عن بلدية نيويورك و«الرابطة القلمية» ومعركة «الهوية»: الدولة اللبنانية تهادن «إسرائيل» وتخاصم بلاد الشام

 

بول مخلوف

في «إنجازٍ تاريخي» يضاف إلى سجلّ الديبلوماسية اللبنانية الحافل بالانتصارات الكبرى، نجحت وزارة الخارجية أخيراً في انتزاع اعتراف دولي حاسم: جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة لم يعودوا سوريين. لقد استعادت لهم الدولة اللبنانية، بهيبتها وبعبقرية ديبلوماسيتها، سيادتهم على أنفسهم، وأعادتهم إلى جنسيتهم «الأصلية».
لقد تحرّر أدباء «الرابطة القلمية» من الماضي الجغرافي والثقافي «الملتبس»، ومن قبضة «الوصاية السورية»، ورجعوا إلى الحضن الوطني الآمن. هكذا، بعد عقود من الفشل في حماية الحدود، والسيادة، والاقتصاد، استطاعت الدولة اللبنانية إذن، أن تعيد «أدباء الرابطة القلمية»، أو «أدباء المهجر»، إلى لبنانيتهم، وتخلصهم من اللوثة «السورية» التي علقت بهم قرناً من الزمن.
إنه انتصار لا يستهان به. النخب السياسية والثقافية التي امتعَضت من التكريم النيويوركي، كانت قريبة، على ما يبدو، من انهيار عصبي كاد أن يودي بسلامتها العقلية بسبب توصيف تاريخي حافظ على هوية أدباء «الرابطة القلمية» باعتبارهم أدباء سوريين؛ وهو توصيف يعود إلى مرحلة كانت فيها بلاد الشام أو سوريا الكبرى تفهم باعتبارها فضاءً حضارياً لمنطقة واسعة تسبق الخرائط والحدود التي رسمها الانتداب لاحقاً. انتماءٌ دائماً ما جاهر به أدباء المهجر أصلاً، وفي مقدمتهم جبران ونعيمة والريحاني، وعملوا من داخله.
والحق يقال، لولا هذا التحرّك «البطولي»، الذي قاده تحديداً الوزير «دجو» رجي ونجح عبره في إزاحة الهوية السورية عن هؤلاء واستبدلها بالهوية اللبنانية، لربما استيقظ اللبنانيون ذات صباح ليجدوا أن جبران ونعيمة والريحاني قد اختُطفوا نهائياً إلى الضفة الأخرى من التاريخ، أو أدرجوا، ما عاذ الله، في خانة الاشتباه بانتمائهم لـ «البعث».
المشهد كله مثير للسخرية. دولة عاجزة عن الاتفاق على كتاب تاريخ مدرسي موحّد، تخوض فجأة معركة شرسة دفاعاً عن «الدقة التاريخية». يمين سياسي وثقافي لم يبدِ أي حساسية تجاه محو الذاكرة الجماعية للبنانيين، ولا تجاه احتلال قرى الجنوب اللبناني، استنفر فجأة من توصيف (حقيقي) يفيد بأن أدباء المهجر «سوريون». يا للمفارقة يا رفاق، لم تعد المشكلة في انهيار الدولة بل في انهيار نقاء الهوية!
نبارك إذن لليمين الثقافي، والسياسي طبعاً، انتصاره في معركة التحرّر الوطني الكبرى. وزراء وسياسيون ومثقفون يتصرفون كمأموري نفوس، مهمّتهم التدقيق في الهويات ومنح الجنسيات بأثر رجعي. إنه ذلك الخوف الانعزالي المزمن من شبح سوريا؛ خوفُ الكائن القابع في مغارة في جبل لبنان، المرتعب من أي تاريخ يتجاوز حدود طائفته أو سرديته المحلية.
هو الخوف نفسه الذي دفعهم إلى تحويل جبران، الذي قضى حياته يحاول تحرير الإنسان من السجون الضيقة، والريحاني الداعي إلى القومية العربية، ونعيمة الذي تباهى بسوريته، إلى «أربعطعش آذاريين». لكن الآن، في وسعهم أن يناموا مطمئنين: لقد منح أدباء المهجر أخيراً ختم الجودة الوطني، وعلامة: «صنع في لبنان».
الفادح في الأمر أن هذا الخطاب اليميني تعامل مع «سورية» جبران ونعيمة والريحاني كما لو أنها شبهة سياسية، أو وصمة ينبغي التبرؤ منها. كأنّ كلمة «سوريا» تهمة أيديولوجية ينبغي نزعها عنهم. ربما لا يعلم هؤلاء أن أعضاء «الرابطة القلمية» كانوا أبناء مشروع نهضوي، شديدي الانتماء إلى حضارتهم السورية. رأوا في اللغة أداة تحرّر، وفي الثقافة نافذة على العالم، وفي «سوريا» اسماً لفضاء حضاري مفتوح ومتعدد لا سلالة نقية تحتاج إلى لجان تدقيق وعلماء بيولوجيا لإثبات نسب.
سوريا في وعي أدباء النهضة والمهجر مجال رحب، تخيّلوا داخلها مشروعاً نهضوياً يتجاوز العصبيات الطائفية والانغلاق المحلي. أدب المهجر انشغل في البحث عن إنسان مشرقي حديث، قادر على العيش داخل عالم متحوّل؛ إنسان ينتمي إلى حضارته المشرقية بقدر ما هو «كونيّ». لكن يبدو أن هذا كلّه أعقد من أن تستوعبه القومية المتأخرة، أي القومية اللبنانية الرجعية، التي تتعامل مع الأدباء كما تتعامل البلديات مع العقارات المتنازع عليها.
هكذا نجحت الدولة اللبنانية، ومعها بعض نخبها الثقافية، في منح أدباء المهجر هوية نظيفة، نقيّة ومعقّمة، تشبه الصورة المتخيّلة التي تحتفظ بها عن «جبل لبنان»، غافلةً أنّ تاريخ المشرق كلّه قائم على الالتباس والتداخل والهجرات والتحوّلات.
لقد اقتلعوا أدباء المهجر من فضائهم السوري، لأنهم يرتعبون من كلمة «سوري» حتى حين تأتي في سياق حضاري، أو سياق جغرافي يعود إلى ما قبل قيام سوريا ولبنان بصيغتهما الحديثة.
لو عاد أدباء المهجر اليوم، لكانوا على الأرجح موضع شبهة عند حرّاس الهوية الجدد. مَن كتبوا عن سوريا سيكونون مضطرين اليوم إلى إبراز أوراقهم الثبوتية كلما أرادوا عبور مخيلة قومية ضيقة.
لقد انتصرت الدولة أخيراً. تمّ تجنيس أدباء المهجر رسمياً. دخل هؤلاء نادي الانعزالية اللبنانية. يمكن للبنان الآن أن ينام مطمئناً. الهوية بخير. أما الأدب، والفكر، والتاريخ، فهذه تفاصيل ثانوية يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire