظة على الانخراط في المشروع، أو اشترطت معايير صارمة للمشاركة فيه.
وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مسؤولين مطّلعين على التحضيرات الأميركية، أن إندونيسيا وإيطاليا أعربتا عن استعدادهما لإرسال جنود إلى غزة، «بشرط أن تبقى القوة المتعدّدة الجنسيات متمركزة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية شرقي الخط الأصفر، وألّا تحتك بحركة حماس». وأضافت الصحيفة أن «انضمام إيطاليا جاء بعد ضغوط أميركية على بعض الدول الأوروبية، ومن المُحتمل أن تلحق بها دول أخرى لاحقاً، مثل اليونان وفرنسا». كذلك، ادّعت الصحيفة العبرية أن غالبية الدول، باستثناء إيطاليا وإندونيسيا، غير مستعدّة للانضمام إلى القوة قبل تنفيذ بند نزع سلاح «حماس»، علماً أنه في المرحلة الأولى «سيقتصر انتشار الجنود على المنطقة المحتلة جنوبي قطاع غزة، بدءاً من قاعدة واحدة تُبنى حالياً في رفح، على أن تتوسّع لاحقاً إلى عدة قواعد أخرى، جميعها ضمن مناطق تسيطر عليها إسرائيل».
وعلى الرغم من قلق إسرائيل من أن تؤدّي «القوة الدولية» إلى تقييد عملياتها الأمنية، إلا أن تل أبيب «تتعاون» مع واشنطن في هذا الشأن حالياً، وهي تسمح بإدخال معدّات ومركبات ومبانٍ متنقّلة إلى القاعدة الجاري إنشاؤها في رفح. وبحسب مسؤول أمني إسرائيلي، فإن «دخول القوات الدولية سيختبر فعالية المقر الدولي في كريات غات، من ناحية التنسيق ومنع الاحتكاكات، كما سيسهم في حفظ النظام وتوزيع المساعدات في المنطقة الإنسانية في رفح». وأشار المسؤول إلى أن التنسيق مع الميليشيات المحلية المناهضة لـ«حماس» سيكون «ضرورياً أيضاً في هذه المرحلة». وفي وقت سابق من الشهر الجاري، كانت وكالة «أسوشييتد برس» قد نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن «قوة الاستقرار الدولية» في غزة قد ترى النور وتبدأ مهامها فعلياً في أوائل العام المقبل، «إذا ما توافرت الظروف السياسية والميدانية الملائمة».
تدفع الولايات المتحدة بقوة نحو تشكيل «قوة الاستقرار الدولية» المُزمع نشرها في قطاع غزة، وذلك تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع. وعلى الرغم من التصريحات المتفائلة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وعدد من كبار مسؤولي إدارته بشأن قرب تشكيل هذه القوة، إلا أن المسار العملي لإنشائها لا يزال محفوفاً بالتعقيدات والعقبات. وفي هذا الإطار، أظهر الاجتماع التنسيقي الذي انعقد في العاصمة القطرية الدوحة، أول من أمس، بمشاركة دولية واسعة وبناءً على دعوة أميركية، عمق التباينات في مواقف الدول المدعوّة حول المشاركة في هذه القوة، وتفاوت اشتراطاتها وتحفّظاتها إزاء المهمة المطلوبة منها.
وذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية أن أذربيجان، التي كانت تُعدّ مرشّحة «مريحة جداً» للمشاركة في القوة الدولية، نظراً إلى علاقاتها الجيدة مع كل من تركيا وإسرائيل، «قرّرت عدم الانضمام إلى هذه المبادرة، ولا تعتزم أيضاً الانخراط في اتفاقيات أبراهام التطبيعية، رغم أن الولايات المتحدة ناقشت معها تلك الإمكانية بشكل فعّال». وأشارت الصحيفة إلى أن هذا القرار يعكس رغبة باكو في تجنّب الانخراط في المأزق المُعقّد لقطاع غزة، وتفادي الإضرار بعلاقاتها الإقليمية المتوازنة، خصوصاً مع أنقرة وتل أبيب. على أن أذربيجان لم تكن الدولة الوحيدة التي تجاهلت الدعوة إلى اجتماع الدوحة، إذ «امتنعت نحو 15 دولة عن الحضور أيضاً، بينها دولتان من آسيا الوسطى هما تركمانستان وطاجيكستان، إضافة إلى دول أوروبية مثل بلجيكا، رومانيا، وإستونيا، ودول آسيوية أخرى بينها كوريا الجنوبية ونيبال، ما يعكس ضعف الحماسة الدولية لهذه المبادرة». كذلك، فإن «تركيا لم تُدعَ إلى المؤتمر من الأساس»، وهو ما أرجعته «هآرتس» إلى وجود معارضة إسرائيلية قوية لمشاركة أنقرة، التي فشلت جهودها وجهود الدوحة، إلى الآن، في الضغط على واشنطن لإنهاء هذه المعارضة.
أمّا إسرائيل، فأفادت «القناة i24» العبرية بأن الإدارة الأميركية نفت أن يكون غيابها عن المؤتمر مؤشّراً إلى تهميشها، وأوضحت على لسان مسؤول فيها أن السبب بسيط، وهو أن «إسرائيل ليست جزءاً من القوة، بل طرف تعمل القوة إلى جانبه، ولذلك لم تُدعَ إلى المؤتمر». ومن بين الدول التي شاركت في اجتماع الدوحة: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والمغرب والإمارات والبحرين والأردن ومصر والسعودية وكازاخستان وأوزبكستان واليونان وقبرص والبوسنة والهرسك وكوسوفو، في حين بقيت دول أخرى متحفّظة على الانخراط في المشروع، أو اشترطت معايير صارمة للمشاركة فيه.
وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مسؤولين مطّلعين على التحضيرات الأميركية، أن إندونيسيا وإيطاليا أعربتا عن استعدادهما لإرسال جنود إلى غزة، «بشرط أن تبقى القوة المتعدّدة الجنسيات متمركزة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية شرقي الخط الأصفر، وألّا تحتك بحركة حماس». وأضافت الصحيفة أن «انضمام إيطاليا جاء بعد ضغوط أميركية على بعض الدول الأوروبية، ومن المُحتمل أن تلحق بها دول أخرى لاحقاً، مثل اليونان وفرنسا». كذلك، ادّعت الصحيفة العبرية أن غالبية الدول، باستثناء إيطاليا وإندونيسيا، غير مستعدّة للانضمام إلى القوة قبل تنفيذ بند نزع سلاح «حماس»، علماً أنه في المرحلة الأولى «سيقتصر انتشار الجنود على المنطقة المحتلة جنوبي قطاع غزة، بدءاً من قاعدة واحدة تُبنى حالياً في رفح، على أن تتوسّع لاحقاً إلى عدة قواعد أخرى، جميعها ضمن مناطق تسيطر عليها إسرائيل».
وعلى الرغم من قلق إسرائيل من أن تؤدّي «القوة الدولية» إلى تقييد عملياتها الأمنية، إلا أن تل أبيب «تتعاون» مع واشنطن في هذا الشأن حالياً، وهي تسمح بإدخال معدّات ومركبات ومبانٍ متنقّلة إلى القاعدة الجاري إنشاؤها في رفح. وبحسب مسؤول أمني إسرائيلي، فإن «دخول القوات الدولية سيختبر فعالية المقر الدولي في كريات غات، من ناحية التنسيق ومنع الاحتكاكات، كما سيسهم في حفظ النظام وتوزيع المساعدات في المنطقة الإنسانية في رفح». وأشار المسؤول إلى أن التنسيق مع الميليشيات المحلية المناهضة لـ«حماس» سيكون «ضرورياً أيضاً في هذه المرحلة». وفي وقت سابق من الشهر الجاري، كانت وكالة «أسوشييتد برس» قد نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن «قوة الاستقرار الدولية» في غزة قد ترى النور وتبدأ مهامها فعلياً في أوائل العام المقبل، «إذا ما توافرت الظروف السياسية والميدانية الملائمة».
مكتبة اسكندر حبش بوّابة على فلسطين والعالم
تغريد عبد العال
إنه لمن الاستثنائي أن يجد إرث شاعر ومترجم عربي مهم مكاناً يحتضن كتبه، موسوعاته، مراجعه المتنوعة، وأيضاً مكتبته السينمائية والموسيقية.
وما يميز هذا الأمر أكثر، أن تكون المكتبة مركزاً للنقاش الثقافي، لاستقبال الكتاب، الأدباء، الفنانين، المفكرين، الطلاب والأكاديميين، ضمن إطار «أكاديمية دار الثقافة»، المكان الذي أحبّه اسكندر وانتمى بفكره وثقافته إليه. والأهم، أن تفتح المكتبة أبوابها أمام المراكز الثقافية في كل المخيمات الفلسطينية المهمشة ثقافياً. فماذا يعني ذلك لنا، وللشاعر والمترجم والمفكر اسكندر حبش، وللمخيمات والجوار؟
هل هو مجرد إعادة الاعتبار الثقافي للمهمشين، أم أنه رؤية أعمق للثقافة بوصفها أداة أساسية لبناء الوعي؟ لقد ذكر اسكندر في حوارنا الشعري الأخير، حول العلاقة بين الشعر والثقافة، أنّ الشعراء يتجاوزون السرديات اللغوية والثقافية والحدود الجغرافية، خالقين فسيفساء من التجارب المشتركة. وربما يكون هذا الهدف الأسمى لـ «أكاديمية دار الثقافة»، ولسرديتنا الفلسطينية، ولحفظ إرث اسكندر وكل المبدعين والمناضلين، بحيث تصبح كتبهم متاحة لكل طالبي المعرفة والثقافة والمواهب.
لقد آمنت الأكاديمية بأن الطريق يبدأ من الألم للحديث عنه ووصفه، وأنّ بناء الإنسان الفلسطيني من الداخل هو الأهم والأصعب. وهذا ما كان يسعى اسكندر إلى تحقيقه في مسيرته المهنية كمعلم، مترجم، شاعر، صحافي وفيلسوف.
مكتبة اسكندر حبش اليوم تقع في مركز «أكاديمية دار الثقافة» في بيروت. ونحن نرتب رفوفها وكتبها، نرى كيف كان اسكندر يتابع السياسة والمجلات الفكرية المهمة، ويغوص في الروايات الكلاسيكية، وأحياناً يُعيد طباعة كتب معينة بنفسه، لشغفه بتعميم المعرفة. وستُفتح أبواب هذه الكتب لجميع المهتمين، مع تبرعات خاصة لمراكز فلسطينية في المخيمات، لبناء فضاءات ثقافية كانت مهمشة سابقاً. ستكون مجموعاته الشعرية، رواياته، مجلاته، وموسوعاته بوابات لاستقبال صغار المبدعين وكبارهم، الذين يسعون إلى ابتكار الضوء والمعرفة.
كما قال اسكندر في حواره الأخير: «كل كتابة تنطلق من الخاص لتصل إلى الـ «نحن»». وهكذا، قد تكون مكتبة اسكندر حبش بوابته العالمية على فلسطين.
وقد نستذكر هنا ما فعله الناقد الأوروبي هارولد بلوم، مؤلف «المعتمد الغربي»، حين اختار نصوصاً تأسيسية لتكوين مكتبة ضخمة في الأدب والفكر الغربي، قائلاً إنه اختار ما يمثل الأدب الحقيقي لكل ثقافة ويؤثر بعمق في تكوينه الثقافي. بالمثل، فقد جمع اسكندر في مكتبته كتباً تمثل ثقافات العالم المختلفة، إلى جانب ثقافته الفلسطينية، اللبنانية، العربية والعالمية، ما يعكس إرثاً ثقافياً غنياً ومتعدد الأبعاد. تحتضن المكتبة اليوم مكتبة شعرية كاملة للشعر العربي القديم والمعاصر، وأيضاً للشعر الأوروبي، الآسيوي والأفريقي، وموسوعات شعرية ومكتبة فنية لعمالقة الفن العالمي مثل بيكاسو، مودلياني، رينوار ومونيه، والروايات العالمية الكلاسيكية والمعاصرة، العربية والمترجمة، وكتب الفكر والفلسفة بمختلف أنواعها، ومجلات قديمة مثل «شعر»، و«الكرمل»،
* افتتاح مكتبة اسكندر حبش: س: 15:00 عصر اليوم ــ «أكاديمية دار الثقافة» (مخيم مار الياس ـ بيروت)
تغريد عبد العال
إنه لمن الاستثنائي أن يجد إرث شاعر ومترجم عربي مهم مكاناً يحتضن كتبه، موسوعاته، مراجعه المتنوعة، وأيضاً مكتبته السينمائية والموسيقية.
وما يميز هذا الأمر أكثر، أن تكون المكتبة مركزاً للنقاش الثقافي، لاستقبال الكتاب، الأدباء، الفنانين، المفكرين، الطلاب والأكاديميين، ضمن إطار «أكاديمية دار الثقافة»، المكان الذي أحبّه اسكندر وانتمى بفكره وثقافته إليه. والأهم، أن تفتح المكتبة أبوابها أمام المراكز الثقافية في كل المخيمات الفلسطينية المهمشة ثقافياً. فماذا يعني ذلك لنا، وللشاعر والمترجم والمفكر اسكندر حبش، وللمخيمات والجوار؟
هل هو مجرد إعادة الاعتبار الثقافي للمهمشين، أم أنه رؤية أعمق للثقافة بوصفها أداة أساسية لبناء الوعي؟ لقد ذكر اسكندر في حوارنا الشعري الأخير، حول العلاقة بين الشعر والثقافة، أنّ الشعراء يتجاوزون السرديات اللغوية والثقافية والحدود الجغرافية، خالقين فسيفساء من التجارب المشتركة. وربما يكون هذا الهدف الأسمى لـ «أكاديمية دار الثقافة»، ولسرديتنا الفلسطينية، ولحفظ إرث اسكندر وكل المبدعين والمناضلين، بحيث تصبح كتبهم متاحة لكل طالبي المعرفة والثقافة والمواهب.
لقد آمنت الأكاديمية بأن الطريق يبدأ من الألم للحديث عنه ووصفه، وأنّ بناء الإنسان الفلسطيني من الداخل هو الأهم والأصعب. وهذا ما كان يسعى اسكندر إلى تحقيقه في مسيرته المهنية كمعلم، مترجم، شاعر، صحافي وفيلسوف.
مكتبة اسكندر حبش اليوم تقع في مركز «أكاديمية دار الثقافة» في بيروت. ونحن نرتب رفوفها وكتبها، نرى كيف كان اسكندر يتابع السياسة والمجلات الفكرية المهمة، ويغوص في الروايات الكلاسيكية، وأحياناً يُعيد طباعة كتب معينة بنفسه، لشغفه بتعميم المعرفة. وستُفتح أبواب هذه الكتب لجميع المهتمين، مع تبرعات خاصة لمراكز فلسطينية في المخيمات، لبناء فضاءات ثقافية كانت مهمشة سابقاً. ستكون مجموعاته الشعرية، رواياته، مجلاته، وموسوعاته بوابات لاستقبال صغار المبدعين وكبارهم، الذين يسعون إلى ابتكار الضوء والمعرفة.
كما قال اسكندر في حواره الأخير: «كل كتابة تنطلق من الخاص لتصل إلى الـ «نحن»». وهكذا، قد تكون مكتبة اسكندر حبش بوابته العالمية على فلسطين.
وقد نستذكر هنا ما فعله الناقد الأوروبي هارولد بلوم، مؤلف «المعتمد الغربي»، حين اختار نصوصاً تأسيسية لتكوين مكتبة ضخمة في الأدب والفكر الغربي، قائلاً إنه اختار ما يمثل الأدب الحقيقي لكل ثقافة ويؤثر بعمق في تكوينه الثقافي. بالمثل، فقد جمع اسكندر في مكتبته كتباً تمثل ثقافات العالم المختلفة، إلى جانب ثقافته الفلسطينية، اللبنانية، العربية والعالمية، ما يعكس إرثاً ثقافياً غنياً ومتعدد الأبعاد. تحتضن المكتبة اليوم مكتبة شعرية كاملة للشعر العربي القديم والمعاصر، وأيضاً للشعر الأوروبي، الآسيوي والأفريقي، وموسوعات شعرية ومكتبة فنية لعمالقة الفن العالمي مثل بيكاسو، مودلياني، رينوار ومونيه، والروايات العالمية الكلاسيكية والمعاصرة، العربية والمترجمة، وكتب الفكر والفلسفة بمختلف أنواعها، ومجلات قديمة مثل «شعر»، و«الكرمل»،
* افتتاح مكتبة اسكندر حبش: س: 15:00 عصر اليوم ــ «أكاديمية دار الثقافة» (مخيم مار الياس ـ بيروت)
مكتب الشهداء والأسرى بالشعبية يدين الاعتداء على رموز الحركة الأسيرة
دان مكتب الشهداء والاسرى والجرحى في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأشد العبارات اعتداء وحدات القمع على عدد من رموز الحركة الأسيرة داخل السجون، وسحبهم بالقوة إلى ساحات الأقسام والاعتداء عليهم بالهراوات حتى نزفوا دمًا.
وأكد المكتب في بيان مقتضب الأربعاء، على أن هذا السلوك يمثل انتهاكًا صارخًا لأبسط الحقوق الإنسانية، وخرقًا فاضحًا للمواثيق والأعراف الدولية التي تضمن كرامة الإنسان وسلامته الجسدية.
ورأى المكتب أن استمرار هذه الممارسات الوحشية يعكس سياسة ممنهجة لإسكات صوت الأسرى وكسر إرادتهم، الأمر الذي يستوجب تدخلًا عاجلًا من المنظمات الحقوقية والدولية لوضع حد لهذه الانتهاكات وضمان حماية الاسرى وحقوقهم .
دان مكتب الشهداء والاسرى والجرحى في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأشد العبارات اعتداء وحدات القمع على عدد من رموز الحركة الأسيرة داخل السجون، وسحبهم بالقوة إلى ساحات الأقسام والاعتداء عليهم بالهراوات حتى نزفوا دمًا.
وأكد المكتب في بيان مقتضب الأربعاء، على أن هذا السلوك يمثل انتهاكًا صارخًا لأبسط الحقوق الإنسانية، وخرقًا فاضحًا للمواثيق والأعراف الدولية التي تضمن كرامة الإنسان وسلامته الجسدية.
ورأى المكتب أن استمرار هذه الممارسات الوحشية يعكس سياسة ممنهجة لإسكات صوت الأسرى وكسر إرادتهم، الأمر الذي يستوجب تدخلًا عاجلًا من المنظمات الحقوقية والدولية لوضع حد لهذه الانتهاكات وضمان حماية الاسرى وحقوقهم .
الاحتلال يعتزم المصادقة على إنشاء مستوطنة جديدة تضم 9 آلاف وحدة بالقدس
تعتزم سلطات الاحتلال التصديق، الأربعاء، على إنشاء مستوطنة جديدة تضم 9 آلاف وحدة استيطانية على أرض مطار القدس الدولي (قلنديا) في شمالي مدينة القدس الشرقية.
وبحسب مصارد عبرية، فإن لجنة التخطيط والبناء في القدس (تتبع لبلدية القدس الغربية) ستناقش اليوم الأربعاء، "المُضي قدمًا في مشروع حيّ (مستوطنة) جديد شمال القدس".
ومن المخطط أن يضم حيّ (مستوطنة) عطروت 9000 وحدة سكنية على موقع مطار عطروت المهجور، فيما يُقام الحيّ الاستيطاني الجديد ضمن منطقة حضرية فلسطينية مكتظة بالسكان، ويمتد من (مدينة) رام الله (وسط الضفة)، و(بلدة) كفر عقب، شمالًا مرورًا بمخيم قلنديا للاجئين، و(بلدات) الرام، وبيت حنينا، وبئر نبالا.
ومن المتوقع أن تُقرّ لجنة التخطيط، في الاجتماع القادم، الخطوط العريضة للمخطط، بما في ذلك المناطق التجارية والمساحات العامة".
تعتزم سلطات الاحتلال التصديق، الأربعاء، على إنشاء مستوطنة جديدة تضم 9 آلاف وحدة استيطانية على أرض مطار القدس الدولي (قلنديا) في شمالي مدينة القدس الشرقية.
وبحسب مصارد عبرية، فإن لجنة التخطيط والبناء في القدس (تتبع لبلدية القدس الغربية) ستناقش اليوم الأربعاء، "المُضي قدمًا في مشروع حيّ (مستوطنة) جديد شمال القدس".
ومن المخطط أن يضم حيّ (مستوطنة) عطروت 9000 وحدة سكنية على موقع مطار عطروت المهجور، فيما يُقام الحيّ الاستيطاني الجديد ضمن منطقة حضرية فلسطينية مكتظة بالسكان، ويمتد من (مدينة) رام الله (وسط الضفة)، و(بلدة) كفر عقب، شمالًا مرورًا بمخيم قلنديا للاجئين، و(بلدات) الرام، وبيت حنينا، وبئر نبالا.
ومن المتوقع أن تُقرّ لجنة التخطيط، في الاجتماع القادم، الخطوط العريضة للمخطط، بما في ذلك المناطق التجارية والمساحات العامة".
غزة: انهيار 15 منزلاًَ خلال المنخفض الأخير
انهار ما لا يقل عن 15 منزلا فوق رؤوس ساكنيها في غزة خلال المنخفض الجوي الأسبوع الماضي.
وفي إطار رصد أبعاد الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، وثّق تقرير انهيار ما لا يقل عن 15 منزلا بشكل كلي أو جزئي، مما أسفر عن وقوع ضحايا بينهم أطفال.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تأثر خيام النازحين جراء الأمطار والرياح العاتية بشكل بالغ، لا سيما في مدينة غزة وشمالي القطاع، وهي المناطق التي تعرضت لعمليات قصف مكثفة وممنهجة على مدار عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية.
وتُظهر خريطة تركز الانهيارات في محافظة غزة بواقع 11 منزلا، إضافة إلى 4 منازل أخرى في شمالي القطاع.
انهار ما لا يقل عن 15 منزلا فوق رؤوس ساكنيها في غزة خلال المنخفض الجوي الأسبوع الماضي.
وفي إطار رصد أبعاد الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، وثّق تقرير انهيار ما لا يقل عن 15 منزلا بشكل كلي أو جزئي، مما أسفر عن وقوع ضحايا بينهم أطفال.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تأثر خيام النازحين جراء الأمطار والرياح العاتية بشكل بالغ، لا سيما في مدينة غزة وشمالي القطاع، وهي المناطق التي تعرضت لعمليات قصف مكثفة وممنهجة على مدار عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية.
وتُظهر خريطة تركز الانهيارات في محافظة غزة بواقع 11 منزلا، إضافة إلى 4 منازل أخرى في شمالي القطاع.
نتنياهو يعلن المصادقة على صفقة غاز بقيمة 112 مليار شيكل مع مصر
أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مساء اليوم، الأربعاء، عن المصادقة النهائية على صفقة غاز تُقدَّر قيمتها بـ112 مليار شيكل، وفقا له، تقوم بموجبها شركات أميركية باستخراج الغاز وتزويده إلى مصر.
وقال نتنياهو، في مؤتمر صحافي مسجّل، إن الصفقة ستعزّز مكانة إسرائيل كـ"قوة عظمى" في مجال الطاقة، مشددًا على أن المصادقة النهائية عليها جاءت مع الحفاظ على جميع المصالح الأمنية الإسرائيلية.
ووصف نتنياهو الصفقة بأنها "أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل".
وأضاف نتنياهو أن "الصفقة مع شركة ‘شيفرون‘ الأميركية أُقرت بعد أن ضمنتُ المصالح الأمنية والحيوية لنا"، وتابع: "قبل كل شيء، تُلزم الصفقة الشركات ببيع الغاز بسعر جيد لمواطني إسرائيل".
وقال نتنياهو إن 58 مليار شيكل من مجمل قيمة الصفقة ستؤول إلى خزينة الدولة، موضحًا أن العائد السنوي خلال السنوات الأربع الأولى سيبلغ نحو نصف مليار شيكل سنويًا، على أن يرتفع تدريجيًا خلال السنوات اللاحقة ليصل إلى نحو 6 مليارات شيكل سنويًا.
وأضاف أن هذه العائدات ستُستثمر في الأمن والتعليم والبنية التحتية، معتبرًا أنها تعزّز مكانة إسرائيل كـ"قوة إقليمية" في مجال الطاقة، وتسهم، وفق تعبيره، في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن "هناك من عارض بشدة إخراج الغاز من البحر، وكانت تقارير في القنوات التلفزيونية والصحف ومظاهرات لا تنتهي، وقالوا إننا سنقتل الاقتصاد، لكن اليوم بات واضحًا أن إخراج الغاز جلب أرباحًا ضخمة لإسرائيل".
ويأتي إعلان نتنياهو خلال مؤتمر صحافي الذي عقد مساء الأربعاء، بمشاركة وزير الطاقة، إيلي كوهين،، بعد أن كان قد منح، مطلع الأسبوع الجاري، "الضوء الأخضر" لتوقيع الاتفاق النهائي على صفقة الغاز مع مصر.
وكان قد جرى الإعلان عن تفاصيل الصفقة في آب/ أغسطس الماضي، حيث قُدّرت قيمتها بنحو من 35 مليار دولار حتى عام 2040، وتشمل التزامًا إسرائيليًا بتصدير كميات محددة من الغاز إلى مصر.
تفاصيل الصفقة
ووُقّعت صفقة الغاز بين الشركاء في حقل ليفياتان وشركة BOE (Blue Ocean Energy)، التي تشتري حاليًا أيضًا الغاز الطبيعي من الحقل لصالح السوق المصرية. وتشمل الصفقة كمية تراكمية تُقدَّر بنحو 130 مليار متر مكعب من الغاز، بقيمة مالية تقدر بنحو 35 مليار دولار (أكثر من 112 مليار شيكل)
وبحسب الاتفاق، يُتوقع أن تستمر عملية بيع الغاز إلى مصر حتى عام 2040، أو إلى حين استكمال بيع كامل الكمية المتفق عليها.
وتُوسّع الصفقة الجديدة الاتفاق القائم حاليًا، الذي تبلغ كميته 60 مليار متر مكعب، والمقرر أن ينتهي مع نهاية العقد الحالي. ومنذ بدء استخراج الغاز الطبيعي من حقل ليفياتان، جرى بيع نحو 23.5 مليار متر مكعب من الغاز إلى السوق المصرية.
ويزوّد الحقل، في الوقت الراهن، السوق بكميات تعاقدية سنوية تُقدَّر بنحو 4.5 مليار متر مكعب، تضاف إليها كميات تُباع وفق صفقات SPOT (مبيعات يومية غير منتظمة)، يتم احتسابها ضمن الكمية التعاقدية الإجمالية.
أبعاد سياسية وإقليمية للاتفاق
وجاءت المصادقة النهائية في ظل تقارير إسرائيلية تحدثت عن مشاركة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في المرحلة الأخيرة من الوساطة بين الجانبين، في إطار ترتيبات إقليمية أوسع تسعى واشنطن إلى دفعها قدمًا.
وترتبط الصفقة، بحسب هذه التقارير، بجهود دبلوماسية نشطة تقودها الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، بهدف فتح مسار سياسي جديد يشمل ترتيب لقاء بين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وتعتبر واشنطن أن المصادقة الإسرائيلية على الاتفاق تمثل خطوة ضرورية لإقناع السيسي بالمشاركة، وبوابة لإعادة تفعيل قنوات الاتصال بين القاهرة وتل أبيب، التي تعطلت على خلفية الحرب على غزة.
وتقدّر الدوائر الأميركية أن الصفقة ستوفر جزءًا كبيرًا من احتياجات مصر من الكهرباء عبر الغاز الإسرائيلي، ضمن رؤية أوسع لدمج إسرائيل في ترتيبات اقتصادية إقليمية تتعلق بالطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على ملفات مصر ولبنان وسورية والسعودية، في محاولة لتقليص احتمالات التصعيد وفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي المقابل، لا يزال الجدل داخل إسرائيل قائمًا، إذ حذّرت جهات مهنية في قطاع الطاقة من تأثير الصفقة على احتياطيات الغاز، في ظل تقديرات تشير إلى أن المخزون الحالي يكفي ما بين 15 إلى 25 عامًا فقط لإنتاج الكهرباء. كما أعربت جهات اقتصادية عن خشيتها من أن ينعكس التصدير الموسّع على أسعار الكهرباء داخليًا.
أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مساء اليوم، الأربعاء، عن المصادقة النهائية على صفقة غاز تُقدَّر قيمتها بـ112 مليار شيكل، وفقا له، تقوم بموجبها شركات أميركية باستخراج الغاز وتزويده إلى مصر.
وقال نتنياهو، في مؤتمر صحافي مسجّل، إن الصفقة ستعزّز مكانة إسرائيل كـ"قوة عظمى" في مجال الطاقة، مشددًا على أن المصادقة النهائية عليها جاءت مع الحفاظ على جميع المصالح الأمنية الإسرائيلية.
ووصف نتنياهو الصفقة بأنها "أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل".
وأضاف نتنياهو أن "الصفقة مع شركة ‘شيفرون‘ الأميركية أُقرت بعد أن ضمنتُ المصالح الأمنية والحيوية لنا"، وتابع: "قبل كل شيء، تُلزم الصفقة الشركات ببيع الغاز بسعر جيد لمواطني إسرائيل".
وقال نتنياهو إن 58 مليار شيكل من مجمل قيمة الصفقة ستؤول إلى خزينة الدولة، موضحًا أن العائد السنوي خلال السنوات الأربع الأولى سيبلغ نحو نصف مليار شيكل سنويًا، على أن يرتفع تدريجيًا خلال السنوات اللاحقة ليصل إلى نحو 6 مليارات شيكل سنويًا.
وأضاف أن هذه العائدات ستُستثمر في الأمن والتعليم والبنية التحتية، معتبرًا أنها تعزّز مكانة إسرائيل كـ"قوة إقليمية" في مجال الطاقة، وتسهم، وفق تعبيره، في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن "هناك من عارض بشدة إخراج الغاز من البحر، وكانت تقارير في القنوات التلفزيونية والصحف ومظاهرات لا تنتهي، وقالوا إننا سنقتل الاقتصاد، لكن اليوم بات واضحًا أن إخراج الغاز جلب أرباحًا ضخمة لإسرائيل".
ويأتي إعلان نتنياهو خلال مؤتمر صحافي الذي عقد مساء الأربعاء، بمشاركة وزير الطاقة، إيلي كوهين،، بعد أن كان قد منح، مطلع الأسبوع الجاري، "الضوء الأخضر" لتوقيع الاتفاق النهائي على صفقة الغاز مع مصر.
وكان قد جرى الإعلان عن تفاصيل الصفقة في آب/ أغسطس الماضي، حيث قُدّرت قيمتها بنحو من 35 مليار دولار حتى عام 2040، وتشمل التزامًا إسرائيليًا بتصدير كميات محددة من الغاز إلى مصر.
تفاصيل الصفقة
ووُقّعت صفقة الغاز بين الشركاء في حقل ليفياتان وشركة BOE (Blue Ocean Energy)، التي تشتري حاليًا أيضًا الغاز الطبيعي من الحقل لصالح السوق المصرية. وتشمل الصفقة كمية تراكمية تُقدَّر بنحو 130 مليار متر مكعب من الغاز، بقيمة مالية تقدر بنحو 35 مليار دولار (أكثر من 112 مليار شيكل)
وبحسب الاتفاق، يُتوقع أن تستمر عملية بيع الغاز إلى مصر حتى عام 2040، أو إلى حين استكمال بيع كامل الكمية المتفق عليها.
وتُوسّع الصفقة الجديدة الاتفاق القائم حاليًا، الذي تبلغ كميته 60 مليار متر مكعب، والمقرر أن ينتهي مع نهاية العقد الحالي. ومنذ بدء استخراج الغاز الطبيعي من حقل ليفياتان، جرى بيع نحو 23.5 مليار متر مكعب من الغاز إلى السوق المصرية.
ويزوّد الحقل، في الوقت الراهن، السوق بكميات تعاقدية سنوية تُقدَّر بنحو 4.5 مليار متر مكعب، تضاف إليها كميات تُباع وفق صفقات SPOT (مبيعات يومية غير منتظمة)، يتم احتسابها ضمن الكمية التعاقدية الإجمالية.
أبعاد سياسية وإقليمية للاتفاق
وجاءت المصادقة النهائية في ظل تقارير إسرائيلية تحدثت عن مشاركة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في المرحلة الأخيرة من الوساطة بين الجانبين، في إطار ترتيبات إقليمية أوسع تسعى واشنطن إلى دفعها قدمًا.
وترتبط الصفقة، بحسب هذه التقارير، بجهود دبلوماسية نشطة تقودها الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، بهدف فتح مسار سياسي جديد يشمل ترتيب لقاء بين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وتعتبر واشنطن أن المصادقة الإسرائيلية على الاتفاق تمثل خطوة ضرورية لإقناع السيسي بالمشاركة، وبوابة لإعادة تفعيل قنوات الاتصال بين القاهرة وتل أبيب، التي تعطلت على خلفية الحرب على غزة.
وتقدّر الدوائر الأميركية أن الصفقة ستوفر جزءًا كبيرًا من احتياجات مصر من الكهرباء عبر الغاز الإسرائيلي، ضمن رؤية أوسع لدمج إسرائيل في ترتيبات اقتصادية إقليمية تتعلق بالطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على ملفات مصر ولبنان وسورية والسعودية، في محاولة لتقليص احتمالات التصعيد وفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي المقابل، لا يزال الجدل داخل إسرائيل قائمًا، إذ حذّرت جهات مهنية في قطاع الطاقة من تأثير الصفقة على احتياطيات الغاز، في ظل تقديرات تشير إلى أن المخزون الحالي يكفي ما بين 15 إلى 25 عامًا فقط لإنتاج الكهرباء. كما أعربت جهات اقتصادية عن خشيتها من أن ينعكس التصدير الموسّع على أسعار الكهرباء داخليًا.
جين أوستن في مرآة الرأسمالية
سعيد محمد
في ذكرى مرور 250 عاماً على ميلاد جين أوستن، تُعيد كيت إيفانز قراءة إرثها بعيداً من الرومانسية المعلّبة، كاشفةً البنية السياسية والاقتصادية التي حكمت عالمها: فقر الطبقة المتوسطة، استغلال عمل النساء، وتواطؤ الرفاهية الإنكليزية مع العبودية والاستعمار، في سيرة بصرية تفكك الغرب من داخله
في عام 2025، يمرّ ربع ألفية (250 عاماً) على ميلاد الروائية الإنكليزية جين أوستن (1775-1817). وفي حين تنشغل الأوساط الأدبية في العالم الأنغلوساكسوني بالاحتفالات التقليدية عبر الطبعات الفاخرة وحفلات الشاي، اختارت الكاتبة والرسامة كيت إيفانز مساراً مغايراً تماماً: كتاب غرافيكيس، تتجاوز فيه نمط السير المعتاد، لتقدم عملية تشريح بصري وسردي لحياة أوستن، كاشفةً عن المادة الواقعية التي نسجت منها أدبها: الفقر المدقع، والعمل النسائي الشاق، وخيوط القطن الملطخة بدماء العبودية في المستعمرات.
فن «الترقيع»: إعادة بناء الذاكرة المفقودة
يعتمد كتاب Patchwork: A Graphic Biography of Jane Austen (دار فيرسو ــ 2025) في عنوانه وبنيته الفنية على استعارة «اللحاف» (Quilt) الذي صنعته أوستن في سنواتها الأخيرة ليكون بمنزلة هيكلية ناظمة لبناء السيرة؛ فكما جمعت نساء عائلة أوستن قصاصات الأقمشة لصنع غطاء دافئ، عمدت إيفانز إلى جمع «قصاصات» الأرشيف التاريخي المبعثر لتصوغ الحكاية. وبما أنّ كاساندرا أوستن أحرقت غالبية رسائل أختها، فإنّ ما تبقى للمؤرخين مشوب بالثقوب والفجوات التي تحوّلها إيفانز إلى مساحة للإبداع الفني، دامجةً المقتطفات النادرة من رسائل قليلة نجت مع مشاهد من الروايات، لتصنع في النهاية رقعةً سردية جديدة تعيد تشكيل حياة الكاتبة الشهيرة، كأنها ترفع من شأن «الترقيع» ليكون منهجاً للكتابة التاريخية عن النساء اللواتي غُيبت أصواتهن في السجلات الرسمية.
واقعية مادية: جين أوستن من لحم ودم
تستبدل إيفانز الصورة الرومانسية الشائعة عن أوستن في الثقافة الشعبية بصورة أخرى أكثر خشونة وواقعيةً، مستندة إلى قراءة ماركسية ونسوية. تظهر هنا امرأة تعيش في قلب الصدمة التي عاشتها فئات من الطبقة المتوسطة العليا الإنكليزية التقليدية حين كانت تناضل للحفاظ على المظاهر الاجتماعية مع افتقارها للمال.
تظهر الرسومات هيمنة القوانين الاقتصادية الصارمة على عالم أوستن؛ فالزواج هنا صفقة تجارية ضرورية، بل هو آلية بقاء للنساء اللواتي يفتقدن حق الإرث. وعبر تحويل عقود الزواج إلى دفاتر حسابات بصرية، تثبت إيفانز أنّ شخصيات مثل شارلوت لوكاس – رواية «كبرياء وهوى» - تمثل واقع غالبية النساء اللواتي يشكلن جيشاً احتياطياً في سوق الزواج، حيث القبول بأي عرض هو السبيل الوحيد للأمان.
كذلك، يركز الكتاب على العمل المنزلي بوصفه شكلاً من أشكال الإنتاج الاقتصادي.
تُبرز الرسوم التوضيحية الأيدي النسائية في حالة عمل مستمر: خياطة، طبخ، وكتابة في الخفاء. هذا «الاقتصاد المنزلي» هو الركيزة التي استندت إليها الطبقة المتوسطة للظهور بمظهر الرفاهية، وهو جهد ظلّ «غير مرئي» تاريخياً، تماماً كجهد جين أوستن نفسها التي كتبت روائعها وسط ضجيج الحياة العائلية ومسؤولياتها.
ظلال استعمارية: شبكة الاقتصاد العالمي
تتوسع عدسة الكتاب لتشمل سياق نمط الإنتاج الرأسمالي العالمي، رابطةً بين رفاهية بطلات أوستن بفساتينهن الرقيقة، وبين التحولات الصناعية والاستعمارية العنيفة في العالم. تتبع إيفانز أصول هذه المواد، خالقةً طبقة سردية تكشف الجذور الاستعمارية للرفاهية، فتكشف الرسوم المسار الطويل لأقمشة الموسلين والشينتز، بدءاً من النساجين في «دكا»، مروراً بمصانع القطن في لانكشاير وعمالة الأطفال، وصولاً إلى حقول القطن في الجنوب الأميركي والعبودية.
كما تربط بوضوح بين ثروات شخصيات مثل السيد دارسي – رواية «كبرياء وهوى» - وعائلة أوستن نفسها وبين عوائد الاستثمارات في جزر الهند الغربية ومنظومة العبودية القاسية في الكاريبي.
بذلك، تصطف السيرة لتكون نقداً للنظام الرأسمالي العالمي الذي يظهر الرفاهية الإنكليزية في عصر الوصاية وقد قامت على أكتاف أجساد كادحة في الضفة الأخرى من العالم.
سرد بصري مفعم بالحياة
تختار إيفانز الحيوية والطاقة بديلاً من الجمود التاريخي. تفيض رسوماتها بالحركة، وتستخدم اللون كأداة سردية مقصودة؛ فقد لونت معطف الأخ المفضل «هنري» بالقرمزي بدلاً من الأزرق التاريخي، مفضلةً الوفاء للإشارة الأدبية في رواية «كبرياء وهوى» على الالتزام بالحقيقة التاريخية الجافة. كما وظفت تقنيات الكولاج، دامجةً صور المخطوطات وقصاصات القماش داخل الكادرات المرسومة، ما يعزز إلى التوقف وتأمل التفاصيل الدقيقة الممتعة - كزجاج النوافذ وتطريز الدانتيل.
تصحيح ضروري
في ذكرى مرور 250 عاماً على ميلادها، يأتي كتاب Patchwork ليثبت أن جين أوستن صوت معاصر وضروري. إنها شاهدة ذكية على عصر تحولات كبرى، رصدت الفجوات الطبقية وانسحاق النساء في المنظومة البطريركية والقلق الاقتصادي الذي يهدد الطبقة المتوسطة.
كيت إيفانز، بدمجها المتقن بين البحث التاريخي الرصين، والنقد السياسي اللاذع، والسرد البصري الساحر، قدمت الروائية الإنكليزية الأهم بصورتها الحقيقية: امرأة تخيط ثوب حياتها وأدبها من قصاصات الواقع الصعب.
يتجاوز هذا الكتاب كونه هدية ثمينة لمحبي أوستن، ليكون نواة حركة تصحيحية تعيد للكاتبة مكانتها كواحدة من ألمع العقول التي حللت «اقتصاد العاطفة»، حيث وراء كل زواج قصة مال، ووراء كل ثوب حريري قصة شقاء. قراءة أوستن اليوم تتطلب رؤية هذه الخيوط مجتمعة في رقعة واحدة معقدة.
سعيد محمد
في ذكرى مرور 250 عاماً على ميلاد جين أوستن، تُعيد كيت إيفانز قراءة إرثها بعيداً من الرومانسية المعلّبة، كاشفةً البنية السياسية والاقتصادية التي حكمت عالمها: فقر الطبقة المتوسطة، استغلال عمل النساء، وتواطؤ الرفاهية الإنكليزية مع العبودية والاستعمار، في سيرة بصرية تفكك الغرب من داخله
في عام 2025، يمرّ ربع ألفية (250 عاماً) على ميلاد الروائية الإنكليزية جين أوستن (1775-1817). وفي حين تنشغل الأوساط الأدبية في العالم الأنغلوساكسوني بالاحتفالات التقليدية عبر الطبعات الفاخرة وحفلات الشاي، اختارت الكاتبة والرسامة كيت إيفانز مساراً مغايراً تماماً: كتاب غرافيكيس، تتجاوز فيه نمط السير المعتاد، لتقدم عملية تشريح بصري وسردي لحياة أوستن، كاشفةً عن المادة الواقعية التي نسجت منها أدبها: الفقر المدقع، والعمل النسائي الشاق، وخيوط القطن الملطخة بدماء العبودية في المستعمرات.
فن «الترقيع»: إعادة بناء الذاكرة المفقودة
يعتمد كتاب Patchwork: A Graphic Biography of Jane Austen (دار فيرسو ــ 2025) في عنوانه وبنيته الفنية على استعارة «اللحاف» (Quilt) الذي صنعته أوستن في سنواتها الأخيرة ليكون بمنزلة هيكلية ناظمة لبناء السيرة؛ فكما جمعت نساء عائلة أوستن قصاصات الأقمشة لصنع غطاء دافئ، عمدت إيفانز إلى جمع «قصاصات» الأرشيف التاريخي المبعثر لتصوغ الحكاية. وبما أنّ كاساندرا أوستن أحرقت غالبية رسائل أختها، فإنّ ما تبقى للمؤرخين مشوب بالثقوب والفجوات التي تحوّلها إيفانز إلى مساحة للإبداع الفني، دامجةً المقتطفات النادرة من رسائل قليلة نجت مع مشاهد من الروايات، لتصنع في النهاية رقعةً سردية جديدة تعيد تشكيل حياة الكاتبة الشهيرة، كأنها ترفع من شأن «الترقيع» ليكون منهجاً للكتابة التاريخية عن النساء اللواتي غُيبت أصواتهن في السجلات الرسمية.
واقعية مادية: جين أوستن من لحم ودم
تستبدل إيفانز الصورة الرومانسية الشائعة عن أوستن في الثقافة الشعبية بصورة أخرى أكثر خشونة وواقعيةً، مستندة إلى قراءة ماركسية ونسوية. تظهر هنا امرأة تعيش في قلب الصدمة التي عاشتها فئات من الطبقة المتوسطة العليا الإنكليزية التقليدية حين كانت تناضل للحفاظ على المظاهر الاجتماعية مع افتقارها للمال.
تظهر الرسومات هيمنة القوانين الاقتصادية الصارمة على عالم أوستن؛ فالزواج هنا صفقة تجارية ضرورية، بل هو آلية بقاء للنساء اللواتي يفتقدن حق الإرث. وعبر تحويل عقود الزواج إلى دفاتر حسابات بصرية، تثبت إيفانز أنّ شخصيات مثل شارلوت لوكاس – رواية «كبرياء وهوى» - تمثل واقع غالبية النساء اللواتي يشكلن جيشاً احتياطياً في سوق الزواج، حيث القبول بأي عرض هو السبيل الوحيد للأمان.
كذلك، يركز الكتاب على العمل المنزلي بوصفه شكلاً من أشكال الإنتاج الاقتصادي.
تُبرز الرسوم التوضيحية الأيدي النسائية في حالة عمل مستمر: خياطة، طبخ، وكتابة في الخفاء. هذا «الاقتصاد المنزلي» هو الركيزة التي استندت إليها الطبقة المتوسطة للظهور بمظهر الرفاهية، وهو جهد ظلّ «غير مرئي» تاريخياً، تماماً كجهد جين أوستن نفسها التي كتبت روائعها وسط ضجيج الحياة العائلية ومسؤولياتها.
ظلال استعمارية: شبكة الاقتصاد العالمي
تتوسع عدسة الكتاب لتشمل سياق نمط الإنتاج الرأسمالي العالمي، رابطةً بين رفاهية بطلات أوستن بفساتينهن الرقيقة، وبين التحولات الصناعية والاستعمارية العنيفة في العالم. تتبع إيفانز أصول هذه المواد، خالقةً طبقة سردية تكشف الجذور الاستعمارية للرفاهية، فتكشف الرسوم المسار الطويل لأقمشة الموسلين والشينتز، بدءاً من النساجين في «دكا»، مروراً بمصانع القطن في لانكشاير وعمالة الأطفال، وصولاً إلى حقول القطن في الجنوب الأميركي والعبودية.
كما تربط بوضوح بين ثروات شخصيات مثل السيد دارسي – رواية «كبرياء وهوى» - وعائلة أوستن نفسها وبين عوائد الاستثمارات في جزر الهند الغربية ومنظومة العبودية القاسية في الكاريبي.
بذلك، تصطف السيرة لتكون نقداً للنظام الرأسمالي العالمي الذي يظهر الرفاهية الإنكليزية في عصر الوصاية وقد قامت على أكتاف أجساد كادحة في الضفة الأخرى من العالم.
سرد بصري مفعم بالحياة
تختار إيفانز الحيوية والطاقة بديلاً من الجمود التاريخي. تفيض رسوماتها بالحركة، وتستخدم اللون كأداة سردية مقصودة؛ فقد لونت معطف الأخ المفضل «هنري» بالقرمزي بدلاً من الأزرق التاريخي، مفضلةً الوفاء للإشارة الأدبية في رواية «كبرياء وهوى» على الالتزام بالحقيقة التاريخية الجافة. كما وظفت تقنيات الكولاج، دامجةً صور المخطوطات وقصاصات القماش داخل الكادرات المرسومة، ما يعزز إلى التوقف وتأمل التفاصيل الدقيقة الممتعة - كزجاج النوافذ وتطريز الدانتيل.
تصحيح ضروري
في ذكرى مرور 250 عاماً على ميلادها، يأتي كتاب Patchwork ليثبت أن جين أوستن صوت معاصر وضروري. إنها شاهدة ذكية على عصر تحولات كبرى، رصدت الفجوات الطبقية وانسحاق النساء في المنظومة البطريركية والقلق الاقتصادي الذي يهدد الطبقة المتوسطة.
كيت إيفانز، بدمجها المتقن بين البحث التاريخي الرصين، والنقد السياسي اللاذع، والسرد البصري الساحر، قدمت الروائية الإنكليزية الأهم بصورتها الحقيقية: امرأة تخيط ثوب حياتها وأدبها من قصاصات الواقع الصعب.
يتجاوز هذا الكتاب كونه هدية ثمينة لمحبي أوستن، ليكون نواة حركة تصحيحية تعيد للكاتبة مكانتها كواحدة من ألمع العقول التي حللت «اقتصاد العاطفة»، حيث وراء كل زواج قصة مال، ووراء كل ثوب حريري قصة شقاء. قراءة أوستن اليوم تتطلب رؤية هذه الخيوط مجتمعة في رقعة واحدة معقدة.


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire