نقابة الصحفيين تدعو إلى تدخل دولي عاجل لإنقاذ حياة الصحفي المعتقل علي سمودي

 

حذرت نقابة الصحفيين من تدهور خطير على الحالة الصحية للزميل الصحفي المعتقل علي سمودي (58 عاما) نتيجة سياسة الإهمال الطبي التي تتبعها إدارة سجون الاحتلال الصهيوني.
وطالبت النقابة في منشور لها، بتدخل جميع المؤسسات الدولية والحقوقية من أجل التدخل الفوري والعاجل لإنقاذ حياة الزميل سمودي.
وكانت عائلة الصحفي المعتقل قد أفادت بتدهور حالته الصحية، مؤكدة أنه يعاني من أمراض مزمنة ويحتاج إلى علاج دائم، بالإضافة لوجود شظايا رصاص حي في رأسه إثر تعرضه للإصابة برصاص الاحتلال أثناء تغطيته الصحفية في وقت سابق.
يذكر أن قوات الاحتلال اعتقلت الصحفي سمودي في 29 نيسان/ أبريل الماضي من منزله في جنين، وتعرض لعملية تنكيل عقب اعتقاله، حيث احتجز في بداية اعتقاله في ثكنة عسكرية في جنين، ثم جرى نقله إلى معتقل "الجلمة" ولاحقًا نقل إلى سجن "مجدو".
وفي 8 أيار/ مايو الماضي، أصدرت سلطات الاحتلال، أمر اعتقال إداري بحق الصحفي سمودي لمدة ستة أشهر، ليرتفع عدد الصحفيين المعتقلين إداريا في سجون الاحتلال إلى (20) صحفيا وهم من بين (50) صحفيا وصحفية يواصل الاحتلال اعتقالهم منذ بدء حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بالإضافة إلى 6 صحفيين معتقلين قبل بدء الحرب، وفقا لبيانات هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير.
المقاومة متمسّكة بالضمانات | ما بعد ردّ «حماس»: العدو نحو تصعيد منفلت
يحيى دبوق

يمثّل التصعيد العسكري الكبير ضدّ قطاع غزة، والذي وصفته إسرائيل بـ«فتح أبواب الجحيم»، ردَّ فعل مباشراً على رفض حركة «حماس» مقترح المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، كما هو، وطَلبها تعديلات جوهرية على بنوده الرئيسة. ولذلك، يمكن وضع ما يجري الآن في إطار التفاوض بالنار؛ إذ تستخدم إسرائيل القوّة العسكرية كوسيلة ضغط مباشرة على الحركة، بدفعٍ أو على الأقلّ بقبول أميركي، بهدف إجبار «حماس» على التراجع عن مطالبها، وقبول بنود الاتّفاق من دون أيّ تعديلات. ورغم الضبابية التي تكتنف مآل الأمور، في ظلّ تصاعُد وتيرة العنف والتدمير والقتل، إلّا أنّ باب التفاوض لم يغلق تماماً، وهنا تكمن المفارقة.
وكانت حركة «حماس» أرسلت ردّها إلى الجانب الأميركي، متضمّناً تحفّظات وطلبات تعديل على بنود مقترح ويتكوف؛ وهي، وإنْ لم ترفضه بالكامل، لكنّها قرّرت استخدامه نقطةَ انطلاق لبدء مفاوضات حقيقيّة. وهكذا، اختارت، بدلاً من «القبول أو الرفض»، التعامل مع الورقة باعتبارها فرصةً لتصحيح مسار التفاوض، فجاء ردّها ليؤكّد أنّه ثمّة شروطاً أساسية يجب تحقيقها في إطار المفاوضات نفسها، ومنها: وقف لإطلاق النار يستمرّ لسنوات؛ انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة؛ دخول المساعدات الإنسانية من دون رقابة وتحكّم إسرائيليَّين، والأهمّ إعادة فتح معبر رفح، والذي يختزل كل الشروط الفلسطينية الأخرى. وليست البنود المتقدّمة مجرّد مطالب سياسية، بل إنها تمثّل، بالنسبة إلى «حماس»، ضمانات أساسية لأيّ تسوية محتملة؛ علماً أن أيّ اتّفاق لا يتضمّن النقاط المشار إليها، لن يكون سوى هدنة مؤقّتة، تتبعها جولة تصعيد جديدة.
من جانبها، تصرّ إسرائيل على هدفها الأول، أي إعادة ترتيب الوضع في غزة أمنيّاً وسياسيّاً وسلطويّاً، بما يحقّق لها «صفر تهديدات»، مع إمكان الإعلان عن انتصار عسكري كامل على «حماس». ولهذا الغرض، تكتفي تل أبيب بالمقايضة على المساعدات الإنسانية فقط، من دون أيّ التزام بانسحاب حقيقي، أو بإنهاء الحرب. وفي الموزاة، تُظهر تصريحات مسؤوليها، من رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، إلى أصغر عضوٍ فيها، أنّ الهدف الاستراتيجي لا يشمل إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في القطاع، بل فرض فترة هدنة قصيرة تُستخدم لسحب المحتجزين الإسرائيليين، تمهيداً لاستئناف العمليات العسكرية بوتيرة أشدّ وأكثر عنفاً لتحقيق «النصر العسكري المطلق».

قرّرت «حماس» استخدام مقترح ويتكوف نقطةَ انطلاق لبدء مفاوضات حقيقيّة
ولعلّ إحدى أهمّ دلالات ردّ «حماس»، الرغبة الواضحة لديها في تجنّب التسويف، واختيارها رفع السقف عالياً، من بداية العملية التفاوضية الحالية، لتحقيق ما أمكن في سياقاتها، الأمر الذي يشير إليه طلبها تقسيم عملية الإفراج عن المحتجزين إلى ثلاث دفعات، بما يكفل لها على الأقل أن تنتظر إسرائيل الفترة المتّفق عليها بالكامل قبل أن تتنّصل من التزاماتها، كما فعلت سابقاً. وفي الوقت ذاته، طالبت الحركة بوضع محدّدات تعيد تقويم المسار التفاوضي برمّته، وتؤدّي إلى إنهاء الحرب، في حين لوحظ أنها خفضت عدد الأسرى الذين ستفرج عنهم في المرحلة الأولى، فيما يؤشّر إلى أنّها تريد الانطلاق من شروط صعبة، لفتح المجال أمام تنازلات متبادلة لاحقاً، تتعلّق بعدد الأسرى الفلسطينيين المنوي الإفراج عنهم في المقابل، نوعاً وكمّاً.
من الزاوية الإسرائيلية، تُعدّ هذه المطالب غير واقعية، وغير قابلة للتنفيذ، وفق ما بيّنته المواقف وردود الفعل الصادرة في تل أبيب، كما في واشنطن، ما دفع إسرائيل إلى اعتبار ردّ «حماس» رفضاً للاتّفاق، ومبرّراً للتصعيد - تالياً - الذي قد يزيد من احتمال الانزلاق نحو سيناريوهات متطرّفة على الأرض. على أنه لا يمكن القول، من الناحية الأخلاقية، إن الحركة أخطأت، كونها طرفاً في صراع مستمرّ منذ عقود، ولها الحقّ في تحديد أولوياتها ومصالح شعبها، خصوصاً أن الاتّفاق رغم المأساة التي يعيشها قطاع غزة، لا يتضمّن بنوداً تكفل إنهاء الحرب، بل يكتفي بالإشارة الشكلية إلى ذلك، ما يسمح لإسرائيل بالتملّص منه لاحقاً.
ومن هنا، يعتبر رفض مقترح ويتكوف واشتراط إدخال تعديلات عليه، قراراً استراتيجيّاً من جانب «حماس»، لاسيما وأن الحركة تدرك أن القبول بشروط إسرائيلية صارمة من دون ضمانات عملية، يعني استسلامها ورضوخها للإملاءات بما لا تُحمد عقباه، مهما كان الثمن الحالي مرتفعاً.
بالنتيجة، يُتوقّع أن تشهد غزة تصعيداً إسرائيلياً واسعاً يهدف إلى فرض الإملاءات على «حماس»، ودفْعها إلى القبول بما ترفضه الآن. لكنّ العامل الأميركي يبقى هو المحكّ في كل ذلك، سواء في منح الضوء الأخضر للتصعيد، أو في الضغط على إسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات، علماً أنّ موقف الإدارة الحالية وما يمكن أن تُقدِم عليه بعد التصعيد الجاري الآن، لا يمكن قياسه ويتعذّر تقديره. لذا، فالموقف الآن هو الانتظار والترقُّب لتحديد الخطوة التالية؛ وهذا الوضع، أي التفاوض تحت النار، يكاد يكون سمة الصراع القائم، منذ أشهر.


ارتياح مصري إلى الردّ «الحمساوي»: أميركا وإسرائيل تتعنّتان
القاهرة | في الوقت الذي عبّرت فيه الإدارة الأميركية بوضوح عن رفضها للتعديلات التي طلبت حركة «حماس» إدخالها على بنود مقترح المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، بشأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتبنّى القاهرة موقفاً تعدّه «أكثر مرونة»، طبقاً لما نقلته مصادر مطّلعة إلى «الأخبار» عن مسؤولين مصريين. وبحسب رؤية هؤلاء، فإن الرفض الأميركي «ليس مبرّراً بالشكل الذي يتمّ ترويجه»؛ إذ لا يتضمّن مقترح الحركة «أي مفاجآت، بل يستند إلى تفاهمات سابقة، أبرزها اتفاق كانون الثاني الماضي، الأمر الذي يجعل الاعتراض عليه أقرب إلى خلاف على التوقيت وترتيب الأولويات، وليس حول مضمونه».
وترى القاهرة أن المقترح المطروح «قابل للتطبيق، ولا سيّما أنه يتّسق مع الوقائع الميدانية، ومع طبيعة الهواجس التي تبديها المقاومة، بما فيها الخشية من أن يؤدّي الإفراج الفوري عن المحتجرين الإسرائيليين إلى استئناف القتال قبل إتمام الانسحاب الإسرائيلي الكامل». ويعتبر المسؤولون المصريون تلك المخاوف «منطقية في ظل انعدام الضمانات الجادّة التي تحول دون تكرار سيناريوات انهيار الهدن المؤقتة»، لافتين إلى أن «الطلب الوارد في المقترح بشأن الانسحاب الإسرائيلي من غزة ليس شرطاً جديداً، بل تم إدراجه ضمن التفاهمات السابقة، التي شاركت فيها القاهرة، وحظيت بموافقة دولية، بما فيها أميركية، باعتباره جزءاً أساسياً من أي اتفاق شامل».
ولذلك، تعتبر القاهرة أن تراجع واشنطن عن تبنّي هذا البند، أو غضّ الطرف عنه «لا يخدم مسار التهدئة، بل يمنح تل أبيب مساحة إضافية للاستمرار في التصعيد، وتوسيع رقعة الدمار في القطاع، بذريعة أن الطرف الآخر «يراوغ» أو «يماطل»»، الأمر الذي تعدّه «انحرافاً خطيراً عن منطق التفاوض الذي يحتاج إلى مرونة، من شأنه أن يحوّل المحتجزين أنفسهم إلى ضحايا في ظل استمرار الحصار الإنساني والدمار المستمر». وفي الوقت نفسه، لا تُخفي القاهرة قلقها من تداعيات الرفض الأميركي على فرص التوصّل إلى اتفاق دائم، خصوصاً في ما يتعلّق بإضعاف جهود الأطراف الوسيطة، وانعكاس ذلك سلباً على ثقة الفلسطينيين بأي جهود دولية مستقبلية.

لا تُخفي القاهرة قلقها من تداعيات الرفض الأميركي على فرص التوصّل إلى اتفاق دائم
وإلى جانب ما تقدّم، تختلف القاهرة مع بعض العواصم الخليجية في تقييم ردّ «حماس»؛ إذ ترى تلك العواصم فيه «مبالغة في الشروط، ومحاولة للهروب إلى الأمام بصورة المنتصر رغم الكلفة الإنسانية والميدانية الكبيرة»، الأمر الذي لا تتبنّاه مصر بالكامل، بل تعتبر أن «الحركة قدّمت في ردّها تنازلات لا يُستهان بها، سواء في ما يتعلّق بجدولة الإفراج عن الرهائن، أو القبول بمفاوضات حول ترتيبات اليوم التالي، وصولاً إلى فتح الباب أمام طرف ثالث لإدارة القطاع، وهو ما لم تكن تقبل به سابقاً بهذه الصيغة»، في وقت «لا تبرّر فيه القاهرة كل مواقف حماس»، كما يقول مسؤولوها.
غير أن «مرونة» الحركة تلك، بحسب المسؤولين المصريين، تمثّل «نضجاً سياسياً يمكن البناء عليه، شريطة أن تكون هناك ضمانات حقيقية تُخرج المسار التفاوضي من المراوحة»، وفقاً للمسؤولين المصريين. أما الحديث عن «نزع سلاح المقاومة في الظرف الحالي، وسط غياب أي أفق سياسي لعملية متكاملة تنتهي بإعلان الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال»، فتراه القاهرة «نوعاً من الضغط غير الواقعي، بل وقد يكون مدمّراً على المدى الطويل لأنه يُفقد الفلسطينيين أي أداة تفاوضية».
ومن هذا المنطلق، تدعو القاهرة إلى «قراءة المشهد برؤية أكثر اتزاناً، تُراعي الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع، والخطورة الكامنة في إطالة أمد المواجهة، ما يفاقم المعاناة بشكل لا يمكن احتواؤه لاحقاً»، مشدّدةً على «ضرورة توفير إرادة سياسية حقيقية تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لا الاكتفاء بإغراق المفاوضات في تفاصيل قد تتحوّل إلى ذرائع لتقويض أي اتفاق، واستخدام الملف الإنساني كورقة ضغط أو مساومة».
وتصف القاهرة مقاربتها بـ«الواقعية»، نظراً إلى أنها «تمزج بين التحدّيات الميدانية والمطالب السياسية، من دون السقوط في فخّ الانحياز الكامل إلى أيّ من الأطراف»، لافتة إلى أن «الحسم العسكري ليس حلاً، بل لا بدّ من اتفاق شامل يعالج جذور الأزمة، لا نتائجها فقط». ويأتي هذا فيما تحذّر القاهرة في اجتماعاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية من «العودة إلى لغة الرفض القاطع الذي لا يخدم الواقع، بل يُعيد الأمور إلى نقطة الصفر».
وفي ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي، ترى القاهرة أن أي مقترح لا يأخذ في الاعتبار الكارثة الإنسانية على الأرض، ولا يتعهّد بتوفير الحد الأدنى من الحماية للمدنيين، سيفشل في فرض نفسه، مهما كان مدعوماً دولياً. أما المطلوب الآن فهو «الاعتراف بتعقيدات الواقع، والعمل على تجاوزها بحكمة، لا القفز فوقها بشعارات الحرب على «الإرهاب» أو فرض «الأمن»».

بين فاروق الشرع وأحمد الشرع
ابراهيم الأمين

لا يوجد حتى اللحظة من هو قادر على «الإمساك» بالرئيس السوري المُعيّن أحمد الشرع، بمعنى أنّ أحداً لا يمكنه التحدّث عنه بيقين، أو التنبؤ بما سيقدم عليه.
وبمراجعة لباحثين من المعارضين للنظام السابق، تخصّص بعضهم في متابعة قصة الرجل ولا سيما بعد تمكّنه من السيطرة على إدلب ومحيطها، يمكن القول إن المشترك بين هؤلاء، أن الشرع قادر على الدوام على مفاجأة المحيطين به قبل الآخرين. أما سؤال المليون فهو عن زمن بداية تحوّله؟
بين الباحثين، معارض سوري اسمه حسام الجزماتي، كتب مقالات كثيرة في مواقع سوريّة معارضة للنظام السابق، وقدّم مطالعة في مقابلة مع جاد غصن على قناة «العربي»، كان البارز فيها اعتقاده بأن الشرع تخلّى عن الجهادية العالمية منذ اعتقاله في العراق عام 2005.
ويقول الباحث - الذي لا يبدو مسروراً بالتغيير الحاصل ولم يعد إلى سوريا - إن الشرع يجيد بيع الآخرين من «أكياسهم»، وهو قادر على التحايل على الوقائع، بما يجعله موجوداً طوال الوقت، وإنه في مرات كثيرة يبدو كمن يقدّم تنازلات، فيما هو بالفعل يتخلّص من أعباء صارت ثقيلة في محيطه وبين أركانه.
وهناك أيضاً باحث غربي اسمه باتريك هيني، من فريق «منظمة الحوار الإنساني» المتخصّصة في أعمال الوساطة، وقد ارتبط بعلاقة صداقة شخصية مع الشرع منذ كان في إدلب، وحافظ على علاقته به بعدما سكن في قصر الشعب في دمشق. يعتقد هيني بأن الشاب حمل كل أفكار تنظيم «القاعدة» منذ انخراطه السياسي، لكنه ممن يسعون دوماً إلى تقديم نموذج جديد من الإسلام الحركي. ويصف هيني الشرع بأنه «شخصية تمتلك رؤية واضحة لما تريده. يُحسب له أنه نجح في قيادة حركته عبر تحوّلات أيديولوجية عميقة، وتمكّن من الحفاظ على وجوده واستمراريته في كل الصراع»، واصفاً إياه بأنه «شخص استراتيجي وبراغماتي في آن، يمتلك القدرة على التكيّف واتخاذ قرارات مفصلية ضمن تعقيدات المشهد السوري».
الفارق بين جزماتي وهيني لا يتعلق فقط بكون أحدهما ابن البيئة السورية، بل في كون الباحث الغربي يرى الشرع من زاوية تخصّ الخارج، وهي نقطة مهمة جداً في حسابات قائد تنظيم يشبه في تحوّلاته متحوّرات «كورونا». وبالتالي، فإن من يعتقد في هذه اللحظة بأن الشرع يملك رؤية متكاملة ستقوده إلى نتيجة مقرّرة من قبله، لا يبدو أنه يعرف طبيعة سوريا.

استسهال الارتماء في الحضن الأميركي وتوابعه العربية لن يُبقي من سوريا سوى فتات لا يغطّي أبسط حاجات البلاد وجوارها
صحيح أن الشرع، نجح في التكيّف مع الوقائع، وأدخل تعديلات غير بسيطة على تنظيمه فكرياً وسياسياً وهيكلياً، لكنه كان، في كل مرة، يدفع ثمناً باهظاً بسبب القسوة التي يلجأ إليها عند كل تحوّل، حيث يختفي قادة وكوادر وحتى مجموعات، مع نتيجة أكيدة تنتهي بتمركز الأمور بيده أكثر من السابق.
وهو يحافظ، حتى اللحظة، على آلية عمل تتيح له الفصل بين رجالات الحكم ورجالات القرار. وبمعنى أدقّ، توجد حوله مجموعة من القيادات الأساسية التي تتشكّل بمعظمها من جهاديين غير سوريين، وهؤلاء، لهم دور كبير في إدارة السلطات التي تتشكّل من قيادات وكوادر بات الجمهور يعرفها، لكنها لا تشكّل عائقاً أمام أي تحوّل يريده الشرع.
وإذا كان أحمد الشرع هو، في واقع الحال، الشخصية الأكثر فعّالية في المشهد السوري، إلا أن فكرة عدم توفر مزايا أو أفكار لدى غيره تصبح أمراً تعجيزياً في بلد يستفيق من سبات الحرب.
ففي سوريا نفسها، رجل آخر من آل الشرع، هو نائب الرئيس السابق ووزير الخارجية الأسبق والقيادي البعثي فاروق الشرع، الدبلوماسي والسياسي الذي أمكنه العمل في أصعب مراحل سوريا السياسية والأمنية والاقتصادية، وكان من أبرز من عارضوا المسار الذي قرّره النظام السابق في تعامله مع خصومه الداخليين، إثر اندلاع الأزمة عام 2011.
ومن دون الدخول - على الطريقة السورية واللبنانية - في بحث حول الصلة التي يمكن أن تربط الشرعيْن أحدهما بالآخر، فإن الحديث لا يتعلق بترشيح أحدهما للعب دور الآخر، لكنها مقارنة ضرورية في هذه اللحظة، بسبب الفوارق الكبيرة جداً بينهما، والتي تعكس الفالق السوري الكبير، كون فاروق الشرع، الذي يملك تجربة أكبر، ويمثّل عراقة سياسية، وسبق أن تحمّل المسؤولية في مسألة الخيارات الأفضل لمستقبل سوريا، من دون التورّط في الحروب التي أدّت إلى ما باتت عليه اليوم.
وقد كان جزءاً من النظام السابق، لكنه لم يكن ذلك الموظف المستعدّ للموافقة على كل ما يأتي من فوق من دون نقاش. وهذا ما ميّزه لفترة طويلة عن غيره ممن تعاقبوا على المواقع الرئيسية في البلاد.
نشر فاروق الشرع الجزء الثاني من مذكّراته الشخصية، في كتاب صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بعدما كان نُشر جزء أول يتعلق بالمرحلة السابقة، خصوصاً ملف المفاوضات السورية – الإسرائيلية.
في الجزء الثاني، كمية كبيرة من الأمور التي تخصّ مرحلة ما قبل الانفجار عامَ 2011 وبعده. والمجريات، لا يمكن وضعها في مصاف السرد العام، بل فيها ما يكشف خلفية أمور كثيرة قد تكون سبباً في الأزمة الكبيرة.
فلا هو أهمل العناصر الداخلية المتصلة بفشل مشروع الإصلاح الذي كان يتوقّعه مع الرئيس بشار الأسد، ولا هو غائب عن التدخل الخارجي الساعي إلى تدمير سوريا وتطويعها.
لكن «أبو مضر» لم يكن ينظر إلى سوريا بوصفها مكاناً جغرافياً منغلقاً على نفسه، بل كان يعرف حجم الدور الذي تلعبه تاريخياً وحاضراً في كل المنطقة. والأهم في كل ما سبق، إدراكه العميق، الفعلي لا النظري، لطبيعة العداء الذي تقوده الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل وحلفاؤها في المنطقة والعالم) ضد سوريا كدولة، كما ضد الحكم الموجود.
من المفيد أكيداً لكل من يريد مراجعة ما حصل في سوريا خلال 13 عاماً أن يراجع مذكّرات الشرع. وهي مراجعة مفيدة الآن لتقدير المسار الذي يتجه إليه الشرع الحاكم في قصر الشعب اليوم، خصوصاً أن أبرز الأسئلة التي تخصّ سوريا، لا تنبع حكماً وحصراً من تعب السوريين، بل من الحاجات الفعلية لمجتمع لا يمكن تحويله إلى مختبر تجارب، خصوصاً من قبل شخصيات كأحمد الشرع. والمسألة هنا، لا علاقة بإسلامية أحمد الشرع أو سلفيته أو جهاديته، بل بفكرة «الخلاص» التي يتبناها وتكاد تكون شخصية.
وإذا كانت الخلافات بين السوريين كبيرة بفعل كل ما حصل خلال ستة عقود من حكم البعث، أو خلال 13 سنة من الحرب الأهلية، فإن ذلك، لا يعني أن السوريين قرّروا جميعاً، أو بأغلبية واضحة، أن طريق الخلاص يكون عبر الاستسلام للمشروع الغربي في منطقتنا.
عندما يشرح فاروق الشرع تفاصيل الإدارة الدقيقة لمواجهة المشاريع الغربية لضرب العراق ولبنان وسوريا، أو ما فعله الجميع بفلسطين، يمكن فهم مصدر المشكلة.
والأمر في هذه الحالة ليس هدفه «فعل النكاية» كما يرغب التُّفَّهُ الذين تعجّ بهم دمشق هذه الأيام، بل لأن فكرة التسليم بالمشروع الأميركي، الذي يعني تأبيد المشروع الصهيوني في منطقتنا، ويفرض علينا تقاليد حكم وفق ما هو موجود في إِمارات وممالك الجزيرة العربية، هي فكرة انسحاق، وسيكتشف السوريون، ليس بعد وقت طويل، أنهم سيتحولون من هاربين ونازحين داخل بلادهم وخارجها، إلى جيوش من المقهورين الذين لا تغطيهم الأحلام الافتراضية، ولا تقيهم المكرُمات شرّ الجوع والعطش، ولا تساعدهم سياسات الخصخصة على توفير مساكنهم ومدارسهم ومشافيهم!
من يريد النظر إلى سوريا اليوم، فقد تكون مفيدةً له المقارنة بين الشرعيْن، واحد يمثّل تاريخ فيه الكثير من عناصر القوة، كما يوجد فيه الكثير من القهر والظلم، وآخر، يمثّل المراهقة التي تهدّد ما بقي من هذه البلاد وجوارها!


الضمير: الاحتلال يحوّل مراكز توزيع المساعدات إلى مصائد موت لقتل المدنيين
أكدت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان – غزة أن قوات الاحتلال الصهيوني تواصل استخدام سياسة التجويع كسلاح ضد سكان قطاع غزة، من خلال استهداف المدنيين المتجمعين في نقاط توزيع المساعدات، ما يحوّل هذه النقاط إلى مصائد موت في انتهاك صارخ لمبادئ العمل الإنساني وأحكام القانون الدولي الإنساني.
وأوضحت المؤسسة، في بيان صدر اليوم الأحد الموافق 1 يونيو 2025، أن قوات الاحتلال أطلقت النار بشكل مباشر على مئات الفلسطينيين الذين تجمعوا للحصول على المساعدات في نقطتين رئيسيتين: الأولى قرب منطقة نتساريم، والثانية في تل السلطان غرب مدينة رفح جنوبي القطاع، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 28 مدنياً بينهم أطفال، وإصابة ما لا يقل عن 190 آخرين بجروح متفاوتة، بعضهم في حالة حرجة.
وشددت الضمير على أن هذا الهجوم الدموي يأتي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق المدنيين في غزة، والتي تصاعدت منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023. وأكدت أن هذه الانتهاكات تمثل خرقاً ممنهجاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصاً مبدأي التمييز والتناسب، ومبدأ الضرورة العسكرية.
وأشارت المؤسسة إلى أن استهداف المدنيين أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات – التي وصفتها المنظمات الحقوقية والدولية بـ"المعسكرة والمهينة للكرامة الإنسانية" – يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويشكّل دليلاً إضافياً على سياسة التجويع والإبادة الجماعية التي ينتهجها الاحتلال ضد السكان الفلسطينيين.
ولفتت الضمير إلى أن هذه الجريمة وقعت في مناطق سبق أن صنفها الاحتلال بأنها "آمنة"، بل ودعا السكان إلى التوجه إليها لتلقي المساعدات، ما يضاعف من مسؤوليته القانونية ويكشف زيف مزاعمه حول توفير "ممرات إنسانية"، ويؤكد محاولاته الممنهجة لتضليل الرأي العام العالمي بشأن الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة.
وطالبت مؤسسة الضمير المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته، وإلغاء خطة الاحتلال الخاصة بتوزيع المساعدات، والضغط من أجل فتح ممرات إنسانية عاجلة وآمنة تحت إشراف مباشر من الأمم المتحدة. كما دعت إلى فتح تحقيق دولي فوري ومستقل في جريمة إطلاق النار على المدنيين في نتساريم وتل السلطان، ومحاسبة جميع المتورطين فيها.


بيان مصري-قطري: جهود مكثفة لسرعة التوصل لهدنة موقتة لمدة ٦٠ يوما
قال بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية مساء اليوم الأحد إن جمهورية مصر العربية ودولة قطر تواصلان جهودهما المكثفة لتقريب وجهات النظر والعمل على تذليل النقاط الخلافية للتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بقطاع غزة ارتكازاً على مقترح المبعوث الأمريكي "ويتكوف" وبما يتيح استئناف المفاوضات غير المباشرة على أساس هذا المقترح.
وأكد البيان على أن مصر وقطر بالتنسيق مع الولايات المتحدة على يعتزمون تكثيف الجهود لتذليل العقبات التي تشهدها المفاوضات.
ودعا البيان لضرورة تحلي كافة الأطراف بالمسئولية ودعم جهود الوسطاء لإنهاء الأزمة بقطاع غزة وبما يعيد الاستقرار والهدوء للمنطقة.
وأضاف: كما تتطلع الدولتان لسرعة التوصل لهدنة موقتة لمدة ٦٠ يوما تؤدي إلى اتفاق وقف دائم لإطلاق النار بقطاع غزة، وبما يسمح بإنهاء الأزمة الإنسانية غير المسبوقة بالقطاع والسماح بفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية بما يضمن التخفيف من المعاناة التي يواجهها الشعب الفلسطيني بغزة، وصولاً لإنهاء الحرب بشكل كامل والبدء في إعادة إعمار القطاع وفقاً للخطة التى اعتمدتها القمة العربية الطارئة في القاهرة فى ٤ مارس ٢٠٢٥.


حماس: مستعدون للشروع الفوري في جولة مفاوضات للوصول إلى اتفاق حول نقاط الخلاف
رحبت حركة حماس باستمرار الجهود ال قطر ية والمصرية من أجل التوصّل إلى إنهاء الحرب التي يشنّها الاحتلال الصهيوني على شعبنا في قطاع غزة.
وأكدت الحركة في بيان مقتضب صدر عنها اليوم الأحد استعدادها للشروع الفوري في جولة مفاوضات غير مباشرة، للوصول إلى اتفاق حول نقاط الخلاف، بما يؤمّن إغاثة شعبنا وإنهاء المأساة الإنسانية، وصولًا إلى وقفٍ دائمٍ لإطلاق النار وانسحابٍ كاملٍ لقوات الاحتلال.
وفي وقت سابق من اليوم، قال بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية مساء اليوم الأحد إن جمهورية مصر العربية ودولة قطر تواصلان جهودهما المكثفة لتقريب وجهات النظر والعمل على تذليل النقاط الخلافية للتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بقطاع غزة ارتكازاً على مقترح المبعوث الأمريكي "ويتكوف" وبما يتيح استئناف المفاوضات غير المباشرة على أساس هذا المقترح.
وأكد البيان على أن مصر وقطر بالتنسيق مع الولايات المتحدة على يعتزمون تكثيف الجهود لتذليل العقبات التي تشهدها المفاوضات.
ودعا البيان لضرورة تحلي كافة الأطراف بالمسئولية ودعم جهود الوسطاء لإنهاء الأزمة بقطاع غزة وبما يعيد الاستقرار والهدوء للمنطقة.
وأضاف: كما تتطلع الدولتان لسرعة التوصل لهدنة موقتة لمدة ٦٠ يوما تؤدي إلى اتفاق وقف دائم لإطلاق النار بقطاع غزة، وبما يسمح بإنهاء الأزمة الإنسانية غير المسبوقة بالقطاع والسماح بفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية بما يضمن التخفيف من المعاناة التي يواجهها الشعب الفلسطيني بغزة، وصولاً لإنهاء الحرب بشكل كامل والبدء في إعادة إعمار القطاع وفقاً للخطة التى اعتمدتها القمة العربية الطارئة في القاهرة فى ٤ مارس ٢٠٢٥.


الأونروا: توزيع المساعدات في غزة فخ مميت
قال المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، إن توزيع المساعدات في غزة أصبح فخا مميتا.
وأضاف المفوض العام، أنه يجب أن يكون تسليم وتوزيع المساعدات آمنا ولا يمكن القيام بذلك في غرة إلا عبر الأمم المتحدة.
وتابع، أنه يجب على إسرائيل رفع الحصار والسماح للأمم المتحدة بوصول آمن ودون عوائق لإدخال المساعدات.
كانت الوكالة أفادت اليوم الأحد، بأنها تمتلك القدرة على توصيل المساعدات بأمان على نطاق واسع في قطاع غزة .
وقالت الأونروا، في منشور على صفحتها بموقع فيسبوك اليوم،"أظهرت الأمم المتحدة خلال وقف إطلاق النار أننا نمتلك القدرة على توصيل المساعدات بأمان على نطاق واسع للوصول إلى الناس حيث هم".
وأشارت إلى أن "طرق التوزيع الحالية تفشل في تلبية الاحتياجات الإنسانية الملحة في غزة وخاصة للمرضى وكبار السن والجرحى".


‫ الاحتلال يواصل عدوانه على طولكرم ومخيميها لليوم الـ126 على التوالي
 تواصل قوات الاحتلال الصهيوني عدوانها على مدينة طولكرم ومخيمها لليوم الـ126 على التوالي، ولليوم الـ113 على مخيم نور شمس، وسط تعزيزات عسكرية وتصعيد متواصل.
وقالت مصادر محلية، إن قوات الاحتلال دفعت صباح اليوم بتعزيزات عسكرية من الآليات باتجاه المدينة من مدخلها الغربي، وجابت شوارعها الرئيسية، منها: دوار العليمي وشارع نابلس، باتجاه مخيم نور شمس.
وأضافت، أن الاحتلال يستمر في حصاره الخانق على مخيمي طولكرم ونور شمس، بالتزامن مع اطلاق نار وانفجارات، بين الفينة والأخرى، وسط انتشار مكثف للآليات، وفرق المشاة في محيطهما وحاراتهما، وملاحقة واحتجاز كل من يحاول من السكان الوصول الى منازلهم، لتفقدها، وأخذ مقتنياتهم منها، وإطلاق النار تجاههم.
وقد شهد مخيم نور شمس خلال الأسبوعين الماضيين، حملة هدم طالت أكثر من 20 مبنى سكنيا في حاراته الرئيسية، وتضررت بفعلها بنايات مجاورة، وذلك في سياق تنفيذ مخطط الاحتلال لهدم 106 مبانٍ في المخيمين، منها 58 بمخيم طولكرم، و48 بمخيم نور شمس، لفتح شوارع وطرقات وتغيير معالمهما الجغرافية.
كما أبلغ الاحتلال، الأسبوع الماضي، سكان 58 مبنى في مخيم طولكرم بقرارات هدم فورية، حيث تضم هذه المباني أكثر من 250 وحدة سكنية، وأمهلهم ثلاث ساعات فقط للإخلاء من مخارج محددة، وسط تشديد إجراءاته تجاه المواطنين، الذين تعرضوا للتنكيل والاحتجاز والتهديد.
في غضون ذلك، تشهد المدينة، تحركات مكثفة لآلياتها وفرق المشاة، وهي تجوب الشوارع الرئيسية والأحياء، مع إطلاق أبواق آلياتها بطريقة استفزازية، والسير بعكس اتجاه السير، إلى جانب إقامة حواجز مفاجئة خصوصا في وسط السوق وشارع نابلس، ومحيط مستشفى الشهيد ثابت ثابت الحكومي، وتعرض المواطنين والمركبات للإيقاف والتفتيش والاستجواب والتنكيل.
وتواصل قوات الاحتلال أيضا الاستيلاء على منازل ومبان سكنية في شارع نابلس والحي الشمالي المجاور، بعد إخلاء سكانها بالقوة، وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، وبعضها تحت الاحتلال منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
كما يشهد شارع نابلس، الواصل بين مخيمي طولكرم ونور شمس، أضرارا كبيرة، بعد أن وضعت قوات الاحتلال قبل أشهر سواتر ترابية متقطعة على طوله، ما أثر بشكل كبير على حركة المركبات، وفاقم من معاناة المواطنين.
وخلّف العدوان المستمر حتى الآن استشهاد 13 مواطنا، بينهم طفل وامرأتان، إحداهما كانت حاملا في شهرها الثامن، إلى جانب عشرات الجرحى والمعتقلين، إضافة إلى دمار واسع طال البنية التحتية، والمنازل، والمحلات التجارية، والمركبات، إثر عمليات هدم وحرق ونهب.
وقد أدى هذا التصعيد إلى تهجير أكثر من 4200 عائلة من المخيمين، أي ما يزيد على 25 ألف مواطن، وتدمير أكثر من 400 منزل كليا، و2573 منزلا بشكل جزئي، فضلا عن إغلاق مداخل وأزقة المخيمين بالسواتر الترابية، وتحويلهما إلى مناطق معزولة، تكاد تخلو من مظاهر الحياة.


الحرب على غزة: 54 شهيدا بالقطاع وقصف خيام نازحين في خانيونس
استشهد 54 شخصا، وأُصيب عشرات آخرون، بالقصف المدفعيّ والغارات الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، الأحد، استشهد 4 منهم على الأقل فيما أُصيب آخرون بقصف الاحتلال خيام نازحين في مواصي خانيونس، جنوبيّ القطاع.
ونسفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الأحد، "مستشفى نورة الكعبي لغسيل الكلى"، شماليّ قطاع غزة.
والمستشفى هو الوحيد في شمال القطاع لغسيل الكلى، وكان يخدم العشرات من المرضى في مناطق بيت لاهيا، وبيت حانون، وجباليا، وقرية أم النصر، وقد تضرر بسبب استهداف الاحتلال له عدة مرات، ما أدى إلى تلف أجهزة غسيل الكلى، إذ لم يبق منها إلا 8 فقط، حتّى نُسف المستشفى، بشكل كامل، الأحد.
ويواصل الجيش الإسرائيلي حرب الإبادة على قطاع غزة المحاصر، في ظل تصاعد الضغوط الدولية على حكومة بنيامين نتنياهو بسبب استمرار العدوان وتفاقم الكارثة الإنسانية. فقد أدى الحصار الذي استمر لأكثر من شهرين، وخفف جزئيا الأسبوع الماضي، إلى نقص حاد في الغذاء والدواء والمواد الأساسية.
واستشهد 31 مواطنًا على الأقل وأُصيب أكثر من 200 آخرين، بوقت سابق الأحد، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، خلال اعتدائها على مركز توزيع المساعدات في منطقة العلم بمحافظة رفح جنوبي قطاع غزة، بحسب ما أفادت وزارة الصحة. وأوضحت الوزارة أن "كل شهيد وصل إلى المستشفيات مصاب بطلق ناري واحد في الرأس أو الصدر"، مؤكدة أن "الاحتلال تعمّد القتل المباشر والبشع بحق المدنيين المحتشدين بحثًا عن الغذاء".


الحرب على غزة: الجيش الإسرائيلي يوسع عملياته والمجازر مستمرة
دخلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، الاثنين، يومها الـ605، وسط تصعيد دموي متواصل وارتكاب مجازر جديدة بحق المدنيين والنازحين، خاصة قرب مراكز توزيع المساعدات الأميركية والإسرائيلية.
وأفاد سكان محليون بأن قطاع غزة يشهد قصفا شديدا وعنيفا، حيث تسمع أصوات الانفجارات في مناطق متعددة بالتزامن، ما أثار حالة من الذعر بين السكان.
وذكرت مصادر محلية من النقب وجنوب الضفة الغربية أن السكان هناك شعروا بهزات أرضية خفيفة ناجمة عن شدة القصف الإسرائيلي المتواصل على غزة.
وتزامن ذلك مع تفاقم المجاعة وتدهور الوضع الإنساني، في ظل استمرار القصف الجوي والمدفعي العنيف الذي يطال مختلف مناطق القطاع.
وفي سياق تصعيد العمليات، أوعز رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال جولة ميدانية أجراها الأحد في القطاع، بتوسيع نطاق "المناورة العسكرية" لتشمل مناطق إضافية شمالًا وجنوبًا، معتبراً أن إسرائيل دخلت "مرحلة حاسمة من القتال".
وشهدت مدينة غزة وشمال القطاع موجة من الغارات الجوية العنيفة، نفذتها طائرات حربية يعتقد أنها مخصصة لعمليات النسف واسع النطاق.
وأسفرت الهجمات عن تدمير عشرات المنازل، بما في ذلك أبراج سكنية، مما أدى إلى موجة نزوح جديدة لآلاف العائلات.
وقصفت الطائرات مواقع في شرق جباليا شمالي القطاع، وحي الأمل في خانيونس، وبلدة القرارة شمال شرقي المدينة، بالإضافة إلى قصف مدفعي شمال مخيم النصيرات وسط القطاع.
وفي تطور لافت، استهدفت القوات الإسرائيلية مركز نورة الكعبي لغسيل الكلى شمالي غزة، ما تسبب في تدميره بالكامل، بحسب وزارة الصحة في القطاع.
وفي ظل استمرار الجرائم الإسرائيلية، نفت حركة حماس مزاعم الاحتلال بشأن مجزرة رفح التي راح ضحيتها 31 مدنيا، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي لجأ إلى بث فيديو "مفبرك" لتضليل الرأي العام والتغطية على الجريمة التي وقعت أمام مركز للمساعدات.
من جانبها، رحبت حركة حماس بالجهود القطرية والمصرية الرامية لإنهاء الحرب، وأكدت استعدادها للدخول في جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة، بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب الاحتلال من كامل أراضي القطاع.
وتأتي هذه التطورات بينما أصدرت مصر وقطر بيانا مشتركا أكدتا فيه مواصلة جهودهما لتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع، وتذليل العقبات أمام التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، استنادا إلى المقترح الأميركي الذي قدمه المبعوث ستيف ويتكوف.


الضفة تحت النار: إصابات واعتقالات وتخريب للمحاصيل
واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر الإثنين، اقتحاماتها الواسعة لعدة مناطق في الضفة الغربية، ترافقت مع اعتداءات للمستوطنين على الفلسطينيين وأراضيهم الزراعية، في وقت تتواصل فيه العملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة منذ أربعة أشهر في طولكرم وجنين ومخيمات اللاجئين شمالي الضفة.
وخلال هذه الاقتحامات، أصيب فلسطينيان برصاص الاحتلال، إحداهما في بلدة برقة شمال شرق رام الله، والآخر في أودلا جنوب نابلس، فيما نقل شاب ثالث إلى المستشفى بعد تعرّضه للضرب المبرح على يد جنود الاحتلال عند حاجز عسكري على مدخل مدينة أريحا.
وأفادت جمعية الهلال الأحمر بأن الشاب عز الدين خالد أبو ربيع أُصيب بجروح وكدمات وتم نقله إلى المستشفى الأهلي في الخليل لتلقي العلاج.
وفي سياق متصل، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة، تركزت في مدينة دورا جنوب الخليل، ومدينة نابلس، حيث اعتقلت ما لا يقل عن 9 فلسطينيين بينهم أسرى محررون، بالإضافة إلى 3 سيدات وشاب من عائلة صنوبر بعد اقتحام منازلهم في بلدة زواتا غرب المدينة، وفق ما أفاد به نادي الأسير الفلسطيني.
كما اقتحمت القوات الإسرائيلية عدة بلدات، من بينها: دير أبو مشعل شمال غرب رام الله، حيث أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع. وزعترة شرق بيت لحم، وسط مواجهات مع الشبان. وعرابة جنوب جنين، حيث داهم الجنود المنازل وانتشروا في الشوارع تحت تغطية طائرات مسيرة.
في الأثناء، هاجم مستوطنون مزارعين فلسطينيين في سهل قاعون شمال قرية بردلة في الأغوار الشمالية، واعتدوا عليهم بالضرب، وطردوهم من حقولهم، وأتلفوا محاصيلهم الزراعية.
وأفاد المزارعون أن هذه الاعتداءات باتت متكررة وتهدف إلى ترهيبهم وإجبارهم على ترك أراضيهم.
وتأتي هذه التطورات في إطار التصعيد الإسرائيلي الشامل في الأراضي الفلسطينية، إذ تزامنا مع العدوان المستمر على قطاع غزة، كثف الاحتلال والمستوطنون اعتداءاتهم في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، ما أدى حتى الآن إلى استشهاد 972 فلسطينيا، وإصابة نحو 7 آلاف آخرين، واعتقال أكثر من 17 ألف فلسطيني، وفق بيانات فلسطينية رسمية.


اعتقال سناء سلامة: عن رفاهيّة اليأس والدولة المهزومة
إشراق كرونة
كاتبة تونسية مقيمة في باريس

أن تكون فلسطينياً يعني أن تتنازل طوعاً عن حقّك في التعب العاديّ الذي يصيب جسم أي إنسانٍ عاديٍّ. وأن تكون فلسطينياً يعني أيضاً أن تتخلّى عن حقّك الإنساني الخام في الراحة بمفهومها الطبيعيّ. إنّ مفهمة العاديّ والطبيعيّ لا تستجيب إلى التعريف النموذجي المتعارف عليه، لأنّنا ببساطة نواجه أشرس عدوّ معاصر: وحوش ضاريَة بلا عقلٍ وبلا أخلاق. وسناء سلامة دقّة، التي أتت بي إلى هذه الورقة لأكتب اليوم، لا تكفّ تردّد «إنّهم أصل الشرّ في العالم».
وهم فعلاً كذلك! فأيّ «دولة» تدّعي القوّة يمكنها أن تقبل على نفسها أن ينجح وزير التطرّف فيها في الإيعاز باعتقال أرملة شهيد ما تزال هذه الدولة الفاشية نفسها تحتجز جثمانه في مشرحتها. إنّها دولة مهزومة... تلك الدولة التي تحرم طفلة من أبيها فلا يحظى بحضن واحدٍ معها وتحرم الطفلة ذاتها، بعد استشهاد والدها أسيراً مكبّلاً إلى سرير المستشفى، من أمّها وقد صحبتها إلى مسرح الحكواتي في البلدة القديمة في القدس.
هذه قصّة ثلاثيّ يدقّ مسامير يسُوع في الغيوم لتمطر على الفكرة الخالدة: ألّا نتعب! إنّهم أصحاب المعادلة الثابتة التي تخوّن اليأس وتمنع الاستسلام. نار من نور لا تميد تحتها الأرض: ميلاد من وليدٍ وسناء هي جيشهما معاً وهي البوصلة.
وأعداء سردّيتنا الفلسطينية المحضة يعرفون وزن هذه البوصلة ولذا تربّصوا لها الخميس الماضي (29 أيار/مايو) في عاصمتنا الأبديّة المحتلّة القدس، ولذلك أيضاً لم يتوان جيشهم المهزوم عن اعتقال الحبيبة سناء دقّة زوجة الشهيد وليد. فهل رأيتم دولة تجرّ أذيال هزيمتها فتسجن أمّاً لأنّها زوجة أسير شهيد؟
لا يزال وليد دقّة يلاحقهم. وما يزال سرّ طيفه يؤرّقهم ويبثّ الرعب في أعماقهم. إنّ استمرار الفكرة حرّة شامخة تمشي على اثنين بعد ترجّل الجسد يُذكِي شرورهم الحاقدة فيلاحقون الزوجة الأمّ في يومها وفي نسقها الطبيعي مع ابنتهما. يلاحقون أفكارها وهواجسها وحدادها. ففي ظلّ الدولة المهزومة، يمسي الحداد تهمة توقف بموجبها سناء دقّة وتبعد عنها طفلتها ليتسنّى لساديّة الدولة أن تسألها: لماذا اخترتِ وليد دقّة زوجاً؟ لماذا أنجبتِ منه طفلة؟ ترتجّ هذه الدولة المنتهية الصلاحيّة وتحرّك أمراً قضائياً وعتاداً وجيشاً ليسحب أرملة حبكت كلّ الطرق إلى كلّ السجون التي نقل إليها وليد ولم تتعب أربعين عاماً، يسحبها من يومها ومن حقّها الطبيعي في أن تكون إلى جانب ابنتها، فهي كلّ من تبقّى لميلاد بعد أن غاب وليد.
إنّها الدولة التي تتلذّذ بساديّة رفيعة المستوى لتحقّق مع زوجة عن سبب اختيارها زوجها الذي استشهد، أعني زوجها الذي قتلوه. لقد مات وليد وحيداً مريضاً مكبّلاً في مستشفى أساف هاروفيه في السابع من نيسان/أبريل 2024. خرج آنذاك الوزير المتطرّف نفسه «يأسف» لموته ميتة طبيعية ويشدّد على أن وليد دقّة كان ينبغي أن يموت داخل السجن. وهو الوزير ذاته الذي حرّض على سناء سلامة قبل يوم واحد من اعتقالها أمس من القدس المحتلّة.
هكذا نرى انتصار سرديّتنا التي تكالبت كلّ الدّنيا عليها رغم الأثمان الباهظة. لقد انتصر وليد مرّة أخرى. ولقد انتصرت سناء مرّة أخرى على شرورهم الآثمة. ويمكن لميلاد أن تشعر بمزيد من الفخر بهذا الانتماء. الانتماء إلى جيش أبيها الوحيد الذي جابه دولة احتلال افتكّت وليداً من طعم «عروسة اللبنة» التي أعدّتها والدته قبيل اعتقاله. لقد أعادت سناء إلى وليد طعم الحياة لا فقط طعم اللبنة. ولقد أعطت سناء معنى لحياة وليد. غير أنّها أعطت معنى لحياتنا نحن المنتصرون إلى سرديّتهما الشخصيّة والمنتمون إلى السرديّة الجماعية: لقد جعلت لنضالنا معنى لأنّها مدرستنا التي نتعلّم منها. لقد تعلّمتُ من سناء أن أكون شرسة وتعلّمت من سناء أن أكون صلبة وتعلّمت من سناء أن أكنسَ اليأس. لقد أعطت سناء لمكنسة الغبار معنى عندما ناولتها شرف كنس اليأس. اليأس الذي أرادت عصابات الهاغاناه رشّه في وجوه سرديّتنا. وحاولت حرق جثث أجدادنا به.
تلاحق الدولة المهزومة سناء سلامة اليوم لأنّها لم تتعب من حمل صور وليد دقّة عالياً في السماء بعد استشهاده. تلاحقها لأنّها استطاعت أن تنجب ابتسامته حرّة تمشي وتغنّي في ملامح ميلاد. تلاحقها لأنّها تبعث الحياة في الجثمان المحتجز عندما تقف تحت خطّ الشمس مطالبة بالإفراج عنه. إنّهم يلاحقون إرادتها الصلبة ويلاحقون إصرارها الجبّار المتواصل منذ عقودٍ طويلةٍ.
إنّهم يلاحقون قدرتها الأخّاذة على ترويض الخيبة. وعلى جعلها مادّة للسخريّة من أسوارهم ومن أسلاكهم الشائكة. إنّ جنونهم يطال أيضاً قدرتها العجيبة على الضحك في وجه أسوارهم.
هذه سناؤنا وهذه آياتها. إنّ فكرة الوفاء والعهد تهزّ أركان الدولة المهزومة. ولعلّهم راهنوا على انطفاء لهيب الانتماء إلى وليد الفكرة عندما اغتالوه. فجنّوا عندما جعلت سناء من استشهاده ولادة أخرى هي إصرارها وقدرتها على الاستمرار سامقة مثل نخلة الدّار. إنّهم يرونه حيّاً فيها كلّ يوم ويرونه فاعلاً في ابتسامتها كلّ ثانية ويرونه صلباً في نظرتها دائماً. وهم يدركون أنّه يلاحقهم سرّاً وسيفاً وطيفاً في قفزة ميلاد وفي فنون «الدبكة» التي تتعلّمها. يلاحقهم في صوت القانون الذي اختارت ميلاد أن تتمّرن على العزف عليه. ألم يصنع وليد عوداً كاملاً في السجن من أوتار قادتها الصدف إلى القسم الذي كان موجوداً فيه؟ لقد اشتدّ عود الأوتار المهرّبة تلك، فصارت أعواداً لقانون ميلاد الجديد. وذلك قانون سناء الحاسم: ممنوع أن نيأس وممنوع أن نستسلم. لقد كتب وليد عن «كيّ الوعي»، فجاءت سناء تكوي اليأس!
تحرص سناء على أن تُنفِذَ وصيّة وليد كاملة من دون أن تسقط عنها أي تفصيل. تحرص أن ترتّب البيت كما يحبّ وليد أن يفعل. تحرص على أن تذكّر ميلاد بأن «بابا وليد» يفضّل شعرها الذهبّي طويلاً حرّاً لا يمسّه القطع. تحرص سناء على أن تعلّم ميلاد في البيئة التي كان وليد يحلم أن تكبر ابنته فيها. تمشي بخطى ثابتة نحو كلّ وصاياه. إنّها تحيّيه كلّما نادت: ميلاد! ميلادي! وهي فعلاً ميلادها. وسناء حقّاً ميلاد وليد.
تمثّل سناء الحلقة المركزية في هذا المحور الثلاثي. امرأة من نار وماء. لا يعرف التعب الطريق إليها. ولا تعرف ساقاها الوهن ولا تعرف يداها إلا الرفع. يعزّ عليّ كثيراً أن أرى يديْها في القيود وساقيها أيضاً لكنّني أدرك أن منظومتهم الحاقدة تتطاير شرراً من عزيمتها. وأدرك في الوقت ذاته أنّهم أصغر من أن ينالوا من صلابتها.
ليست سناء سلامة امرأة عاديّة. وليست استثناء. إنّها أسطورة! أسطورة فارّة من ملاحم الإغريق التي لا تتكرّر وهي فعلاً بهذا المعنى شخصيّة أسطورية لا تتكرّر.
ولا شكّ أن منطق دولة الاحتلال المتخبّط المهزوم يعرف وقع هذه الإنسانة في أفئدة حاضنتها الشعبيّة التي لا تراها رمزاً وحسب، بل مثالاً وقدوة. وإنّني أفخر أن أقول إنّها قدوتي ومثالي. لقد استطاعت سناء أن تفتكّ حصة وليد من الشمس ومن الحريّة عندما أعطت معنى لاسمه وصارت أمّاً لميلاده. ولقد استطاعت سناء أن تجترح معنى آخر للصبر والجلادة والحبّ عندما نجحت في جرّ حكايتها الفرديّة مع وليد إلى فضاء الرواية الجمعيّة الفلسطينية.
أعادت سناء تعريف المعنى الجمعي للنضال ووحدة الحال في السّاحات كما في الحبّ وفي العلاقات الإنسانية الطبيعية العاديّة. بيد أنّها نجحت كذلك في أن تجعل من هذه الممارسات اليوميّة العاديّة حالات نضالية مثل الولادة والحلم والانتماء. لقد خاضت اشتباكها الخاصّ مع أعتى دولة ظالمة وفرضت شروطها وشروط زوجها عليها. ولكنّها استطاعت أيضاً أن تحمّل قواعد هذا الاشتباك لجيل آخر بعدها أوقدت قصّتها نار جذْوته! هكذا تسقط الأجساد لا الفكرة.
لقد استطاعت سناء أن تفرض هذه المعادلة، أن تخرجها من سياقها الأدبيّ المرفّه إلى سياقها النضالي الواقعيّ. واستطاعت أن تروّض كلّ الأجساد فتسقط مقابل أن تبقى الفكرة صامدة عالية. وهذه الفكرة هي الميلاد. ميلادها الشخصي، نعم. إلا أنّها أيضاً ميلاد الفكرة الفلسطينية الحرّة. فالقدر الفلسطيني ممنوع من الهزيمة ومن الاستسلام ومن اليأس.
أنا أفخر بإرث سناء بقدر فخري بإرث وليد فيّ. أفخر أنّني تعلّمت منها كيف أكون ندّاً في معادلة الموت المحيطة بنا. وتعلّمت منها كيف أكون عنيدة في وجه الإبادة. أليس اغتيال وليد في النهاية صورة عن إبادة فرديّة لعائلتها؟ لقد علّمتني سناء ألا فرق بين عمق الإبادتين: الفرديّة والجماعية. ولا فرق في الآن نفسه بين جدوى المقاومتين: مقاومة الإبادة الفردية ومقاومة الإبادة الجماعية التي تشنق أطفالنا أمام مرأى عالم لا يحرّك ساكناً.
لقد تعلّمت من وليد معنى أن أكون ندّاً وصلبة وأنّ اليأس رفاهية لا نمتلكها -على حدّ عبارته- غير أنّني تعلّمت من سناء معنى أن أكون إنسانة حرّة. علّمتني كيف أمسك بخياراتي إلى آخر رمق وكيف أتمسّك بها إلى آخر رمق: لقد وضعت يديْها على يديّ لتعلّمني كيف أثبت على مِقود خياراتي وكيف أستشرس في الدفاع عنها تماماً كما تعلّم ميلاد كيف تضع يديْها على مِقود السيّارة وتمشي. لقد تعلّمت من سناء ألا أمشي سوى إلى الأمام!
ليست هذه الحلقة الوحيدة التي حاولت فيها الدولة المهزومة التضييق على سناء. هناك إشارات سابقة كثيرة. استطاعت سناء أن تديرها وأن تتعامل معها. وليست هذه الحلقة الأخيرة مع دولة تخاف من ابتسامة وليد في ملامح ابنته التي شبّت لتغنّي عن العصفور الذي طلّ من الشبّاك! لكنّ الدولة التي لم تنل من سناء دقّة عقوداً طويلة لن تنال منها الآن. ستخرج سناء مبتسمة لتقول لنا جملة زوجها الخالدة «إنّنا نسخر من أسوارهم ومن أسلاكهم الشائكة».
صحيح أنّ سناء هي جيش الباقي فينا من وليد دقّة، لكنّ لسناء أيضاً جيوشاً لا عدّ لها. جيوش لن تبخل عليها بأي شيء.

وإنّا على العهد.
في انتظاركِ يا سنديانة قلبي قريباً.
(حُدّدت جلسة محكمة لأم ميلاد غداً الثلاثاء، الثالث من حزيران/ يونيو. الحريّة حتميّة!)


«36 شارع عباس» يعاد بناؤه بالذاكرة الحيّة
أدهم الدمشقي

لم تكن مسرحية «36 شارع عباس - حيفا»، التي قُدمت في «مسرح المدينة» أخيراً، مجرد عرض فني عابر، بل تجربة غامرة تُعيد تشكيل الذاكرة الفلسطينية بكل أبعادها.
العمل (كتابة وتمثيل رائدة طه وإخراج جنيد سري الدين) لم يكتفِ بسرد حكايات التهجير والنكبة، بل تجاوز ذلك ليُقدم شهادة حية على جدلية الشتات والعودة، متغلغلاً في عمق الصراع الفلسطيني عبر تفاصيل الأمكنة والذكريات. الإخراج الفذ، بتجريده وعمقه، لم يكن مجرد خلفية للحكاية، بل شريكاً أصيلاً في بناء المعنى وتأصيله في وعي الجمهور.

الإخراج: هندسة الفراغ المستوحاة من أدولف آبيا
تميّز إخراج جنيد سري الدين ببساطته وعبقريته، وهي سمة تُشير إلى فهمٍ عميق للحكاية والقضية. في مربعٍ من ضوء تتجلى الذاكرة، لم يحتجِ المخرج إلى ديكورات مادية معقدة، بل اعتمد على الضوء كعنصر أساسي لرسم المكان وتجسيد الذكريات. هذا النهج ليس وليد المصادفة، بل هو استلهام واعٍ لرؤى أدولف آبيّا (1862-1928)، رائد المسرح السويسري الحديث. آبيّا، الذي ثار على العلبة الإيطالية ولوحة المنظور التي توهم بالمنظر الواقعي، كان يُؤمن بأن الديكور التقليدي «تحجيم للذاكرة وقتل لها». بدلاً من ذلك، دعا إلى «إحلال الحجم محل اللوحة»، والتوجه نحو مسرحة الأشكال المجردة النقية.
في «36 شارع عباس»، يتجلى هذا التأثر بآبيّا بوضوح. الخشبة الفارغة لم تكن فراغاً عدمياً، بل فضاءً محفزاً للخيال، حيث تتكوّر السينوغرافيا بالضوء، ويصير الخيال واقعاً ملموساً. آبيّا رأى أنّ «الجو المسرحي يتألف من عدد صغير من الخطوط الأفقية والعمودية والمائلة مع تنسيق فني في ما بينها». وهذا ما تحقق في المسرحية عبر استخدام الضوء في خلق ظلٍّ لشخصية نضال.
هذا الظل، المرسوم على الحائط، لم يكن مجرد انعكاس بصري، بل رمزاً لازدواجيتها العميقة، ووقوفها على الأطلال. آبيّا كان يعتقد أن دور الإضاءة المسرحية يقتصر على وضوح مشاهدة الممثل، وأن مهمتها هي إبراز التأثير التعبيري على وجه هذا الممثل وجسمه. هذا ما نجح سري الدين في تحقيقه ببراعة، حيث لم يكن الضوء مجرد وسيلة للإضاءة، بل أصبح عنصراً درامياً أساسياً يُبرز الحالة النفسية للشخصية ويُعمّق دلالاتها.

الجسد والمكان: حوار دائم وتفاعل إيقاعي
في ظل غياب الديكور المادي، أصبح جسد رائدة طه هو العنصر الأساسي في بناء المكان. تتحول على الخشبة، كأنها ترسم لنا المطبخ بتفاصيله، والحمام، والممرات. هذا التفاعل بين الجسد والفراغ يحاكي أسطورة الخلق الأولى، حيث «في البدء كان الكلمة والضوء ثم صار الوجود». فالكلمة والضوء هنا في فراغ الخشبة يبنيان المكان بواقعية بحت، كأن البيت الذي سُرق، وعنوانه «36 شارع عباس»، يُعادُ بناؤه بوعي الحاضر وذاكرة الماضي.
إيقاع الوقت والجسد يتباطأ تحت شلال الضوء، بخاصة في مشهد التفتيش في مطار اللد، وهو ما يعيد إلى ذاكرة رائدة صورة والدها البطل علي طه. هنا، تتداخل الشخصيات، ولكنها جميعها تجسيدات لبطل واحد: الحق في الصراع والوجود. هذا الاستخدام الإيقاعي للضوء والحركة يعكس رؤية آبيّا الذي اعتبر «حركة الممثل هي التي تعطي الفضاء المسرحي شكله».

«قفا نبكِ» و«ظل نضال»: حوار مع الأطلال والذاكرة
تحليل معلقة امرئ القيس الأولى «قفا نبكِ» يُشير إلى مخاطبته لظلّه المرخي على الأطلال، أو حصانِه، أو صباه الغابر المنهوب، مع دلالة قوية على البكاء على الأطلال وذكر الديار والحبيبة.
في «36 شارع عباس»، يأخذ «ظل نضال» هذا المفهوم بُعداً جديداً. فعندما تُجسد رائدة طه الشخصيات التي امتلكت البيت وبنَتْه قبل مصادرته من قبل اليهود، كانت تقف وظلها يحاكي أطلال حيفا وبحرها. هي تحاول استرجاع العائلة المهجرة وشملها، وربما كل عائلة تشتت عن أرضها.
الفرق الجوهري بين امرئ القيس ورائدة يكمن في أن الأول يعيش في التمني والفعل الذي لا يتحقق، بينما الثانية تناضل في الرجاء والمقاومة وحتمية العودة ولو بعد أطلالٍ من الخراب والدمار. فصحراء القيسِ رمل لا تعود الحياة فيه، أما بلاد الخصب، فلسطين، فالقيامة فيها فعل رجاء وحق وحتمية. ظلّ نضال لم يكن مجرد انعكاس بصري، بل رمزاً للذاكرة الحية التي تُصارع النسيان، وتُعيد بناء ما هُدم في الوجدان. إنه يُجسّد هذا الصراع الأعمق داخل المجتمع الفلسطيني، حيث يتجاوز الحق بالملكية المادية الشعور بالانتماء الوجداني للأرض، ملقياً الضوء على التعقيدات النفسية والاجتماعية التي يُخلفها الاحتلال.

كسر الجدار الرابع: إشراك الجمهور في القضية
من اللحظات الفارقة في المسرحية، خروج رائدة طه نحو الجمهور، كاسرة الجدار الرابع، ومخاطبة إياهم في مشهد لقاء «نضال» بفؤاد أبو غيدا في لندن. بهذا الفعل، تُحوّل الجمهور إلى «مشجعين لكرة الطابة»، وتُسقط على كل منهم شخصية أحد أصدقاء فؤاد وزملائه. هذا التفاعل المباشر لا يُعزز التماهي مع القصة فحسب، بل يُحوّل المشاهدين إلى جزء من حكاية الصراع الفلسطيني، ويُذكّرهم بأن القضية ليست مجرد أحداث على خشبة المسرح، بل هي قضية حية، تعيش في وجدان كل فرد.

خطواتٌ تمشي إلى الوراء: رمزية العودة والذاكرة
لحظة تتويج المسرحية كانت عندما جسّدت رائدة طه شخصية فؤاد أبو غيدا وهو يصعد درج بيته في حيفا بعد الاحتفال الذي نظّمته عائلة الرافع وأهالي الحي. خطواته تمشي إلى الوراء في عملية صعود الدرج، في رمزية بالغة العمق لاسترجاع الذاكرة واستعادة اللحظة الطفولية الأولى. جسدها، وهو يرجع إلى الوراء، يُشير إلى أن الصعود هو الرجوع إلى الذاكرة، وأن العودة ليست مجرد فعل مادي، بل هي استحضار للماضي، وربط للحاضر بالثابت في الوجدان.

موسيقى «موطني»: نشيد للملاعب والوطن
ختام المسرحية بنشيد «موطني»، بعد الاحتفال بفؤاد أبو غيدا، عاشق كرة القدم الذي طمح بمنتخب فلسطيني، كان مؤثراً للغاية. هذا النشيد تحوّل تحت دائرة الضوء إلى النشيد الرسمي للبلاد، وفي الوقت نفسه بدا كأنه نشيد الملاعب. إنه يُمثل مزجاً عبقرياً بين الهوية الوطنية والشغف الإنساني، ليُجسد أن القضية الفلسطينية ليست فقط قضية سياسية أو جغرافية، بل هي قضية هوية، ثقافة، وحياة.

المسرح: ذاكرة حية وصمود متجدد
«36 شارع عباس» هي أكثر من مجرد مسرحية؛ إنها مسرحية الضوء والظل والجسد والذاكرة. لا قيمة هنا لأي ديكور، فـ «الديكور هنا سيكون تحجيماً للذاكرة وقتلاً لها». الخشبة الفارغة، بكل ما تحمله من رمزية، أصبحت فضاءً خصباً تتجلى فيه الحكايات، وتُنسج فيه الذاكرة.
كما تقول رائدة طه، فإنّ «المسرح أداة قوية وناجحة» في المقاومة، بخاصة عندما يتناول القضية الفلسطينية «من خلال قصص حقيقية». هذا النهج، الذي يعتمد على السرديات الشخصية، يُضفي مصداقية وعمقًا على العمل، ويُحوّل التجربة الفردية إلى تجربة جماعية. المسرح، بتفعيله للحواس، يجعلك «تشم الرائحة وتسمع الأصوات وتتخيل الناس، وتتولد لديك حكاية حقيقية بشكل ترفيهي وممتع وذات رسالة».
في زمن تتآكل فيه الذاكرة وتُستلب الثقافة وتُنهَب، تُشكل «36 شارع عباس» فعل صمود ثقافي وبناء هوية متجددة. إنها تُبرز قوة المسرح في تجاوز حدود الزمان والمكان، وإعادة إحياء الذاكرة ليس كألم مجرد، بل كقوة دافعة نحو الصمود والمقاومة بأوجهها المختلفة.
هل يمكن للمسرح أن يبقى، في هذا الزمن المضطرب، الدرع الأخير لحفظ الوطن وهويته؟ «36 شارع عباس» تُجيب على هذا السؤال بتأكيد قاطع: نعم، فالفن، بالقصص الحقيقية والتفاؤل، يُغذي الاستمرار ويُشعل شعلة الأمل في عتمة اليأس.


أطباء بلا حدود: نظام توزيع المساعدات الحالي بغزة خطير ويفتقر للإنسانية
وصفت منظمة أطباء بلا حدود، نظام توزيع المساعدات الأميركية بقطاع غزة المدعوم من إسرائيل، بأنه خطير ويفتقر إلى حد بعيد للمعايير الإنسانية والفعالية.
وقالت منسقة شؤون الطوارئ، كلير مانيرا، في بيان نشرته المنظمة، إن استشهاد عشرات الفلسطينيين وإصابة مئات وهم ينتظرون حصولهم على الطعام من مراكز التوزيع "يٌظهر خطورة النظام الجديد لتوزيع المساعدات وافتقاره للإنسانية والفعالية إلى حد بعيد".
ولفتت مانيرا إلى أن نظام التوزيع الحالي "أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين بما كان من الممكن تفاديه".
وأضافت "لا بدّ من أن تُقدَّم المساعدات الإنسانية حصريا عبر منظمات إنسانية تمتلك الكفاءة والإرادة لتقديمها بشكل آمن وفعّال".
وأشار البيان إن أن فرق أطباء بلا حدود في مستشفى ناصر بمدينة خانيونس جنوبي القطاع، شاركت الأحد بعلاج إصابات خطيرة.
وذكر أن فرق الأطباء اضطرت أيضا للتبرع بالدم لإنقاذ الجرحى، مع اقتراب بنوك الدم من النفاد.
ونقل البيان عن مصابين قولهم إنهم "تعرّضوا لإطلاق نار من جميع الجهات بواسطة طائرات مسيّرة ومروحيات وزوارق ودبابات، بالإضافة إلى جنود إسرائيليين على الأرض".
وقالت المسؤولة الإعلامية في أطباء بلا حدود، نور السقا "كانت ممرات المستشفى مكتظة بالمرضى، لكن على عكس ما اعتدت رؤيته من قبل، حيث كانت الغالبية من النساء والأطفال، كان معظم المرضى اليوم من الرجال"؛ بحسب البيان.
وتابعت "فقد تمدّدوا على أسرّة في الممرات لأن الغرف امتلأت بالمصابين، وكانت الإصابات بالطلقات النارية ظاهرة على أطرافهم، وثيابهم ملطّخة بالدماء".
وأوضحت أن المصابين كانوا "مكسورين ومفجوعين، فبعد أن خرجوا لتأمين الطعام لأطفالهم، عادوا جرحى وخاليي الوفاض".
وتابعت "استمرّ تدفّق الجرحى إلى قسم الطوارئ، ووسط هذه الفوضى وردنا خبر يفيد بمقتل شقيق أحد زملائنا وهو يحاول الحصول على المساعدات من مركز التوزيع".
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة الإثنين، عن ارتفاع "عدد شهداء مجازر مراكز توزيع ما يسمى بالمساعدات في منطقتي رفح وجسر وادي غزة، إلى 52 شهيدا و340 مصابا، منذ بدء العمل بهذه المراكز بتاريخ 27 أيار/ مايو 2025".
وقالت وزارة الصحة بالقطاع، إن "كل شهيد وصل إلى المستشفيات كان مصابا بطلقة نارية واحدة في الرأس أو الصدر، ما يؤكد إصرار الاحتلال على القتل المباشر والبشع بحق المواطنين".
وبعيدا عن إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الدولية، بدأت إسرائيل في 27 أيار/ مايو الماضي، تنفيذ مخطط لتوزيع مساعدات إنسانية، عبر ما تُسمى "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة إسرائيليا وأميركيا.
ويتم توزيع المساعدات في ما تسمى "مناطق عازلة" جنوبي غزة، وسط مؤشرات على فشل المخطط، إذ توقف التوزيع مرارا بسبب تدفق أعداد كبيرة من الجائعين، وإطلاق القوات الإسرائيلية النار على الحشود، ما خلف شهداء وجرحى.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire