حسان الزين: شبح طانيوس شاهين يخيّم على لبنان

 

محمد ناصر الدين

هي رحلة تجمع بين المعرفة والمتعة التي يأخذنا فيها حسان الزين في روايته الجديدة «طانيوس شاهين: ماذا فعلتُ لأستحق هذا» (دار رياض الريس ــ 2025)، ويؤسس فيها سيرة روائية وتاريخية لطانيوس شاهين سعادة الريفوني (1815-1895)، الذي سطع نجمه منتصف القرن الماضي بوصفه أحد صانعي «جمهوريّات لبنان» وتموضع ثورته عند مفصل أخيل الرخو في تاريخ جبل لبنان، أي فترة انفجار تناقضات نظام القائمقاميتين والانتقال الصعب من نظام الملّة العثماني إلى النظام الطائفي الصريح الذي سيبلغ أقصى مداه في المتصرّفية ودولة لبنان الكبير في ما بعد، وضعف الدولة العثمانية وتدخلات القناصل، إضافة إلى سطوع نجم الكنيسة المارونية وتضعضع العائلات الإقطاعية في جبل لبنان وكسروان تحديداً.
لكن البحث عن سيرة مدونة و«موضوعية» لقائد ثورة الفلاحين هو ككل أقانيم التاريخ الشائكة في البلد الذي يمكن أن تنشب فيه حرب طاحنة بين طائفتين من خلاف على لعبة «الغلة» بين ولدين شقيين على بيدر قرية نائية، فكان على حسان الزين أن يمشي بين ألغام الالتباسات والتناقضات، ليستجمع سيرة الرجل التي تفرقت شذر مذر بين أوراق المراجع وطيات الرسائل ومراسلات القناصل، وأهواء المؤرخين الذين أخذوا بحسب موقعهم الأيديولوجي يتجاذبونها يميناً ويساراً.
كان على الزين أن يجعل من المعطيات التاريخية واللغوية والأنثروبولوجية ـــ أي من عمل المؤرخ ــــ البنيةَ التحتية التي سترفع بناء السرد الفوقي وتطور الشخصية من المكاري البسيط إلى الحداد الذي يرث مهنة أبيه وطموح التاجر وعنفوان القائد الذي تتردد حياته بين جرحين: قتل أبيه من قبل عائلة الخازن، ومعرفته بأنه لن يعاقب، وكذلك أن يحمّل لغة يصنع فيها السياسة وهي اللغة المطعمة بالأمثال الشعبية، فالسياسة لغة في المقام الأول. عن عمله وشبح طانيوس شاهين الذي يخيّم فوق لبنان حتى الساعة، وجسد الكتابة المنقسم بين الرواية والتاريخ، كان هذا الحوار مع «كلمات»

■ لماذا اخترت طانيوس شاهين بالتحديد موضوعاً لعملك الجديد، على ما تحمله هذه الشخصية من التباسات وإشكاليات؟
- طانيوس شاهين واحدٌ من الفاعلين في تاريخ جبل لبنان ولبنان. رغم ذلك، فإنَّ سيرته لم تُكتب. التاريخ الرسمي اللبناني، الذي كُتِب بعد إعلان لبنان الكبير (1920) وبعد الاستقلال (1943)، اكتفى بذكر «ثورة الفلاحين» التي قادها (في أواخر عام 1858 ومطلع 1859). وفيما بقيت المعلومات عن شخصيّته وسيرته ودوره محدودةً ومتناقضةً، انقسم المؤرّخون والباحثون والكُتَّاب، الذين تناولوا التاريخ اللبناني، في شأنه.
هذا ما زاد الالتباسات حول شخصيّته وسيرته وثورته، وحول المرحلة التاريخيّة التي عاشها، وربما حول تاريخ جبل لبنان ولبنان عموماً.
لم أختر طانيوس شاهين لانحياز مسبق له. كنت في صدد تأليف كتاب عن شخصيّات لبنانيّة سياسية واجتماعية وثقافية حفرت بصماتها في تاريخنا وذاكرتنا، وفي ثقافتي ووجداني، منها طانيوس شاهين وبطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وأنطون سعادة وفرج الله الحلو وفؤاد شهاب وكمال جنبلاط والسيد موسى الصدر والمطرانان جورج خضر وغريغوار حدّاد والرحابنة وفيروز ونصري شمس الدين ولور وجوزيف مغيزل وسليم الحص ونسيب لحود وطلال سلمان ووداد حلواني... وآخرون.
ولمّا كان طانيوس شاهين، الذي أعلن حكومة جمهوريّة (من الجمهور) في عام 1859، في مقدّمة صانعي «جمهوريّات لبنان» (وهذا كان عنوان كتابي)، بدأت به. لكن الرحلة معه طالت وأجّلَت مشروعي عن الآخرين. علماً أنني كتبت عن بعضهم.
وقد أحببت ذلك واستسلمت له، سعيداً برفقة طانيوس شاهين في العودة إلى تلك المرحلة التاريخيّة التي أجّجت بي الرغبة في قراءتها ومعرفتها من الداخل وعيشها بكلّ تفاصيلها السياسيّة والاجتماعية والثقافيّة واللغوية. وبقدر ما كان الأمر متعِباً، كان ممتعاً. فبرغم وجود مكتبة ضخمة تتناول تلك المرحلة، إلا أنّ «المعلومات» عن طانيوس شاهين وسيرته، كما قلت، محدودة ولا تكفي لرسم شخصيّته وصوغ سيرته.
حاولت، قدر المستطاع، أن أحوّل المادة التاريخيّة المتوافرة إلى مصادر روائيّة صالحة للسرد، وأن أحوّل ما هو عام إلى خاص. كنت، أحياناً، مثل مترجم ينقل من لغة إلى أخرى، من التاريخ والعام إلى السيرة والخاص. وهنا، واجهت الالتباسات والتناقضات الكثيرة والخطيرة المحيطة بشخصيّة بطلي وسيرته وثورته، والاختلافات في تأريخ مرحلته وهي من «الصراع على تاريخ لبنان» كما يقول أحمد بيضون.
حرصت على أن أفحص، بالعقل، تلك الالتباسات والتناقضات والاختلافات والسرديّات. وقد استعنت دائماً بمؤرّخين وباحثين أحترمهم، في مقدّمتهم كمال الصليبي، وفوّاز طرابلسي، ووضّاح شرارة، وإدمون ربّاط، ومسعود ضاهر، وأسامة المقدسي، وأنطوان سلامة، ودومينيك شوفالييه، وإيرينا سميليانسكايا وآخرين. خلال رحلتي هذه، اكتشفت ما يمكن أن يُعتَبَر من أسبابِ اختياري طانيوس شاهين.
شعرت بأنني بحاجة إلى معرفة مرحلته التي حاولت أن أرسم مجتمعها وإنسانها- كما تبدّيا أو تهيّآ لي- لمعرفة تاريخ بلدنا ولمعرفة مجتمعنا وإنساننا.
وشعرت بأن طانيوس شاهين هو نحن، أي كل مواطن ومواطنة في لبنان، وبأنه موجود، في الوقت نفسه، في كثيرين من الزعماء السياسيين.
كأنّنا ما زلنا في اللعبة، أو الدوّامة نفسها. بات ذاك الشعور، من دون أن ألغي الفروق بين مرحلته وزمننا، وبينه وبيننا، من دوافع حرصي على إنجاز العمل رغم الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية القاسية التي نعيشها. ولعلّ القارئ يشعر بذلك، برغم أنني حرصت على أن لا أُسقِطَ زمننا وشعوري على مرحلته، أو العكس.

■ هل لك أن ترسم صورة علاقات السلطة إبان حركة طانيوس شاهين، عبر الأطراف التي تفاعلت معها هذه الحركة.
- ولِد طانيوس شاهين في مرحلة مفصلية من تاريخ جبل لبنان، هي فترة إمارة بشير الشهابي. وكان مجتمع طانيوس شاهين، أو الشعب الماروني، وفقاً لثقافتهم ولغتهم في ذاك الزمن، ينظر إلى الأمير الشهابي بعين المهابة والإجلال، لا سيما بعد تحوّله إلى المذهب الماروني وقضائه على الزعيم الدرزي الشيخ بشير جنبلاط (1825).
كانت الدولة العثمانية هي التي تمنح «المير» خلعة الولاية وتجعله الأمير الكبير المكلّف بجمع الضرائب وفرض الأمن والنظام في نطاق إمارته، مستعيناً بمن يوالون له من أمراء ومشايخ، مقاطعجية، وعائلاتهم ورجالهم.
وقد حالف بشير شهاب حاكم مصر محمد علي باشا الذي أرسل، في 1831، جيشاً بقيادة ابنه إبراهيم باشا إلى بلاد الشام، فاحتلها وضمّها إلى أراضيه، حتّى انتفض سكّان الجبل في 1840، فانسحب الجيش المصري ونُفي بشير شهاب إلى مالطا، وعاد الجبل (وبلاد الشام عموماً) إلى حكم الدولة العثمانية التي قسّمته بالاتفاق مع الممالك الأوروبية إلى قائمقاميّتين. وشهدت تلك الفترة نموّاً في حجم الكنيسة وملكيّتها ودورها وعلاقتها بفرنسا وروما.

■ ماذا عن العائلات النافذة مثل آل الخازن، الذين ثار عليهم طانيوس شاهين؟
- كانت عائلات المقاطعجيّة نافذة في جبل لبنان عموماً، وعلاقات العائلات المارونية بالكنيسة المارونية قويّة. حتّى صار المطران بولس مسعد، وهو ابن عائلة فلاحية وليس من العائلات المقاطعجية، بطريركاً. في 1854، كانت تلك العائلات، وخصوصاً الخازن، مؤثّرة في الكنيسة.
قبل ذلك، ولأسباب عدة منها نفوذ العائلات وخصوصاً الخازن، لم يستطع مسعد الوصول إلى كرسي البطريرك، برغم ازدياد أعداد أبناء الفلاحين وعموم الأهالي في الإكليروس.
ولم تنظر العائلات النافذة، ولا سيما آل الخازن، بعين الرضى إلى اختيار «عامي» و«ابن فلّاح» إلى أعلى منصب كنسي. وإذ كتمت العائلات غيظها، بدأت الصراعات في ما بينها من جهة وفي ما بينها وبين الفلاحين والأهالي من جهة أخرى، وقد انفجرت في الخلافات على منصب القائمقام في القائمقامية المسيحية، وفي انتفاضة زحلة، ثم في ثورة الفلاحين في كسروان بقيادة طانيوس شاهين.
وفي تلك الأثناء، كما تفيد مؤلّفات كُتبت آنذاك منها «نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية» للخوري منصور الحتوني و«ثورة وفتنة في لبنان» لأنطون ضاهر العقيقي، استشرس مشايخ آل الخازن وازداد بطشهم وسلبطتهم، وفقاً لتعبير ذاك الزمن. وفيما كان المجتمع والاقتصاد يتغيّران، كانت سلطة العائلات تتفكك وتبدو عاجزة عن مواكبة «الرأسمالية» الجديدة، فتفاقمت أزمتها واشتد صراعها مع الفلاحين والمتعلّمين والتجار والسماسرة والصنايعية، وعموم الأهالي، إضافة إلى الكنيسة والإكليروس. وبعد حرب 1860 بين الموارنة والدروز، ألغى نظام المتصرّفية امتيازات المقاطعجية لكنّهم استمرّوا وتكيّف بعضهم مع الوقائع الجديدة.
فلنتكلم عن طانيوس شاهين نفسه، أي عن الفضاء النفسي والإمكانات الكامنة في شخصيته.
عاش طانيوس شاهين، كما أفترض، بين جرحين: جرح اليتم وجرح عدم الإنجاب. حين عرف أنه لن يرزق بأولاد، حضر بقوّة قتل الشيخ الخازني والده ويُتمه المبكر والقاسي.
كأن الجرح الثاني قد فتح الجرح الكبير الأول على مصراعيه. فالانتقام من عائلة الخازن الذي كان يمكن أن يؤجل أو يورث للأولاد والأحفاد، صار الآن ملحّاً ومستحيلاً في آن. كانت خطته للانتقام من المشايخ هي أن يحسّن ظروفه، ويمتهن مهنة جيدة وينجب ولداً يورثه ثروة ويحصنه بمهنة أو تعليم مدرسي. لكن، حين عرف أنه بلا عقب، صار إنجاز الانتقام ملحّاً.
لعل هنا بدأ الانتقام، وهو ليس بمعنى الثأر الدموي الذي لم يكن شائعاً في جبل لبنان، يبحث عن طريق للتحقّق واستغلال الفرصة. تمثّل ذلك في التحريض على الخازنيين، والثورة عليهم وطردهم ونهب حاراتهم وأملاكهم وتوزيعها على الأهالي على طريقة روبن هود.
كان طانيوس شاهين مع الناس أقرب إلى ما يسميه المثل الشعبي «حديدان»، بمعنى أنه صاحب نخوة وحميّة يحب الناس ويندفع لخدمتهم، ويشعر بأنه واحد منهم.
ما يميز شخصه، كما رأيته، هو الكرم والتضامن مع الفقراء والضعفاء. فطانيوس شاهين ابن بيئته التي يمكن أن نعرفها، لا من كتب التاريخ فقط، إنما من الثقافة الشعبية السائدة آنذاك أيضاً، وأهم تعبيرات تلك الثقافة ومخزنها ومرجعها المثل الشعبي، الذي استعنت بمعجمه (أنيس فريحة) في رسم شخصيّة طانيوس شاهين وقيمه.

■ كيف استطعت ملء الفراغات والثغرات أثناء الكتابة؟
- كان معياري الأول هو الالتزام بالدقة في المعلومات والبحث عن مصادر علميّة. أصل الثغرات أنّ حياته غير موثقة، وجل ما لدينا باسمه هو مجموعة من الرسائل التي وجّهها إلى عدد من الأشخاص وإلى أهالي بعض المناطق، وهو الذي كان يُمليها على أحدهم فيكتبها باسمه ويمهرها بختمه. وقد تناثرت المعلومات عنه شذرات بين مؤرخي ذاك الزمان والمحررات السياسية ومراسلات قناصل الدول الأجنبية.
كان عليّ جمع هذه الوثائق وتنقيتها من الشوائب والتناقضات والمبالغات، وزرعها في الأرض كي تنمو ثم جمعها بعضها إلى بعض. حين بدأت العمل، كان الأمر يشبه إشكالية الترجمة، أي كيف يمكن تحويل معلومة عن تلك المرحلة أو عن ثورة الفلاحين إلى سيرة. هنا، كمن التحدي.
عندها، أطلقت العنان للمخيلة والقدرة على ترجمة المعلومات إلى سرد. لكن بقيت ملتزماً إلى أقصى الحدود بالوثائق والمراجع والمصادر التاريخية، وبما يقبله عقلي والحكم المنطقي على الأمور. اعتمدت الأسلوب السردي لتلافي التناقضات والثغرات الموجودة في الكلام عنه، والذي بات يأخذ صبغةً أيديولوجية.
على سبيل المثال لا الحصر، انطلقت من تقرير في «مجموعة المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سوريا ولبنان من 1840 إلى 1910» الإنكليزية، عن اجتماع شيوخ شباب قرى كسروان مع طانيوس شاهين قبل تولّيه القيادة.
تقاطع هذا التقرير مع معلومات واردة في كتاب «ثورة وفتنة في لبنان» للعقيقي ومراجع أخرى، تتحدّث عن اختلاف في وجهات النظر بين شيوخ الشباب وطانيوس شاهين، إلى حد الشجار وارتفاع الأصوات.
ولم يكن هدفي صوغ مشهد ذاك الاجتماع وتقديم رواية عن كيفية اختيار طانيوس شاهين شيخاً للشيوخ فقط، إنما سعيت إلى رسم خريطة الآراء السياسية داخل الاجتماع وفي كسروان وجبل لبنان، وموقف طانيوس شاهين وموقعه منها.
وقد استندت في ذلك إلى مراجع عدة تتحدّث عن عناوين التجاذب السياسي آنذاك. باختصار، انطلقت من مستندات ومعلومات وإشارات تاريخية لتمكين السرد من الوقوف والسير. سعيت دوماً إلى إنضاج شخصيّة طانيوس شاهين وتعاملها مع الأحداث بحسب ما يقتضي الأمر، ووفقاً لتسلسل الأحداث والرواية.

■ هل حققت تلك الثورة أهدافها، أم أنها انتهت كصاحبها، بلا عقب؟
- أعتقد، بناءً على ما قرأت، أن «ثورة الفلاحين» لم تمتلك عقيدة أو برنامجاً سياسيّاً بالمعنى الحديث الذي نعرفه راهناً. رفعت مجموعة من المطالب، في مقدّمتها ألا يبقى المشايخ (آل الخازن) مأمورين، وخفض ما يتقاضونه من الفلاحين، والتوقف عن فرض الهدايا على الأهالي، والتوقف عن الإهانات... لقد بدأت الثورة أقرب إلى الاحتجاج على سلوك المقاطعجية، آل الخازن، وإلى الغضب من تسلّطهم وسلبطتهم وإهانتهم الفلاحين والأهالي. وعندما اختير طانيوس شاهين كبيرَ شيوخ الشباب أو وكيلاً عاماً، أعاد بحدّة وتصلّب صوغَ تلك المطالب، ووضع على رأسها المساواة بين المشايخ والأهالي واختيار المأمور من الشعب، إضافة إلى رفض ظلم آل الخازن الفلاحين والأهالي.
ذهب أبعد من ذلك، فهو لم يطلب أن يختار الأهالي المأمور منهم فقط، وكان على يقين وثقة بأنهم سيختارونه هو، بل دفع إلى مقاسمة الأراضي وتوزيعها على الفلاحين والأهالي. بمعنى ما ارتجلت الثورة، بقيادة طانيوس شاهين، أهدافها متأثّرة بالدعوة إلى تنفيذ الإصلاحات التي أقرّتها الدولة العثمانية في خط همايوني (1856) من جهة وبقيم الثورة الفرنسية التي وصلت إلى أهالي جبل لبنان من جهة أخرى.
وخلال ذلك، أنشأ شاهين مجلساً ضم شيوخ شباب القرى ووجهاء وكهنة واتخذ مجموعة قرارات منها إنشاء ديوان لينظر في قضايا الأهالي وشؤونهم.
لكن، حصل ما يسمّيه أنطوان سلامة الانتقال أو الانحدار «من منازلة الإقطاع (وأفضّل استعمال مصطلح مقاطعجية) إلى عجز الثورة». لا يقلّل هذا من شأن الثورة تاريخيّاً، بقدر ما هو توصيف يزعم التخلّص من الإضافات والإسقاطات الأيديولوجيّة طمعاً بقراءتها في سياقها كحدث تاريخي ينتمي إلى زمنه ومجتمعه في ظروف الدولة العثمانية والتدخلات الأوروبية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المرافقة للثورة الصناعية في أوروبا أو الناتجة منها. كذلك، لا يعني أنّها كانت مجرّد شجار صغير جرى تضخيمه، كما جاء في عريضة مصالحة طانيوس شاهين مع مشايخ آل الخازن.
وفيما كانت الثورة بلا عقيدة أو برنامج سياسي أو بيان، اللهم إلا ما في رأس طانيوس شاهين وعدد من رفاقه، اكتفت بالمطالب وبما سعت إلى انتزاعه، لكنّها لم تنجح في ذلك. لقد اصطدمت بإصرار البطريرك بولس مسعد على عودة عائلة الخازن (نحو 500 شخص) إلى كسروان، ورفضه تنصيب طانيوس شاهين مأموراً. واصطدمت أيضاً بحصار عثماني، ولا حماسة فرنسية، وعداء إنكليزي.
لعل تحوّل طانيوس شاهين نفسه إلى عنوان للثورة وبرنامجها السياسي، إذا جاز القول، هو ما دفعه إلى مناطحة الحائط والقفز في المجهول. إزاء الموقف الصارم للبطريرك، وفي ظل التخبّط المحلّي وتدهور الأوضاع الاقتصادية وفلتان الأمن وصراعات الثوار، وقف طانيوس شاهين في مواجهة الدولة العثمانية والمشايخ الدروز.
برغم هشاشة وضعه في كسروان، وربما هرباً منها ورفعاً لسقف التحدي، أغرته وغرّته فكرة «تصدير الثورة» إلى قائمقامية الدروز. علماً أن المعلومات تشير إلى أنه كان محرّضاً ومدّعياً أكثر مما هو مخطّط وفاعل. وقد استغل المشايخ الدروز والدولة العثمانية ذلك، وأضافوه إلى سجل ما أحدثه طانيوس شاهين من فوضى وبلبلة للنظام وتطاول على «كبار القوم» في كسروان والجبل عموماً.
مع بدء الفتنة المارونية ــ الدرزية في 1860، ارتجل طانيوس شاهين سياسة دعم الموارنة في قائمقامية الدروز وحمايتهم، من دون أن يقوى على حشد الجيش الذي يتألّف من خمسين ألف رجل كما وعد.
وكانت هزيمة الموارنة أمام الاندفاعة الدرزية الثأرية. ورغم تحميله مارونيّاً جزءاً وافراً من مسؤولية تلك النكبة، إلا أنه لم يتعلّم سياسيّاً. ورغم اعترافه بالنكبة وبخسارة زعامته، إلا أنه اندفع مجدداً لأسباب عدة، لترميم صورته وموقعه، ولم يفلح. أحسب أن طانيوس شاهين نجح في أن يكون قائداً محبوباً من الأهالي والجمهور، لكنه أخفق في أن يكون سياسياً.

■ ثمة خطاب لطانيوس شاهين في الكتاب يتكلم فيه عن ضرورة حماية طائفته بالقوة، بما يذكر بخطابات زعماء الطوائف. إلى أي مدى هذا صحيح؟
- لست مؤهّلاً لادعاء صفة من يحدّد الصواب والخطأ. لست في وارد انتحال ذلك. لكن، يمكنني القول، إنني في أثناء صوغ هذا الخطاب بناءً على ما تجمّع في يدي من معلومات وعناصر تاريخية وسردية، شعرت بما شعرت أنت به، وربما يحس به كثيرون من القرّاء، وهو أن خطابات زعماء الطوائف وآليّات تزعّمهم وحشدهم لم تتغيّر كثيراً. ربما تعقّدت أو تطوّرت، وصارت أكثر تأثيراً وخبثاً وخطراً، لكنّها لم تتبدّل مئة في المئة.
أجل، خطابُ طانيوس شاهين أمام رجاله المحتشدين للذهاب إلى قائمقامية الدروز لحماية الأهل، أي الموارنة، يذكّر بخطابات الزعماء الطائفيين، ومنهم من أكرمنا القدر بالعيش في زمنهم، وهم يشدّون العصب الطائفي ويحرّضون على نبذ «الخونة» من الجماعة ومقاتلة جماعات أخرى في آن معاً.
كما قلت، إن طانيوس شاهين يشبهنا نحن المواطنين والمواطنات، ويشبه الزعماء أيضاً. ولعل هذا الخطاب يترجم أو يمثّل مقولة فوّاز طرابلسي عنه، هي أنه «يخلط الطائفي بالاجتماعي». فطانيوس شاهين، الذي قاد انتفاضة ضد المقاطعجية الموارنة (آل الخازن) من منطلقات «اجتماعية»، هو نفسه الذي يتحمّس ويحمّس لمقاتلة المشايخ الدروز، والدروز عموماً، بغية حماية الفلاحين والأهالي الموارنة في قائمقاميّة الدروز، وهو نفسه من يخوّن مشايخ آل الخازن لكونهم يلتقون بالمشايخ الدروز. طانيوس شاهين الذي حاول البعض تعميم صورة أنه (على سبيل المزاح) منتمٍ إلى الحزب الشيوعي، يبدو لي منتمياً إلى حركة المحرومين الموارنة في زمنه، والمحرومين الشيعة في عصرنا.

■ بالانتقال إلى العمل ذاته، كيف لم يضغط التوثيق التاريخي على النص الروائي، وكيف وصلت إلى التوازن فيه بين المتعة والفائدة؟
- أزعم أن هذا العمل مهندَسٌ بدقّة. أمعنت التفكير في بنيته وتقسيماته. أحياناً، كان يغلبني النص، ورغم شعوري بضرورة أن أخفف من التاريخي لمصلحة السرد مثلاً، كنت أجدني متردداً وحائراً أو مستأنساً بما كتبته. لكنّي لم أستسلم. لقد أعدت قراءة النص مرّات ومرّات، وأضفت وحذفت، وأجبرت نفسي على الالتزام بالمعايير والقواعد والتوجّهات التي وضعتها. وحين كنت لا ألتزم أو أتملّص من إنجاز مهمّة إعادة التوازن، كنت ألجأ إلى أصدقاء جعلوني أتجرأ على ما ترددت إزاءه.
منذ البداية، كنت مصمماً على كتابة نص يرسم المشهد في ذاك الزمن بالمعنى التاريخي والاجتماعي والثقافي. لذلك، لجأت إلى اللغة العامية والمثل الشعبي الذي فيه كثير من معالم تلك المرحلة ومجتمعها وإنسانها. حاولت أن أبقى واعياً لما أكتب، بحيث يكون البحث التاريخي رافعة للنص والسرد امتحان المادة التاريخية. أما البناء الفوقي أو السرد، فلجأت فيه إلى مجموعة من الإجراءات والحيَل كي أبقى مسيطراً على النص.
كأن أقسّم الفصول وفقاً للحقب التاريخية، وأفتتحها بعناوين من المثل الشعبي. أما الفقرات فيها، المتسلسلة وفقاً للترتيب الزمني والمواضيع الطارئة، فتحمل عناوين من القاموس العامي. وقد ساعدني ذلك في متابعة العمل وإكمال العمارة التي بنيتها، التي لا تتضمّن التاريخ السياسي فقط، إنما تتّسع لتفاصيل العيش في تلك المرحلة وذاك المكان، من اللغة والثقافة إلى العادات والتقاليد والمأكل والمشرب والعلاقات الاجتماعية والتجارة...
وقد استغرق الكتاب مني ثلاث سنوات، منها سنتان متفرّغاً بالكامل، قرأت فيها كتب التاريخ والعادات والتقاليد ومعاجم الأمثال الشعبية والألفاظ العامية.
ولم يكن إدراجي لهذه العناصر وغيرها من قبيل المنكهات لتزيين النص، بل كمصادر أعرف في ضوئها المجتمع في ذاك الزمان، كأن أفهم مثلاً كيفية عيش المكاري الذي صار زعيماً في ما بعد، وكيف يتعامل مع قتل أبيه أو كيف يتعامل مع أمّه وزوجته والآخرين والظالمين. لقد استفدت من هذه المراجع، وأنا لست بعيداً أصلاً مما تتضمنه، لبناء الشخصية وعالميها الداخلي والخارجي، لأنني أحببت أن أكتب نصاً يتجاوز محليته لكي يكون قراءته ممتعة ومفيدة.
بين «الروح المتجوّلة» والمسيّرات: كيف يستخدم الاحتلال الحرب النفسية ضد لبنان؟
علي فرّان

«لقد رحل جسدي...
أنا ميت يا عائلتي،
إنها مأساة، يا لها من مأساة!
فيا أصدقائي، ما دمتم على قيد الحياة،
عودوا إلى دياركم!
عودوا إلى دياركم يا أصدقائي قبل فوات الأوان».

هذا المقطع المُسجّل بأصوات مقاتلين فيتناميين، كانت تبثّه القوات الأميركية عبر مكبّرات الصوت في حرب فيتنام لتبثّ الرعب في قلوب قوات «الڤيت - كونغ» الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام، وتدمير إرادة القتال لديهم.
يُعتبر هذا الأسلوب من أساليب الحرب النفسية التي تهدف إلى التأثير على معنويات العدو وأفكاره بغرض إضعاف إرادته للقتال، ففي الحرب النفسية تُستخدم وسائل متعدّدة تشمل الإعلام، والشائعات، والتضليل، والضغط السياسي والنفسي. وقد تكون-كما هو معروف- مصحوبة أو مكمّلة للحرب العسكرية.
تهدف الحرب النفسية إلى تحقيق أهداف استراتيجية دون استخدام القوة المُفرطة، وتُستخدم في مراحل السلم والحرب لتشكيل الرأي العام، وإرباك القيادة العسكرية للخصم، وبيئته الشعبية، وتحقيق انتصارات غير عسكرية، وإخضاع الطرف الآخر وإقناعه بعدم جدوى المقاومة.
في كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، يقول المفكّر فرانتز فانون: «في العالم الاستعماري، لم يكن يكفي أن يُستَعبَد الإنسان، اقتصادياً وسياسياً، بل كان لا بدّ أن يُستَعبَد أيضاً نفسياً. فالاستعمار يصنع من المستعمَر شخصاً يحتقر ذاته ويعشق مضطهده».

بين المُسيّرات و«الروح المتجوّلة»
في لبنان، لم تتوقف يوماً الحرب النفسية والإعلامية ضد حركات المقاومة من قبل الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي، لكنّ أدواتها وأشكالها كانت تتغيّر وترتفع أو تنخفض وتيرتها بحسب الظروف. بعد وقف إطلاق النار، في 27 تشرين الثاني 2024، أخذت وتيرة الحرب النفسية والإعلامية في الارتفاع لتحقيق الأهداف التي لم تتمكن الحرب بوجهها العسكري من تحقيقها بشكل كامل.
استخدم العدو الإسرائيلي أسلوباً يشبه الأساليب التي استخدمتها القوات الأميركية في حرب فيتنام. بعد تجهيز الأشرطة المُسجّلة من قبل الأميركيين بأصوات عسكريين فيتناميين، نفَّذت القوات الأميركية العملية العسكرية، ميدانياً، وكانت مكبّرات الصوت الوسيلة الرئيسية لإيصال أصوات «تسجيلات الأشباح» لجنود شمال فيتنام، فقد كانت الثقافة الشائعة أنه إذا مات شخص نتيجة العنف ستبقى روحه تتجوّل بين الأحياء وتجلب الحظ السيّئ وتلعن الناس حتى تهدأ، فالجنود الذين يموتون في ساحات القتال يخاطرون، ليس بحياتهم فحسب، بل يصبحون أرواحاً ضائعة. ركَّبت القوات الأميركية، حينها، مُكبِّرات صوت على مروحيات وقوارب الدوريات البحرية السريعة.
كان الهدف من عملية «الروح المتجوّلة» نفسياً، محاولة لزيادة حالات الفرار والانشقاق من مقاتلي «الفيت - كونغ»، وإضعاف معنوياتهم، وإجبارهم، تالياً، على ترك الساحة بعد سلبهم إرادة القتال.
في جنوب لبنان، استخدم العدو الإسرائيلي أسلوباً مشابهاً عبر إرسال المُسيّرات فوق مناطق الجنوبيين، لتبثّ رسائل صوتية تحرّضهم فيها على طرد المقاومين من مناطقهم، كما تبثّ أصواتاً للطيران الحربي الإسرائيلي لخلق حالة رعب بين المواطنين والأطفال.
فعلى سبيل المثال، لاحقت مُسيّرة إسرائيلية المهندس طارق مزرعاني، منسّق «تجمّع أبناء القرى الحدودية الجنوبية»، والذي ينشط في مجال تثبيت حق عودة أبناء القرى الجنوبية الذين هجّرهم العدو الإسرائيلي. وأثناء ملاحقته، كانت المُسيّرة المعادية تبثّ شريطاً مسجّلاً باللغة العربية يقول: «الكذب والاحتيال في ديار حزب الله، واليوم أتى إليكم المهندس طارق مزرعاني لتستمرّ مؤامرتهم. اطردوهم، كي تعود الأرض ويتمّ الإعمار».

القتل لمزيد من الضغط
لم يوقف العدو الإسرائيلي عدوانه على لبنان، ولم يلتزم باتفاق وقف العدوان، فهو لا ينفكّ يستهدف، بالمُسيّرات وبالطيران الحربي، أفراداً أو منشآت، بشكل مكثّف، ولا يفرّق بين ما هو مدني واضح أو عسكري مزعوم، طالما أن هدفه زيادة التوتر عند الحاضنة الشعبية للمقاومة، فلا يفرّق بين رجال أو نساء أو حتى أطفال.
في هذا الإطار، يمكن وضع استهداف عائلة شادي شرارة، الذي ارتقى مع ثلاثه من أبنائه، فيما أصيبت زوجته وابنته بجروح جرّاء غارة إسرائيلية استهدفتهم، في وضح النهار. ويأتي في الإطار ذاته، اغتيال جرحى، كانوا قد أصيبوا في «مجزرة البيجر»، مثل الشهيدين حسن جميل عطوي، ومحمد علي قاسم حديد.
شكّلت عمليتا اغتيال عطوي وحديد، نموذجاً على تعمّد العدو زيادة الضغط النفسي والأذى الجسدي المباشر على عائلات المُستهدفين وبيئتهم العامة. ففي حالة الشهيد عطوي، انتظرت المُسيّرة المعادية زوجته زينب أرسلان لتخرج من المحل المجاور حيث كانت تتبضّع، وفي لحظة فتحها لباب السيارة لتلحق بزوجها، استهدفتهما معاً ليرتقيا شهيدين.
أمّا الشهيد حديد، فقد استهدفه العدو الإسرائيلي هو وزوجته داخل سيارتهما، بثلاثة صواريخ موجّهة، على مفترق بلدة الشرقية وسط بلدة الدوير، في مكان مكتظّ بالناس وحركة السير والمحالّ التجارية، ما أدّى إلى استشهاده وجرح زوجته وإصابة 6 من المارّة بجروح.

الإعلام والحرب النفسية
في موازاة كل ذلك، واكبت العدوان الإسرائيلي، المتعدد الأشكال، حملة إعلامية داخلية، لتلعب دوراً مكمّلاً يصبّ في خدمة الهدف المشترك ضد المقاومة وبيئتها.
لا يكاد يمر يوم من دون أن تنقل قنوات إعلامية لبنانية تقارير عن الإعلام العبري تحدّد مواعيد ومواقيت لبدء عدوان عسكري جديد على لبنان، وتبرز هذه التقارير نوايا العدو العدوانية متذرّعاً بعدم استسلام حزب الله. تقدّم هذه القنوات تلك التقارير بأسلوب تهديدي لحزب الله وبيئته، حتى يخال المشاهد أن هذه القنوات عبرية وليست لبنانية.
المقاربة الإعلامية المعادية نفسها تندرج على بعض الصحف اللبنانية أيضاً. تقدّم صحيفة «نداء الوطن» مثالاً فاضحاً. ففي مقارنة سريعة لخطابها في حادثتين منفصلتين مع عناصر الجيش اللبناني، نلحظ أن خطابها يُجهِّل الفاعل إذا كان إسرائيل، بشكل مباشر، ويُلمِّح إلى مسؤولية المقاومة إذا كان الحادث «غامضاً»، في مسعى إلى زرع الشقاق بين الجيش اللبناني والمقاومة.
مثلاً في حادثة انفجار مخزن ذخيرة بعناصر من الجيش اللبناني، في 10 آب الماضي، عنونت الصحيفة صفحتها الأولى بـ«شهداء كمين حزب الله». أمّا في حادثة استشهاد اثنين من عناصر الجيش اللبناني بهجوم من مُسيّرة للاحتلال في الناقورة، في 28 آب الماضي، فلم يكن الخبر من أولوياتها، ولم يحتل مركز الصدارة في صفحاتها، ولم تُحمِّل إسرائيل مسؤولية قتل عناصر الجيش كما سبق أن حمّلت حزب الله، بشكل مباشر وواضح، المسؤولية في الحادث السابق، في إطار حملة ممنهجة ومستمرة.
على كل حال، فإن الأفق الزمني للحرب العسكرية والنفسية والإعلامية التي تخاض ضد المقاومة وبيئتها ليس واضحاً بعد، ولكنها ليست المرة الأولى التي يكون فيها شعب المقاومة تحت هذا الضغط الهائل والمتعدّد الأوجه.
قبل عام 2000 كانت الفكرة السائدة لدى مجموعة كبيرة من المجتمع اللبناني أن «العين لا تقاوم المخرز» ولا يمكن هزيمة إسرائيل. لكن عندما آمنت الحاضنة الشعبية للمقاومة بأنّ بالإمكان مواجهة العدو وإعلامه جاء التحرير، ولا تزال هذه الحاضنة تُثبِت، في كل مرة، أنها جديرة بتخطّي المصاعب والضغوطات والالتفاف حول المقاومة وخياراتها.
في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.. "حماس" تدعو إلى تصعيد الحراك العالمي ضدّ الاحتلال
قالت حركة حماس في بيانها بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، إننا "في هذا اليوم ندعو إلى تصعيد الحراك العالمي ضدّ الاحتلال وممارساته الإجرامية بحق شعبنا وأرضنا، وتعزيز كل أشكال التضامن مع قضيتنا العادلة وحقوقنا المشروعة في الحريّة والاستقلال".
وأضافت الحركة أنها "تشيد بالحراك الجماهيري العالمي المتضامن مع الشعب الفلسطيني، وتثمّن كل المواقف الرسمية والشعبية الداعمة للقضية الفلسطينية، داعيةً إلى توحيد الجهود وإسناد نضال الشعب الفلسطيني حتى إنهاء الاحتلال".
ونوّهت "الحركة إلى دعوتها جماهير الأمة وأحرار العالم إلى اعتبار يوم السبت 29/11 يوما عالميا لتجديد فواعل الحراك الجماهيري العالمي ضد الاحتلال الصهيوني وانتهاكاته وخروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، وتصعيد إرهابه في الضفة الغربية والقدس المحتلة".
وأشارت الحركة إلى أن "المجتمع الدولي يقف في هذا اليوم أمام قرابة ثمانية عقود من احتلال فاشي استيطاني إحلالي، مُثقَلة بمجازر وجرائم ممنهجة ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، كشفت ساديته وعدوانه ضد الأرض والهوية والثوابت والمقدسات، وذلك بالتوازي مع قرارات وسياسات ظالمة منحت الاحتلال ما لا يستحق على حساب أصحاب الأرض، لتضع هذه التركة الحُبلى بالظلم والإجرام والقتل والتهجير والاستيطان والتهويد، دول العالم أمام مسؤولية أخلاقية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة؛ وفي مقدّمتها إنهاء الاحتلال وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس".
وقالت الحركة إن "هذه المناسبة تأتي هذا العام مع مرور نحو خمسين يوماً على بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، حيث تواصل حكومة الاحتلال الفاشية خروقاتها اليومية للاتفاق بشكل متعمّد وسافر؛ عبر نسف المباني والقصف المدفعي والاغتيالات ومنع دخول المساعدات، كما تصعّد هذه الحكومة العنصرية المتطرّفة عدوانها ومخططاتها الاستيطانية والتهويدية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، في انتهاك صارخ لكل المواثيق والقوانين الدولية، ودون رادع يكبح جماح إرهابها وغطرستها ويوقف عدوانها ومخططاتها الإجرامية".
وأكدت الحركة في ختام بيانها، وفي اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني المعتمد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29/11 من كلّ عام، ما يلي:
أولاً: إنَّ أرض فلسطين، وفي القلب منها القدس والمسجد الأقصى المبارك، كانت وستبقى أرضاً فلسطينية، ولا مكان ولا شرعية ولا سيادة فيها للاحتلال الصهيوني الغاصب، وإنَّ مسؤولية تحرير أرضنا ليست مسؤولية فلسطينية فحسب، وإنما هي مسؤولية سياسية وحقوقية وإنسانية وأخلاقية يشترك فيها كل أحرار العالم، إلى جانب الأمتين العربية والإسلامية، قادة وشعوبا.
ثانياً: إنَّ قضية شعبنا العادلة والمشروعة هي قضية تحرّر وطني؛ لإنهاء أطول وأبشع احتلال إحلالي مستمر في العالم، بات يشكّل بإرهابه الممتد خارج أرضنا المحتلة، واستهتاره بالقانون الدولي وبالقرارات الأممية، خطراً حقيقياً على أمن واستقرار المنطقة والعالم.
ثالثاً: إنَّ حقوقنا الوطنية الثابتة، وفي مقدمتها حقّ شعبنا في المقاومة بأشكالها كافة، وعلى رأسها المقاومة المسلّحة، هي حقوق مشروعة لا يمكن التنازل عنها أو التفريط فيها، وفق القوانين والأعراف الدولية، وعلى شعوب الأمَّة وأحرار العالم تعزيز صور التضامن والالتفاف حول حقوق شعبنا ودعم صموده وإسناد نضاله بكل الوسائل حتى التحرير وإنهاء الاحتلال وتقرير المصير.
رابعاً: لم يفلح إجرام الاحتلال المتواصل من أكثر من سبعة عقود، والمصحوب بدعم عسكري ومالي وسياسي وأمني من الإدارة الأمريكية وبعض الدول الغربية؛ في طمس الحق الفلسطيني، وإخماد جذوة المقاومة المتجذرة في أبنائه، كما وقف عاجزاً أمام صوت الأحرار والمتضامنين مع قضيتنا، المتصاعد في كل الساحات والمحافل، لتبقى فلسطين أرضاً وشعباً وتاريخاً؛ اسماً أبدياً يؤرق قادة الاحتلال، ويشكّل كابوساً يبدّد أحلامهم في البقاء على أرضنا.
خامساً: ها هي غزَّة العزَّة الصابرة، يعيش أهلها مأساة حقيقية مستمرة بعد حرب وإبادة وتجويع على مدار عامين كاملين، وقد سطّرت أمام العالم أبلغ صور الصمود الأسطوري في وجه الاحتلال، لتقف في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني؛ حاملة نداء أبنائها للعالم من أجل وقف العدوان، وفتح المعابر وإدخال المساعدات وكسر الحصار وإعادة الإعمار وإنهاء الاحتلال.
سادساً: نثمّن الحراك الجماهيري العالمي المتضامن مع شعبنا الفلسطيني ومع قطاع غزَّة خلال عامَي العدوان وحرب الإبادة الجماعية، وندعو إلى إطلاق موجة غضب عارمة ثانية من هذا الحراك الشعبي في كل عواصم وساحات العالم، والعمل على تصعيد كل أشكال التضامن مع قضيتنا العادلة وحقوقنا المشروعة في الحريّة والاستقلال.
سابعا: ندعو جماهير أمتنا والأحرار في العالم إلى اعتباراً يوم السبت 29/11 يوماً عالمياً لتجديد فواعل الحراك الجماهيري العالمي ضد الاحتلال الصهيوني وانتهاكه وخروقاته لوقف إطلاق النار في قطاع غزَّة وتصعيد إرهابه في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وجرائمه ضدّ أسرانا في سجونه، ولتُرفع الأصوات عالياً مجدّداً تضامناً مع قطاع غزَّة، وللضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال المساعدات والبدء في إعادة الإعمار.
70 ألف شهيد في قطاع غزة... والعدوان مستمر
أعلنت طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة انتشال جثامين خمسة شهداء من تحت ركام منزلَين في مخيم المغازي وسط القطاع، كانوا قد استشهدوا جراء قصف سابق خلال العدوان المستمر على القطاع منذ 7 تشرين الأول 2023 رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
من جهتها، أفادت وزارة الصحة في غزة بوصول شهيدَين و11 جريحاً إلى المستشفيات خلال الساعات الـ48 الماضية، مشيرة إلى أن أحد الشهيدين جرى انتشاله من تحت الأنقاض، في حين استُشهد الآخر متأثراً بجراحه.
وأكدت الوزارة أن طواقم الإسعاف والدفاع المدني لا تزال عاجزة عن الوصول إلى عدد من الشهداء العالقين تحت الأنقاض وفي الشوارع، بسبب الأضرار الواسعة واستمرار التهديدات الجوية.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 11 تشرين الأول الفائت، ارتفع عدد الشهداء نتيجة خروقات قوات العدو إلى 354 شهيداً، فيما بلغت حصيلة الجرحى 906، إضافة إلى انتشال 606 جثامين من تحت الركام.
وبحسب وزارة الصحة، بلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ السابع من تشرين الأول 2023 حتى اليوم 70,100 شهيد و170,983 جريحاً. وأعلنت الوزارة أنّه تمّ إضافة 299 شهيداً إلى الإحصائية التراكمية، بعد استكمال بياناتهم واعتمادها من اللجنة الحكومية المختصة، عن الفترة الممتدة بين 21 و28 تشرين الثاني 2025.
وفي خروقات جديدة لاتفاق وقف إطلاق النار، كثّف جيش الاحتلال الإسرائيلي، منذ صباح السبت، قصفه البري والبحري والجوي على أنحاء متفرقة من قطاع غزة.
وطاول القصف المناطق الشرقية من مدينة غزة وبلدة بيت لاهيا (شمال)، والمناطق الشرقية من مخيم البريج (وسط)، ومدينة رفح وبلدتي القرارة وبني سهيلا شرق مدينة خان يونس (جنوب)، بحسب وكالة «الأناضول».
ففي شمال القطاع، شنّ الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات على حييّ الشجاعية والتفاح شرقي مدينة غزة.
كما أطلقت الآليات الإسرائيلية نيرانها تجاه المناطق الشرقية من حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، بينما شنت المدفعية الإسرائيلية قصفًا على أنحاء متفرقة من بلدة بيت لاهيا.
فيما أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيرانها في عرض بحر مدينة غزة، لإخافة الصيادين الفلسطينيين الذين يمارسون مهنة الصياد على مسافات محدودة قبالة الشاطئ.
وفي وسط القطاع، شنت المدفعية الإسرائيلية أيضا قصفاً على مناطق شرق مخيم البريج.
أما جنوب القطاع، فقد شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات مكثفة على شرقي مدينة رفح وبلدتي القرارة وبني سهيلا شرق مدينة خان يونس.
إصابات بهجمات مستوطنين في بيت لحم
أصيب فلسطينيون، اليوم السبت، في اعتداء نفّذه مستوطنون في منطقة خلايل اللوز قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة.
وأفاد «الهلال الأحمر الفلسطيني» أنّه «تم تسجيل 10 إصابات في اعتداءات مستعمرين على منطقة خلايل اللوز، حيث نُقلت إصابة بالرصاص الحي في الفخذ، و3 إصابات بالرضوض نتيجة الضرب إلى المستشفى».
وفي بيان مشترك، أعلن جيش الاحتلال والشرطة إرسال قوات إلى المنطقة بعد «ورود تقارير عن مواجهة عنيفة بين مدنيين إسرائيليين وفلسطينيين». وأضاف البيان أن «المواجهات شملت رشق الحجارة بين فلسطينيين وإسرائيليين، فضلاً عن إطلاق نار في المنطقة تجاه الفلسطينيين»، مشيراً إلى أن «عدداً من المدنيين الإسرائيليين أُصيبوا لكنهم رفضوا تلقي العلاج».
وأوضح جيش العدو أنه استخدم «أساليب تفريق الحشود» وأعلن المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة».
وتشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعداً في وتيرة العنف منذ بدء العدوان على قطاع غزة في تشرين الأول 2023، عقب عملية «طوفان الأقصى». وعلى الرغم من دخول هدنة هشّة حيز التنفيذ الشهر الماضي، لم تتراجع وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية.
ووفق إحصاء لوكالة «فرانس برس» استناداً إلى معطيات وزارة الصحة الفلسطينية، فقد قتل جيش العدو والمستوطنون أكثر من ألف فلسطيني، بينهم عدد من المقاومين، منذ بداية الحرب.
في المقابل، تشير بيانات الاحتلال إلى مقتل 44 إسرائيلياً، بين جنود ومستعمرين، في عمليات نفذها فلسطينيون، بعضها خلال عمليات اقتحام في الضفة.
«الدراسات الفلسطينية » تقاوم مشاريع الطمس والهيمنة
مروة جردي

يقدّم العدد الجديد منظوراً معرفياً لمواجهة الإبادة المتواصلة في فلسطين، عبر دراسات تُحلّل الضفة بوصفها ساحة ضمّ صامت، وتفكّك سرديات الاحتلال. يتناول أيضاً دور «أنصار الله» إقليمياً، وأوضاع فلسطينيي الداخل، ويحاور إلياس خوري وإيلان بابه حول معنى الإبادة اليوم

«اكتشفت أنّ الحرب الأهلية الأولى عام 1860 لم يذكرها كتّاب ذلك العصر أو الذين جاؤوا بعدهم، والذين كانوا كتاباً عظماء، والمجددين الرئيسيين للغة العربية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل هناك شعور بالعار من العودة إلى حدث مثل الحرب الأهلية. لكن ذلك لا يحلّ المشكلة»، يجيب الكاتب والأديب الراحل إلياس خوري (1948 ــ 2024) محاوره المؤرخ المناهض للصهيونية إيلان بابِه، في مقتطف غير منشور من مقابلة مع خوري جرت عام 2022 وتُنشر اليوم في العدد الجديد من مجلة «الدراسات الفلسطينية» في نص يكشف جانباً من تفكير خوري في مسألة الذاكرة والكتابة.
ربما يمكن اعتبار جواب إلياس خوري السابق هدفَ العدد 144 من المجلة، في زمنٍ تتسارع فيه محاولات طمس الرواية الفلسطينية وتحويل الإبادة إلى حدثٍ عابر في سيل الأخبار الغريبة والترفيهية، التي لا يُستهلك ما يخصّ فلسطين منها إلا بقدر غرابتها وحجم الترفيه الذي يمكن أن تحمله حتى في سوداويتها.
بعددٍ يتجاوز 300 صفحة من القطع المتوسط، يأتي عدد خريف 2025 سعياً إلى إعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها فعلاً مقاوماً، وجزءاً من جبهة الدفاع عن الشعب الفلسطيني وذاكرته وحقوقه، عبر مقالاته ودراساته التي تستعيد الوقائع والشهادات وتفكّك السرديات الإسرائيلية.

الضفة الغربية: الإبادة الصامتة
يُشكّل ملف الضفة الغربية عمود العدد الفقري. تنطلق المقالات التحليلية الاثنتا عشرة ضمن هذا المحور، من سؤال واحد: «ما الذي أصاب الضفة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023؟». والجواب الذي تقترحه المجلة يخرج من نطاق التغطية اليومية المعتادة عبر مقالات متنوعة سواء تلك التي كتبها أنطوان شلحت أو مجدي المالكي أو أحمد عزّ الدين أسعد، لتكشف عن طبقات أعمق في المشهد من مشروع ضمّ استيطاني يتقدم بوتيرة غير مسبوقة، وعملية تفكيك منهجية للمكان الفلسطيني نفسه.
الضفة ـــ كما تظهر في مقالات العدد ـــ تُدفع تدريجاً نحو ما يشبه «خرائط الظل»: طرد صامت للسكان من الأطراف، مصادرة للأراضي، توسيع للمستعمرات القائمة وإحياء لمشاريع نائمة، وتقطيع متواصل للتواصل الجغرافي عبر الحواجز والبوابات والطرق الالتفافية. هذا المشهد المركّب، الذي يتقاطع فيه فعل كيان الاحتلال مع فعل المستوطن، ينتج فضاءً خانقاً لا يشبه المدن والقرى بقدر ما يشبه جزراً معزولة تُدار بآليات ضبط يومية دقيقة، «في ظلّ صمت دولي كامل»، كما يصف بعض كتّاب العدد.
يعزّز هذا المنظور مقال خليل تفكجي، مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية في «بيت الشرق»، الذي يقدم قراءةً ميدانيةً دقيقة تكشف كيف تحوّل الزمن منذ حرب غزة إلى أداة عمرانية بحد ذاته، من تراكم سريع لخطط المصادرة، وتكثيف غير مسبوق للمشاريع الاستيطانية، ومحاولة لإنتاج جغرافيا سياسية تفضي إلى مدينة و«ضفة» غير قابلة للتفكيك مستقبلاً.
ويستعرض تفكجي الأرقام والإحصاءات لفكرته كدليل على إرادة إعادة تشكيل الحيز الفلسطيني، وطيّ إمكانية قيام بنية عمرانية فلسطينية متماسكة داخل القدس ومحيطها.
ولا يكتفي العدد بوصف التحولات، بل يذهب أبعد من ذلك عبر دراسات تتناول البنية التحتية كأداة استعمارية في مقالة أشرف أبو عرام، وتحوّلات الأغوار كفضاء عسكري مغلق في مقالة عطوة جبر.

الحركة الحوثية: قراءة فكرية خارج الصور النمطية
تحضر اليمن في العدد ضمن مقالة بشار اللقيس حول حركة «أنصار الله»، التي تخرج من النمط الصحافي المعتاد في التعامل مع الحركة اليمنية التي لا تنال عادةً الاهتمام الإعلامي والبحثي الكافي رغم أهميتها في المشهد الحالي. يستعيد اللقيس جذور الحركة من منظور اجتماعي ـ تاريخي، ويفكّك علاقتها بفكرة «المقاومة» في السياق الإقليمي.
يقدم المقال قراءة «ما فوق إخبارية» للحركة، تجمع بين التحليل الأنثروبولوجي والسياسي، ليبيّن كيف تحولت الجماعة من مشروع دعوي محلي إلى قوة سياسية وعسكرية قادرة على الانخراط في أزمات إقليمية، بما في ذلك دعمها لغزة منذ تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، وعملياتها في البحر الأحمر التي أعادت صياغة حضورها الرمزي على الساحة العربية، محاولاً تفسير كيف أصبح «الحوثيون» جزءاً من جبهة الدعم لغزة.
تكمن قيمة الطرح في تفكيكه للسرديات المبسطة حول الحوثيين، وتوضيح كيف أنّ فهم الحركة لا يمكن أن يكتفي بالنظر إلى العلاقات الإقليمية أو التحالفات السياسية، بل يجب قراءتها كظاهرة اجتماعية وثقافية متصلة بتاريخ الهوية الزيدية ومسارات الإصلاح والنهوض في اليمن. بهذا الشكل، يضع اللقيس «أنصار الله» في إطار نقدي تاريخي رصين، بعيداً من الدعاية الإعلامية أو الخطابات المكرورة، مقدماً للقارئ العربي فرصة لفهم أعمق لديناميات المقاومة الإقليمية.

من القمع إلى الدراسات المعمقة
احتوى العدد الذي تصدّر غلافه عمل فني للفنانة منال محاميد بعنوان «إسرائيل تقتلني»، من مجموعة «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، ثلاثة أبواب رئيسية توازنت بين التحليل السياسي والاجتماعي والتاريخي. في محور «إفلات يد الجريمة وملاحقة سياسية»، ركزت المقالات على الفلسطينيين في مناطق 48 حيث أشار العدد إلى «نوع ثالث من الإبادة» يمارس ضدهم منذ عام 1948
ويستعرض قمع الفلسطينيين ومنعهم من التضامن مع غزة، وانتشار الجريمة المنظمة داخل مجتمعهم، من منظور قانوني واجتماعي وسياسي.
أما باب الدراسات، فقد حوى دراستين معمقتين: الأولى للباحثة لميس فرّاج حول «جدلية العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل» وتأثير استغلال العمّال على البنية الاقتصادية، والثانية لسعيد سلطان الهاشمي بعنوان «فلسطين والعمانيون بين النكبة والطوفان»، التي قدمت قراءة تاريخية مقارنة لمواقف سلطنة عمان الرسمية والشعبية تجاه فلسطين منذ 1948 وحتى زمن الإبادة الغزية.

زياد والسلاح: حضور لبناني مقاوم في فلسطين
لا يغيب لبنان عن العدد الأخير من المجلة، الذي يناقش القضية وتحولاتها بعد مرور عامين على الإبادة في غزة، حيث كان لبنان جزءاً من المشهد وشريكاً في تحمل الخسائر، التي لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. في قسم التقارير، يقدم الزميل أيهم السهلي قراءةً معمقةً لجدلية السلاح، مستعرضاً تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب واغتيالات المدنيين وأفراد الجيش، مقابل المفاوضات السياسية حول «ورقة براك» الأميركية التي تطالب بنزع سلاح «حزب الله» والفصائل المسلحة.
ويكشف السهلي عن التجاذبات بين الحكومة اللبنانية و «حزب الله»، مع توجيه الجيش لضبط السلاح في جنوب الليطاني، ومتابعة خطوات نزع سلاح المخيمات الفلسطينية، في ظل تدخلات أميركية وإيرانية ومواقف القوى الدولية، ما يعكس تعقيد المشهد الأمني والسياسي اللبناني اليوم.
وفي مساحة تلتقي فيها السياسة بالميدان مع الثقافة، يستعيد العدد رحيل زياد الرحباني عبر ثلاثة نصوص تقدم قراءةً موسيقية وإنسانية لتجربة زياد، الفنان والموسيقي والمسرحي اللبناني، الذي استخدم الفن أداةً للمقاومة والتعبير عن الحق والعدالة. يشير الموسيقي الإيرلندي لويس بريهوني إلى أعمال زياد المسرحية وألبوماته التي واجهت الطائفية والتمييز الطبقي وركّزت على معاناة الفقراء والمهمشين. كما أسهمت موسيقاه في دعم القضية الفلسطينية عبر أفلام مثل «عائد إلى حيفا». ويؤكد الباحث الفلسطيني أشرف بيدس أنّ زياد كان صوتاً عابراً للأجيال، مناضلاً مع الفلسطينيين والمضطهدين، محافظاً على استقلاليته الفنية والفكرية.
من جهته، يشير الصحافي اللبناني جاد غصن إلى تمسّك زياد بالقيم الإنسانية ورفضه التنازل لمتطلبات السوق أو الواقع السياسي، ما جعله شخصيةً استثنائية في المشهد الفني والثقافي اللبناني والعربي. رحيله في 26 تموز (يوليو) 2025 ترك فراغاً كبيراً، لكنّ إرثه ما يزال صدى حيّاً للفن المقاوم والموقف المبدئي، مؤكداً كيف يمكن للفن والسياسة أن يلتقيا في رسم صورة لبنان الراهنة.
إحدى اللحظات المؤثرة في العدد هي ملف التأبين الخاص بالمؤرخة الكبيرة بيان نويهض الحوت: أربعة نصوص لكتّاب وباحثين عاصروا مسيرتها، يضيئون على صورة امرأة كرّست حياتها لتوثيق النكبة ومجازر 1948، وأسهمت في تأسيس ذاكرة فلسطينية علمية لا يمكن شطبها.
في هذا السياق، كتب مدير مؤسسة «الدراسات الفلسطينية» في بيروت رامي الريس عن الراحلة التي جمعت في حياتها بين العمل السياسي والميداني مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، والبحث الفكري والتأريخ، لا سيما عبر كتابها المرجعي «صبرا وشاتيلا : أيلول 1982». ويشير المقال إلى أن إرثها الفكري، المتمثل في مؤلفاتها وكتب والدها التي أعادت جمعها وتصنيفها، سيظل مرجعاً للأجيال القادمة، شاهداً على التضحيات والنضال الفلسطيني المستمر.

إيلان بابه وإلياس خوري: حوار حول الإبادة اليوم
يحضر في العدد أيضاً واحد من أهم الحوارات الفكرية، يجمع بين المؤرخ إيلان بابه والروائي الراحل إلياس خوري. هذا اللقاء، الذي يأتي في ذروة النقاش العالمي حول توصيف ما جرى ويجري في غزة، يقدّم مقاربة معرفية شديدة الوضوح: ما نشهده ليس حرباً، بل مشروع إبادة مستمر منذ 1948، يتّخذ اليوم شكله الأكثر استعراضية وعنفاً تحت غطاء جنون سياسي ودعم دولي.
في الحوار، يميّز بابه بين «التطهير العرقي» الذي شكل بنية المشروع الصهيوني منذ النكبة، وبين «الإبادة» بوصفها مرحلة متقدمة من المنطق نفسه. يذهب أبعد من مجرد إدانة سياسية، ليقرأ السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة كوحدة متكاملة، وهي تحويل المكان إلى فضاء غير قابل للعيش، وتفكيك المجتمع، وتدمير البنية المدنية، واستهداف الوعي الجمعي.
يلتقط خوري هذا التشخيص، ويعيد وضعه في إطار ثقافي ـ إنساني، محاججاً بأن الكارثة ليست إنسانية فقط، وإنما لغوية ومعرفية أيضاً، فاللغة الدولية التي تصف ما يحدث عاجزة، أو متواطئة، أو كليهما معاً.
ورغم غنى العدد وتنوعه، يمكن تسجيل ملاحظتين نقديتين حول الإصدار متمثلةً في بنية المجلة التي تبقى أقرب إلى «تجميع دراسات» منها إلى «ملف تحليلي موجه». ما يفتقده القارئ أحياناً هو خيط تحريري صريح يربط بين المساهمات ويقترح إطاراً تفسيرياً موحداً للعدد، خصوصاً في لحظة سياسية مضطربة تتطلب وضوحاً في الأولويات الفكرية.
والثانية ترتبط بالإخراج البصري والفني الجمالي الذي يحتاج إلى توسع رغم المساحة الثقافية اللافتة التي يوفّرها العدد، خصوصاً مع الدور المتصاعد للفنون البصرية والسينمائية والمسرحية في مقاومة الإبادة وتوثيقها بما يمكن أن يسهم في تطوير بنية المجلة الأكثر جدية ورصانة في العالم العربي حول فلسطين.
العدد الجديد ولو حمل عنوان «عامان على الإبادة»، ولكنه في العمق امتداد لستة عقود من العمل الجاد لـ «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، التي تأسست في بيروت عام 1963 بجهود قسطنطين زريق ووليد الخالدي وبرهان الدجاني، لتكون أول مركز عربي مستقل يُعنى بتوثيق تاريخ فلسطين وصراعها، بعيداً من الأجهزة الرسمية والحسابات الحزبية.
موسم قطف الزيتون يشهد ارتفاعا في أوامر إغلاق الضفة والقيود على الناشطين
شهد موسم قطف الزيتون هذا العام في الضفة الغربية المحتلة زيادة ملحوظة في أوامر الإغلاق للكثير من المناطق وتقييد الحركة بحسب الأوامر الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، والتي حدت من وصول الناشطين الإسرائيليين والأجانب إلى القرى الفلسطينية للمساعدة في قطف الزيتون.
وأفاد ناشطون بأن الجيش الإسرائيلي أصدر ما لا يقل عن 22 أمرا خلال الفترة من منتصف تشرين الأول/ أكتوبر إلى منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، شملت عشر حالات في قرية بورين بنابلس، حيث تم منع مرور المزارعين الفلسطينيين وفرض قيود صارمة على النشاطات الزراعية.
وأفادت صحيفة "هآرتس"، في تقرير لها، الأحد، بأن هذه الأوامر تستهدف، بحسب الناشطين، الحد من مشاركة المنظمات الحقوقية في مساعدة المزارعين الفلسطينيين، بينما يسمح أمر تقييد الحركة بمرور بعض المركبات بعد تفتيش دقيق عند نقاط التفتيش، وغالبا دون توضيح مسبق للوجهة أو طبيعة النشاط.
وقد أشار ضابط بالشرطة الإسرائيلية لناشطة إلى أن الهدف المعلن من هذه الأوامر هو "منع الفوضى" أو "تفادي انفجار الوضع"، بينما يؤكد الناشطون أن الجيش على علم مسبق بكافة الأنشطة ويبدو أن هناك تنسيقا داخليا يسمح بتطبيق الأوامر بسرعة.
في حالات عدة، طرد ناشطون أجانب، بما في ذلك 32 ناشطا مرتبطين بـ"اتحاد لجان العمل الزراعي"، إضافة إلى ناشطين يهود أميركيين، بعد وصولهم إلى بورين للمشاركة في الحصاد، بدعوى "إخلال بالنظام" أو خرق الأوامر العسكرية.
ويؤكد ناشطون أن بعضهم لم يكن على علم بالوجهة، بينما كان المنظمون فقط يعرفون بها، ما يعكس درجة عالية من التحكم العسكري في الوصول إلى المناطق الزراعية.
منذ اندلاع الحرب على غزة، توقف الجيش الإسرائيلي عن الاستجابة لطلبات التنسيق المقدمة من الناشطين.
وصرح المدير العام لمنظمة "كول ربيني لحقوق الإنسان"، آفي دابوش، بأن موسم الحصاد الحالي شهد ذروة سلبية وخطيرة في استخدام أوامر التفتيش لمنعهم من الوصول إلى الحقول ومساعدة المزارعين الذين يتعرضون لهجمات.
وأضاف دابوش أن الناشطين لاحظوا تعاونا وثيقا بين سلطات جيش الاحتلال والقيادات الاستيطانية، ما أدى إلى إصدار أوامر تفتيش سريعة ومسبقة لوقف أنشطتهم.
وأوضح أن المنظمة بذلت جهودا كبيرة للتواصل مع الجيش والشرطة والتنسيق قدر الإمكان، بما في ذلك إرسال ثماني رسائل إلى رئيس الأركان، قائد القيادة، المفوض العام للشرطة، قائد المنطقة العسكرية، وعدد من المسؤولين العسكريين والشرطيين، لكنها لم تتلق أي رد حتى الآن.
وتعتبر المحكمة العليا الإسرائيلية أن استخدام أوامر إغلاق المناطق الزراعية الفلسطينية بشكل متكرر غير متناسب، إذ سبق أن حكمت في 2006 بأن هذه الأوامر قد تعطي رسالة مضللة بالاستسلام والعجز أمام العنف الاستيطاني، بدلا من حماية السكان الفلسطينيين.
ومن المتوقع أن تنظر محكمة العدل العليا الإسرائيلية مجددا قريبا في قضية أوامر إغلاق المناطق الفلسطينية، وذلك في إطار التماس قدمته المحامية ميخال بوميرانتز والمحاميان ريهام نصرة وألون سابير عام 2023.
ويؤكد الالتماس أن إعلان المناطق المغلقة أصبح وسيلة غير مناسبة للتعامل مع عنف المستوطنين، مشيرا إلى أن الجيش الإسرائيلي يستخدم هذه الأوامر بشكل تلقائي بحجة حماية أمن السكان الفلسطينيين، بدلًا من تطبيق القانون على المعتدين.
وعقب إصدار موجة جديدة من أوامر الإغلاق، وافقت المحكمة على طلب الملتمسين بإضافة 16 قضية إضافية إلى الالتماس، وحددت موعدا نهائيًا للرد من قبل الجيش بحلول 7 كانون الأول/ديسمبر، مما يزيد من الضغط على السلطات العسكرية لمراجعة سياستها بشأن فرض القيود على الأراضي الفلسطينية.
وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن القائد العسكري هو من يقرر إغلاق المناطق وفق الحاجة والتقييم العملياتي، مشيرا إلى أن الشرطة تساهم في تنفيذ هذه الأوامر.
وتأتي هذه التطورات في ظل زيادة التوترات خلال موسم قطف الزيتون بسبب الاعتداءات الإرهابية لعصابات المستوطنين، وسط استمرار الجدل حول التوازن بين حماية السكان الفلسطينيين وحق الناشطين في المساعدة الزراعية وقطف الزيتون.
حملة اعتقالات واسعة وهجمات للمستوطنين في الضفة
شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر الأحد، حملة مداهمات واعتقالات واسعة طالت عدة مناطق في الضفة الغربية، تخللتها اقتحامات للمنازل وتفتيشات موسعة، إضافة إلى التنكيل بالفلسطينيين وإخضاع عدد منهم لتحقيقات ميدانية. وترافق ذلك مع استمرار اعتداءات المستوطنين، خصوصا في مدينة الخليل ومسافر يطا.
ففي محافظة سلفيت، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال بلدة الزاوية، وأغلقت مدخلها بالسواتر الترابية قبل أن تنفذ حملة مداهمات أسفرت عن احتجاز أكثر من عشرة فلسطينيين والتحقيق معهم ميدانيا قبل الإفراج عنهم.
وفي بيت لحم، اعتقلت قوات الاحتلال خمسة فلسطينيين من بلدة بيت فجار بعد اقتحام منازلهم وتفتيشها، وهم: محمود إبراهيم ثوابته، عصام حسين ديريه وشقيقه إبراهيم، محمد أحمد أبو يابس، وبراء يوسف علي ديريه.
كما اعتقلت القوات ثلاثة أسرى محررين من بلدة سعير شرق الخليل، وهم: خليل فروخ، عودة جرادات، وجلال جبارين.
وفي نابلس، اعتقل جيش الاحتلال الأسير المحرر محمد عصيدة عقب اقتحام منزله في قرية تل، إلى جانب ثلاثة شبان آخرين، أحدهم جريح، خلال اقتحام قرية صرة. كما داهمت القوات شوارع مخيم بلاطة ومزقت صور الشهداء.
وفي رام الله، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب حسن مراد من بلدة دير أبو مشعل بعد مداهمة منزله.
وتواصلت الاعتداءات في مدينة الخليل ومحيطها، حيث أفاد نادي الأسير بأن قوات الاحتلال اعتقلت تسعة مواطنين بينهم اثنان من أعضاء المجلس البلدي، واعتدت عليهم بالضرب، كما أصابت فلسطينيا قرب بؤرة استيطانية مقامة على أراض خاصة في بلدة بيت أولا. واقتحمت القوات البلدة القديمة لتأمين اقتحام المستوطنين للمنطقة.
وتفاقمت الهجمات في بلدة حلحول شمالي الخليل، حيث هاجم مستوطنون منازل الفلسطينيين قرب المدخل الشمالي للبلدة، ما أدى إلى إصابة عدد من السكان.
وأكد السكان أن ستة فلسطينيين، بينهم سيدة حامل، أُصيبوا جراء هجوم نفذه مستوطنون مسلحون بحماية جيش الاحتلال في منطقة "الحواور"، وأُصيب أفراد من عائلة كرجة بجروح وكدمات عولجوا ميدانياً.
كما اعتقلت قوات الاحتلال بسام النواجعة من منطقة "خلة الفرا" غربي يطا، تزامنا مع قيام المستوطنين بتحطيم مركبة إبراهيم الهريني ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم. وفي منطقة "حوارة" شرق يطا، طرد مستوطنون المزارعين من أراضيهم وأعلنوها "منطقة عسكرية مغلقة" لمدة 24 ساعة.
وتعكس هذه التطورات تصعيدا ميدانيا واسعا في الضفة الغربية، يجمع بين الاعتقالات المكثفة وتزايد اعتداءات المستوطنين، وسط مخاوف من توسع دائرة التوتر في المناطق المختلفة.
نحو 21 ألف حالة اعتقال في الضفة والقدس منذ 7 أكتوبر
وجّهت مؤسسات الأسرى، في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، رسالة إلى شعوب العالم الحرّة دعتها فيها إلى وضع حدّ لحالة الاستثناء التي مُنحت للاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأس الداعمين له الولايات المتحدة الأمريكية.
وقالت المؤسسات إ، ماكينة الاستعمار الإسرائيلي، عملت على مدار عقود طويلة، على القضاء على وجود الشعب الفلسطيني، وصعّدت من ذلك بشكل غير مسبوق منذ بدء حرب الإبادة التي مثّلت المرحلة الأكثر دموية في تاريخ الشعب الفلسطيني.، وقد انتهجت "إسرائيل" خلالها سياسات المحو والتطهير العرقي، وكان من أبرز أوجه هذه الحرب المستمرة، الإبادة المتواصلة داخل سجون الاحتلال بحقّ الأسرى الفلسطينيين والعرب، الذين تعرّضوا لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فمنذ بدء حرب الإبادة ارتقى في سجون الاحتلال، وفقًا للمعطيات المحدّثة، وبحسب منظمات حقوقية 98 معتقلاً، أعلنت مؤسسات الأسرى عن أسماء 81 منهم، فيما لا يزال العشرات من أسرى غزة الشهداء رهن الإخفاء القسري.
وأكّدت المؤسسات مجددًا أنّ الجرائم والفظائع التي ارتكبتها "إسرائيل" خلال الحرب، ليست سوى امتداد لسلسلة النكبات التي لم تتوقف بحق الشعب الفلسطيني. فعلى مدار عقود طويلة عجز فيها العالم "الإنساني" عن إحقاق الحقّ وتحقيق العدالة والحرية لشعبنا، عجز أيضًا عن وقف إبادة الأطفال والنساء والشيوخ، وحتى الأجنّة في أرحام أمهاتهم. وكل ذلك جاء بدعم من قوى كبرى تتسابق لحماية وجود دولة الاحتلال، حيث يتنافس وزراؤها على ابتكار أدوات وسياسات جديدة لمحو وجود الشعب الفلسطيني، والتفنّن في قتله وملاحقته وتشديد السيطرة على حياته.
وأشارت إلى أن السجون تشهد وجهًا آخر من وجوه الإبادة عبر تنفيذ عمليات قتل وإعدام متعمدة للأسرى والمعتقلين. وبحسب مؤسسات الأسرى حتى شهر تشرين الثاني 2025، فإن أكثر من 9300 أسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال، من بينهم 3368 معتقلاً رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة. كما لا يزال أكثر من 350 طفلًا وأكثر من 50 امرأة خلف القضبان، إضافة إلى أكثر من 1340 أسيرًا من قطاع غزة، بينهم 1205 معتقلين بموجب قانون "المقاتل غير الشرعي". ومنذ 7 أكتوبر 2023، سُجّلت نحو 21 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية و القدس وحدهما. 
الجبهة الشعبية: يوم التضامن محطةٌ مهمةٌ لمواجهة الإبادة ونزع الشرعية عن الاحتلال
أكدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على ضرورة إلزام الاحتلال بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ووقف خروقاته، بما يضمن انسحابه الكامل ورفع الحصار وفتح المعابر، إضافةً إلى وقف اعتداءات وجرائم جنود الاحتلال والمستوطنين في الضفة المحتلة.
جاء ذلك في بيان للجبهة أصدرته اليوم السبت، في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، 29 تشرين الثاني/نوفمبر، ذكرى قرار التقسيم المشؤوم 181 لعام 1947، قالت فيه إن العالم يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية عاجلة تتجاوز مجرد التعبير عن الدعم، لتتحول إلى إدانة صارمة للعدوان الصهيوني المستمر، الذي يسعى لمحو الشعب الفلسطيني وطمس حقوقه على أرضه. 
وأشارت الجبهة إلى أن هذا اليوم يأتي في ظل تصعيد وحشي وغير مسبوق، مدفوع بمخططات إبادة واضحة ودعم مباشر وغير مشروط من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. ولقد أثبتت المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، عجزها وتواطؤها، بينما يواصل الاحتلال جرائمه من إبادة، تطهير عرقي، حصار خانق، تهويد ممنهج، توسع استيطاني عدواني، وتنكيل بالأسرى. رغم كل هذا، لم تُكسر الإرادة الفلسطينية، بل زادت من صمود المقاومة وتعزيز التضامن العالمي، مؤكدة أن دعم النضال التحرري ضد المشروع الصهيوني ضرورةً عاجلةً لا تحتمل التأجيل.
وبهذه المناسبة، شددت الجبهة الشعبية على ضرورة مساءلة الاحتلال دولياً، عبر تفعيل المسارات القانونية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وملاحقة الحكومات والشركات المتورطة في تزويده بالسلاح، ومواصلة الجهود لنزع الشرعية الدولية عن سياسات الاحتلال وعزله داخل المؤسسات الدولية.
كما دعت لدعم الحركة التضامنية العالمية وحمايتها من محاولات القمع والتجريم، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وفق القوانين الدولية، ورفض أي مساس بنضاله أو بنشاط المتضامنين معه، وتعزيز مشاركة فلسطين في المؤسسات الدولية ومنحها عضوية كاملة وحقوقاً غير منقوصة، ورفع العلم الفلسطيني في كل المحافل العالمية.
وطالب البيان بتوسيع الحراك الشعبي الدولي وتوحيد الجهود للضغط من أجل وقف تسليح الاحتلال، وتشجيع أشكال المقاطعة، والتصدي لسياسات التطبيع التي تُضعف النضال الفلسطيني، وتجديد الالتزام بأن الحرية والكرامة والعدالة وحق العودة حقوق ثابتة للشعب الفلسطيني لا تسقط ولا تتآكل.
ودعت الجبهة الشعبية في ختام بيانها لاعتبار هذا اليوم مناسبة لتوحيد الجهود، واستعادة زخم الحراك الشعبي حول العالم، وتوجيه أنظار المجتمع الدولي نحو الإنصاف الحقيقي للشعب الفلسطيني، ونهاية معاناته، وتحقيق الحرية والعودة الاستقلال والوحدة الوطنية.
اليونسيف: 9,300 حالة سوء تغذية حاد تم تسجيلها لدى أطفال غزة
حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" من تدهور الأوضاع الإنسانية للأطفال في قطاع غزة مع حلول فصل الشتاء، مؤكدة أن نحو 9,300 حالة سوء تغذية حاد تم تسجيلها لدى أطفال دون سن الخامسة خلال تشرين الأول الماضي.
شددت المنظمة على أن مستويات سوء التغذية المرتفعة تعرض حياة الأطفال للخطر، ويتفاقم ذلك مع الشتاء الذي "يسرع انتشار الأمراض ويزيد من خطر الوفاة بين الأطفال الأكثر ضعفا".
وأوضحت اليونيسف أن فحص التغذية الذي أجري بالتعاون مع الشركاء خلال أكتوبر الماضي أكد وجود نحو 9,300 طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، وما يزال هؤلاء الأطفال يواجهون الجوع والمرض وتعرضا لدرجات حرارة منخفضة، في ظروف تقترب من الخطر القاتل.
في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني
لم يكن موقف المنظمة الدولية من الشعب الفلسطيني موقفًا سويًا ينسجم مع وظيفتها ودورها كهيئة دولية. بل على العكس من ذلك، انخرطت المنظمة في دعم المخطط الاستعماري الصهيوني بشكل واضح، متناقضة بالكامل مع مهمتها في حفظ السلام وعدم الاعتداء على الغير.
منذ أن دخلت القوات البريطانية فلسطين عام 1917، مُنْهِية الوجود التركي الذي دام 400 عام، أسست بذلك مسارًا خطيرًا ومغايرًا لما رُسم لبقية الأقطار العربية. لقد أسست لذلك المسار بوعد بلفور عام 1917، ونجاحها في دفع مؤتمر سان ريمو لمنحها حق الانتداب من قِبَل الدول الحليفة عام 1920.
تم التصديق عليه من قِبَل عصبة الأمم في 24 من تموز عام 1922، لكن بدلًا من أن يشكل الانتداب مرحلة تمكِّن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره، فإن صك الانتداب طالب بريطانيا بالالتزام بوعد بلفور وتسهيل الهجرة اليهودية لإنشاء وطن قومي لليهود. بهذا الصك، تكون المنظمة الدولية قد تجاوزت دورها وانخرطت في التواطؤ على الحقوق الفلسطينية. وشكّل الانتداب مدخلًا للاحتلال البريطاني لتوفير كل السبل لقيام الكيان الصهيوني، من قمع واعتقال ومصادرة السلاح للشعب الفلسطيني، الذي لم يستكن ولم يستسلم بل استمر في المقاومة.
والصورة الأخرى للعلاقة الشاذة لدور المنظمة الدولية هي أنها، وللأسف الشديد، في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1947، اتخذت الأمم المتحدة قرارًا بتقسيم فلسطين، في سابقة تاريخية فريدة أعطت لنفسها حق التصرف بوطن شعب وتقسيمه، متجاوزة جوهر الصراع المتمثل في أن فلسطين خاضعة للاحتلال والشعب الفلسطيني يناضل لتحرير وطنه، وليس صراعًا بين طرفين. وهذا هو التزوير بعينه.
بهذا القرار، يكون المجتمع الدولي قد شارك بشكل أو بآخر في صناعة المأساة الفلسطينية.
ولهذا الدور وهذه المسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني، اتخذت الأمم المتحدة في 29 نوفمبر عام 1977 قرارًا باعتبار هذا اليوم يومًا عالميًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني. تذكيرًا للعالم بالمسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، واعترافًا من الأمم المتحدة بأن القضية قضية استعمار وليست نزاعًا بين طرفين.
إن تحويل هذا اليوم وهذا التضامن إلى تكريس حق تقرير المصير وحق العودة للاجئين وعدم شرعية الاحتلال هو التعبير الواضح عن التضامن مع الفلسطينيين.
يكتسب يوم التضامن هذا العام، وبعد "الطوفان" وعامين من حرب الإبادة بحق أهل غزة، أهمية كبرى، حيث تكشف بوضوح لا يرقى إليه الشك حجم الانحياز الغربي للكيان الصهيوني، ويظهر عجز النظام الدولي والمنظمة الدولية عن حماية المدنيين.
هذا العام يمر وقد تحولت القضية الفلسطينية إلى عامل أساسي على المستوى الدولي في الصراع بين قوى الهيمنة والقوى الصاعدة من دول وحراكات شبابية ونخب مجتمعية، الأمر الذي يعيد للقضية مكانها الطبيعي كقضية تحرر وطني.
إن الصورة الإجرامية التي مثلتها إسرائيل وقيادتها كمجرمي حرب، تجعل من هدف بناء حركة تضامن شعبية عالمية تتجاوز الحكومات الغارقة في توجهاتها الاستعمارية والداعمة للكيان، مهمة كل روّاد الحرية والتقدم.
تعثّر تشكيل القوة الدولية لغزة: دول تتراجع وغموض في آليات نزع السلاح
تعترض تعقيدات كبيرة تشكيل القوة الدولية لتأمين غزة بعد حرب الإبادة على القطاع، والتي من المقرر تشكيلها بموجب الخطة الأميركية وقرار صدر عن مجلس الأمن الدولي، وسط تقارير عن تراجع في التزامات الدول المرشحة للمشاركة، وغموض في آليات نزع سلاح حماس، وتأخير في تنفيذ البنود المركزية لخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
جاء ذلك، بحسب ما أفادت صحيفة "واشنطن بوست"، التي استعرضت نقاشات داخلية وضغوطًا دبلوماسية ومحاولات أميركية لحشد قوات ضمن "قوة الاستقرار الدولية" (ISF)، وهي البند المركزي من القرار الذي أقرّه مجلس الأمن في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بمنحه تفويضًا لـ"نزع السلاح" وتأمين الحدود وحماية المدنيين وعمليات الإغاثة.
وقال مسؤول إقليمي مطلع على المداولات: "قبل شهر، كانت الأمور في وضع أفضل"، في إشارة إلى تراجع الزخم الذي رافق الإعلان الأولي للخطة. وأفادت الصحيفة بأن إدارة ترامب تتحرك لإقناع دول بإرسال قوات، غير أن دولًا عديدة، حتى تلك التي تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع واشنطن، ما تزال مترددة.
وأشارت الصحيفة إلى تساؤلات ضاغطة تطرحها هذه الدولة خاصة حول كيفية "تأمين عملية نزع السلاح من حركة حماس" في ظل استمرار الغارات والهجمات الإسرائيلية على القطاع رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في وزارة الخارجية الإندونيسية قوله: "يريدون من قوة الاستقرار الدولية أن تدخل غزة وتعيد ما يسمونه ’القانون والنظام‘ وتنزع أي مقاومة... وهذه هي المشكلة. لا أحد يريد فعل ذلك".
وبموجب الخطة الأميركية، فإن "قوة الاستقرار الدولية" ستكون "حلًا طويل المدى للأمن الداخلي" في غزة، وأن انتشارها ينبغي أن يتم "فورًا"، فيما ما تزال قواعد الاشتباك ونطاق التفويض قيد الإعداد.
وقال شخص مطلع على التخطيط الأميركي إن الهدف هو نشر ثلاث فرق، أو ما يصل إلى 15 ألف جندي، بينما نقل آخر أن العدد قد يصل إلى 20 ألفًا. وأشار مسؤول أميركي إلى أن الانتشار متوقع في "مطلع 2026"، وأن عملية اختيار الدول "لا تزال عملية سائلة".
وأضاف المسؤول الأميركي: "هناك التزامات قيد الدراسة. ولن ترسل أي دولة جنودها قبل معرفة تفاصيل المهمة".
وتشير الصحيفة إلى أن اندونيسيا، التي أعلنت سابقًا استعدادًا لإرسال ما يصل إلى 20 ألف عنصر، أعادت تعديل موقفها. وذكر الناطق باسم وزارة الدفاع الإندونيسية أن الرقم كان يشير إلى "القدرة الإجمالية لحفظ السلام" وليس التزامًا خاصًا بغزة.
كما قال متحدث باسم الخارجية الإندونيسية إن الرقم "يتعلق بالجاهزية العامة لإندونيسيا". ووفق المسؤول الإندونيسي الذي تحدث للصحيفة، يجري التحضير لإرسال نحو 1200 جندي فقط كدفعة أولى، وأن انتشارهم قد يتطلب ستة أشهر.
وأشار إلى أن "بعض الضباط مترددون بشدة" خشية الانخراط في احتكاك مسلح مع فلسطينيين. وأضاف المسؤول أن حكومات في الشرق الأوسط "وبّخت" جاكرتا لتقدمها عليهم بالإعلان المبكر عن إرسال قوات. ووفق شهادته، باتت إندونيسيا تتحدث عن مهام "صحية وإنشائية" بدل أدوار قتالية.
وقال قائد الجيش الإندونيسي، الجنرال أغوس سوبيانتو، إن القوة ستتألف من ثلاث ألوية بقيادة جنرال بثلاث نجوم وبدعم جوي وبحري، مع إرسال "فريق استطلاع" أولًا لتحديد مواقع الانتشار.
وأشارت الصحيفة إلى دول أخرى أبدت استعدادًا أوليًا مثل أذربيجان وباكستان وإيطاليا. ونقلت عن "رويترز" أن باكو ستشارك فقط إذا توقّف القتال بالكامل. ولم يصدر تعليق إضافي من الخارجية الأذربيجانية أو البعثة لدى الأمم المتحدة، كما رفضت شخصيات باكستانية التعليق.
وقال مسؤول حكومي إيطالي رفيع المستوى إن بلاده "تقيّم أكثر السبل فعالية للمساهمة"، مشيرًا إلى اهتمام بعمليات إزالة الألغام وتوسيع برامج تدريب الشرطة الفلسطينية.
وبحسب الصحيفة، فإن قوة الاستقرار ما تزال تفتقر إلى "الدعم الحاسم" من دول الخليج. وقال مسؤول إقليمي إن هذه الدول "تراجعت" عن استعدادات سابقة.
ونقلت الصحيفة عن المستشار الإماراتي أنور قرقاش أنه "لا يرى إطارًا واضحًا" للقوة، فيما قال محلل سياسي إماراتي إن "الغموض لا يلقى ارتياحًا في أبوظبي". وبات من "المستبعد" أن تنشر أي دولة خليجية جنودًا داخل غزة، رغم احتمال مساهمتها في التنسيق من الخارج، بحسب دبلوماسي مطلع.
ويأتي تشكيل القوة ضمن "المرحلة الثانية" من خطة ترامب، التي تشمل أيضًا "مجلس سلام" برئاسته لإدارة غزة لمدة عامين، ولجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة شؤون القطاع اليومية، وانسحابًا إسرائيليًا إضافيًا، ونزع سلاح حماس.
وقال شخص مطلع على الجهود: "كنا نعتقد أنه بعد قرار مجلس الأمن، سيتم الإعلان عن مجلس السلام خلال 48 إلى 72 ساعة... لكن لم يحدث شيء، حتى غير رسمي". ولم تُسمِّ الخطة حتى الآن أعضاء آخرين في مجلس السلام، رغم قول ترامب إن المجلس سيضم "رؤساء دول كبرى".
وأشار مسؤول أميركي آخر إلى أن الهدف هو إطلاق كل من مجلس السلام والقوة الدولية "في الأسابيع المقبلة"، لكنه اعترف بأن أسئلة كبيرة ما تزال بلا إجابة، خصوصًا المتعلقة بآليات نزع السلاح، والتنسيق مع قوة الشرطة الفلسطينية التي يُفترض تشكيلها بموجب الخطة.
وقالت الصحيفة إن حماس وافقت شفهيًا، خلال مفاوضات وقف إطلاق النار الشهر الماضي، على آلية للتجريد من السلاح، وفق المستشار المصري خالد عكاشة. لكن الحركة "شدّدت موقفها" منذ ذلك الحين، بحسب مسؤول مصري سابق، مع احتمال أن تسلّم أسلحة ثقيلة وتُبقي على الأسلحة الخفيفة.
وصرّح دبلوماسي مصري سابق: "العالم كله يعرف أن نزع السلاح يستغرق سنوات"، مؤكدًا أنه لا يمكن تنفيذ ذلك دون معالجة مستقبل غزة السياسي. وأضاف أن مصر، رغم دورها المركزي في الخطة، "لن تشارك" في القوة ما دامت إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية في القطاع. وقال: "ماذا سيحدث لو قتلت إسرائيل عددًا من جنود القوة، سواء من مصر أو غيرها؟ ستكون كارثة".
وتستعرض الصحيفة أسئلة أخرى تتعلق بمواقع انتشار القوة، وما إذا كانت ستبقى في مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية أو تدخل مناطق تنشط فيها حماس. وعلى الرغم من انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، فإنها ما تزال تسيطر على أكثر من نصف القطاع.
وبحسب وثيقة داخلية في الجيش الإندونيسي، التي اطلعت عليها الصحيفة، يُدرس نشر القوات في مناطق لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية.
كما لم يحسم بعد ما إذا ستكون القوة الدولية مسؤولة عن حماية "المناطق الآمنة" التي تخطط لها إسرائيل داخل المناطق التي تسيطر عليها، والتي وصفت بأنها "مدن صغيرة" تضم مؤسسات وخدمات أساسية لتشجيع السكان على الانتقال إليها بدعم دولي. وتشير الصحيفة إلى أن جاريد كوشنير يقود هذا المشروع.
ونقلت الصحيفة عن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قوله إنه "يشكك" في قدرة أي قوة دولية على نزع سلاح حماس، وأضاف: "قالوا إن قوات دولية قد تفعل ذلك... حسنًا، يمكنكم المحاولة".
ويرى باحثون إسرائيليون أن تل أبيب تعمل على فرضية مفادها أنها "ستضطر نهاية المطاف إلى نزع سلاح حماس بنفسها"، ونقلت الصحيفة عن باحث إسرائيل قوله "كل المؤشرات تقول إنه لا توجد دول مستعدة لتحمّل هذه المسؤولية... الخلاصة: من غير المرجح أن تؤدي ISF، إن تم إنشاؤها أصلًا، إلى نزع سلاح غزة".



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire